سالم السوطي – سلطنة عمان
حمل أمتعته في حقيبته بعد اتصال مُلّح من أصدقائه إلى وجهة جديدة في ربوع وطنه؛ لاكتشاف أماكن سياحية لم تطأ قدمه، قد شدّته تزكية من بعض أقرانه، فالمكان وصف بأنّه جنة خاصة في وقت الأمطار، ونزول الوادي، سال لعاب شوقِ النفس إليه، وها قد وصل إلى نقطة اللقاء لينظموا في سيارة واحدة، وبدأت الرحلة تشتعل بحماس وقاد، يصاحب ذلك موسيقى صاخبة، وسرعة زائدة، وانشغال بالهاتف، وضحك وسخرية في بعض مفردات حديثهم، فالطريق الذي يحملهم لسان حاله يقول: من أنتم؟!
تجيب السيارة التي تقلّهم: إنّهم فتية في زمن الذكاء الاصطناعي، فتية قد غرّتهم حياة الحرية ليجدوا أنفسهم أمام ثقافة جذابة معسولة في عالم الترحال، استطاعت أن تنال من أفكار تربية الأسرة، وأصبحت الهوية الأصيلة مهزوزة في نظرهم، فهم لا يفقهون ماهية تمثيلها في حياتهم، لباسهم لباس الرياضة بمختلف أشكاله من حيث القصر، والطول، وغالب الذوق فيه تقليد أعمى، فأحبّ إلى نفوسهم مقولة خالف تُعرف أو ما يسر خواطرهم؛ ليتناسب مع أذواق سفرهم، وترحالهم.
وفي قصتهم حين نزلوا وادي الغموض بسيارتهم أول مرة دون خبرة موسعة عن طبيعة المكان، اشتدّ غضبه ولم يعجبه هذا التصرف دون إلقاء التحية له، ودون سبر مناشدة علومه وأخباره؛ ليبلعهم في دوامة مخيفة، ثمّ في جريان سريع يدفعهم نحو منحدر أعمق، ولا يكفيه أن يبقيهم قريباً، وإنّما يحاول أن يكون ابتلاعه بلا نهاية، وغموض مبهم؛ لتصبح قصتهم إنّهم فتية، والله أعلم بعدّتهم في ذلك المكان.
تتوالى عناصر القصة في ازدياد شخصياتها، وأحداثها، فهناك أُسر تبحث عن فقيد في كلّ مكان، فلا علم ولا خبر غير سماع أخبار متناقلة في وسائل التواصل الاجتماعي، فمنهم يقولون ثلاثة رجماً بالغيب، وبعضهم يقولون خمسة في رواية مفادها: “إنّه قد شاهدهم بعض السيارة من أهل المكان”.
أخبار متناقلة وهي مختلفة السرد، تفيد بعض تفاصيلها باستمرارية البحث عن المفقودين؛ لكنّ هناك القلق المتراكم الذي ما زال ينبعث في أهل المكان بوادي الغموض، وقد تركوا جلّ أعمالهم في سبيل إنقاذ وحمل خبر سعيد، ناهيك عن عمل دؤوب ومستمر يقوم به أفراد الشرطة – قبل حالات الأنواء، ونزول الأمطار وبعدها – لكنّ النهار والليل يدوران في فلك ويتجددان، فالإنسان في طبيعة حياته قد يكون حاملاً طبع المجازفة السلبية، والغرور بما يمتلك؛ ليعبر الأودية، وقد يقول أحد المجازفين في قرارة نفسه أو مجاهراً بصوته: “أنا قويّ لا أخاف، فانظروا إليّ كيف أعبر الوادي”.
تلك الأنفاس التي جهرت بصوتها أو أسرّته لها آذان، فقد سمعها وادي الغموض وازداد غضباً فأغرقهم، ثمّ قال: أين قوتك أيّها الانسان المغرور؟ وأين أنت الآن؟ هاتِ ما عندك من قوة، لا مجيب فالأنفاس قد ذهبت في طقوس غامضة، وانطفت أنوار الحياة، ولا يكفي هذا الذي حدث لتلك الأنفاس، وإنما وضعوا وراءهم الأسى والحزن العميق في أهلهم وأصدقائهم، وربما تركوا أولادهم في وضع اليتم، ناهيك ما يحدث ساعة الأحداث من تضحيات وجهود في سبيل البحث والإنقاذ، سواء من أفراد الشرطة أو الناس المتطوعين.
إنّ هذه الأحداث المأساوية المؤلمة للقلوب، والمصاحبة لخلق اليأس الذي قد يظهر في عمليات البحث عن المفقودين، هي بطبيعة الحال حالات متكررة في كثير من الأماكن فلا أحد يتعظ ويأخذ العبرة، هكذا قال أحد المتطوعين لزملائه الذين كانوا بجانبه في عملية البحث وقد نال التعب منهم، وفجأة سمعوا مفردات من طاعنٍ في السن قد اتكأ على جدار كهفٍ قريب منهم وهو يقول: لا أمل لهم في طوقِ النجاة، فالوادي لا يعجبه السائحين الغرباء الذين لا يحملون ثقافة السياحة في عالمه، ولقد كنتُ أعاتبه ذات مرة: لماذا..؟!
فأجابني بقوله: أنا أسبّح كباقي المخلوقات بعظمة الله وقدرته، فأنا وادي والغموض طبيعتي، والذي يكون في طريقي فهو لي، وكلّ من يزورني عليه أن يعي ثقافة موقعي، وعمق مكاني، وقوة جرياني، وعليه أن يترك بصمة مؤثرة إيجابية في موقعي، وفي كلّ ما حولي ولا يكُن عبئاً ثقيلاً لنفسه وللآخرين، ولا يزعج نفسه ومن حوله، وليكُن صاحب رسالة عظيمة في إعمال عقله في كلّ تصرفاته، وحينها سيَعي معنى الحذر، والعمل بالأسباب، هكذا قال لي الوادي ناصحاً وهو يختم حديثه: وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت…
وفجأة أحد أفراد الشرطة ينادي مشيراً للمتطوعين بالابتعاد عن الموقع، لقد وجدوا بقايا سيارة في بطن الوادي، والناظر إليها في عجب وذهول ممّا جرى لها من قوة هائلة قد صرعتها بلا رحمة، ولا شفقة، ولا شفاعة لراكبها، يُحرك الرجل الطاعن في السنِ رأسه من غرابة الأحداث التي شهدها في حياته في وادي الغموض وهو هائمٌ في تفكيره.
أحداث تفطر القلوب ممّا يجري في وادي الغموض الذي لم يشهد اهتماماً في تحديث موقعه وتطويره؛ لأجل السياحة، فلا خدمات سياحية متكاملة تجعل السيّاح في مواقع آمنة، يستمتعون بجمال خرير الماء وانسيابه الدائم بين تلك جانبي الجبال الشاهقة، ويتأملون في الأشجار والنخيل التي تجعل من المكان روايات تتحدث عن كفاح الإنسان في طلبِ الرزق، إنّه مكان مظلوم في عالم السياحة؛ لذلك يتوه فيه السائحون هم وأسرتهم بحثاً عن ملجأ يخيّمون فيه، سواء في فصل الصيف أو فصل الشتاء.
يناديه أحد المتطوعين: -وهو في عالم تفكيره- يا عم، الشرطة تقول: نذهب من هنا، يجيبه بلطف: إن شاء الله يا ولدي، تحرّك الجميع من موقعهم إلى مكان بعيد عن موقع العثور على السيارة؛ ليستمر البحث بتوسّع أكثر في دائرة مكان وجود سيارتهم؛ لكنهم لم يعثروا على أيّ أحد.
وتبقى قصتهم في طي كتمان وادي الغموض، يتداولها الذاكرون عبر السنين، قصة شباب قد خرجوا من ديارهم، لأجل استكشاف أماكن سياحية جديدة بالنسبة لهم، وذلك بطابع ثقافة التقليد الأعمى للترحال، ترحال كأسه ممتلئ بالحماس وغرور الذات، فكانت نهايته ذهاب شبابهم، مع أنّ رحلتهم قد بدت سياحية رائعة في نظرهم، لكنها لم تكن تهيئتها معنوياً كما ينبغي في الأخذ بالأسباب؛ لتبقى تراجيديا وادي الغموض حاضرة ومستمرة في قلوب أهل المفقودين، ومحبيهم.


أضف تعليق