9 نصائح لتطوير عادة الكتابة اليومية

عبدالله عباس

قال أحد الحكماء: “أعطِ الطفل كتاباً وسيقرأ ليوم واحد، علّم الطفل الكتابة وسيقضي حياته غارقاً في الشك الذاتي”، التسويف هو مشكلة شائعة بين المبدعين، الذين يهدرون أوقاتهم في أشياء لا علاقة لها بالعمل الذي يجب أن يقوموا به، سواء كان ذلك الانغماس في تصفح الإنترنت، والذي يقودهم إلى مواقع ومقالات وفيديوهات مختلفة، أو القيام بمهام منزلية أو شخصية تبدو مهمة في ذلك الوقت، أو ملء جدولهم الزمني بالمشاريع والمواعيد النهائية التي لا تتيح لهم مساحة للتنفس، كلّ هذه الأشياء تقف عائقاً دون التركيز على الكتابة، والتي تتطلب الانضباط والإبداع والتخطيط، لذلك، يجب على الكُتاب تطوير استراتيجيات للتغلب على التسويف، وتبسيط عملية الكتابة، والاستمتاع بالعمل الذي يقومون به.

الكتابة تتطلب مهارات مختلفة، وكل كاتب لديه طريقته الخاصة في التعبير عن أفكاره ومشاعره، ومع ذلك، فإنّ هناك عاملاً واحداً يجمع بين الكُتاب الناجحين: وهو أنهم يمارسون الكتابة بانتظام ويُخصصون وقتاً كافياً لها، لا ينتظرون الإلهام أو الفرصة، بل يجعلون من الكتابة جزءاً من روتينهم اليومي، ويستخدمونها كوسيلة لتحسين مهاراتهم وتطوير أسلوبهم، كما أنهم ينظرون للكتابة كنشاط ممتع ومجزي، وليس كعبء أو واجب.

ما هي أهمية عادة الكتابة اليومية؟

لا يهم ما هو نوع الكتابة التي تقوم بها -أدبية أو علمية- فهي تتطلب جهداً كبيراً، ويمكن أن تواجه الشك في نفسك في أيّ مرحلة من مراحلها، قد تشعر بالخوف من المهمة في البداية، أو تضيع في وسط الطريق، حتى إذا حققت نجاحاً، قد تصاب بالارتباك، لهذا السبب، يجب أن تعتمد على عمليتك الخاصة بالكتابة، والتي تساعدك على البقاء واقعياً وتُشعرك بالرضا عن ما تقوم به، فالعملية هي الشيء الوحيد الذي يمكنك التحكم فيه في عالم الكتابة.

الكتابة اليومية هي عادة تساعدك على التغلب على “حبسة الكاتب”، وهي ذلك الشعور بالعجز أو الفشل أو الفراغ الذي يصيب الكُتاب أحياناً، “حبسة الكاتب” ما هي إلا وهم في عقلك، ويمكنك كسره بالممارسة والثقة، إذا كنت تكتب بانتظام، فستحافظ على تدفق أفكارك وإبداعك، ولن تواجه صعوبة في البدء أو الاستمرار في الكتابة.

الشك في النفس هو عدو الكاتب، ويمكن أن يمنعك من الاستمرار في الكتابة أو الانتهاء من مشروعك، لذلك، عندما تواجه هذا الشعور، عليك أن تتذكر العادات والروتين الذي تعتمد عليها للحفاظ على انتظام كتاباتك، والتي تعكس تفانيك وشغفك بالكتابة، كما عليك أن تبحث عن طرق لتقدير عملك والاعتراف بجهودك وإنجازاتك، سواء كان ذلك بالحصول على تغذية راجعة إيجابية أو مشاركة كتاباتك مع الآخرين أو الاحتفال بالمراحل المنجزة، والأهم من ذلك، عليك أن تثق بنفسك وبقدراتك، وأن تعلم أنك تمتلك الإبداع والموهبة والمهارة لكتابة قصة رائعة، وأنّ هذه القصة تنتظر فقط أن تخرج من داخلك إلى الصفحة.

كيف تطوّر عادة الكتابة اليومية في 9 خطوات

الكتابة هي فن يعتمد على الإلهام والحِرفية، ولكن هذين العنصرين لا يكفيان لجعلك كاتباً ناجحاً، الكتابة تتطلب أيضاً ممارسة مستمرة ومتفانية، والتي تساعدك على تحسين مهاراتك وتطوير أسلوبك وزيادة إنتاجيتك، لا يمكنك الاعتماد على الدوافع المتغيرة أو المزاجية للكتابة، بل يجب أن تضع لنفسك روتيناً ثابتاً ومنظماً للكتابة، هناك بعض الأفكار التي يمكن أن تساعدك في ذلك، ليس فقط في تخصيص الوقت اللازم للوصول إلى أهدافك في الكتابة، ولكن أيضاً في بناء عادات صحية وإيجابية تجعلك كاتباً أفضل.

1. إعداد مساحة للكتابة

الكتابة اليومية هي عادة تساعدك على تطوير مهاراتك وإنتاجيتك ككاتب، ولكن لتتمكن من الالتزام بها، يجب أن تختار مكاناً مناسباً للكتابة، لا يجب أن يكون هذا المكان فخماً، بل يجب أن يكون خاصاً وهادئاً، وأن يتناسب مع طبيعة وأهداف كتاباتك، قد تفضل الكتابة في مكتبك الخاص أو في غرفة النوم أو في المكتبة العامة، أو قد تفضل الكتابة وأنت جالس أو واقف أو مستلقي، الأمر يعود إليك وإلى ما يجعلك تشعر بالراحة والتركيز، كما يجب أن تحافظ على ترتيب ونظافة مساحة الكتابة، وأن تضع فيها كل ما تحتاجه من مراجع ومواد بحثية، يمكنك أيضاً وضع بعض العبارات أو الاقتباسات التي تحفزك وتشجعك على الكتابة على شاشة جهاز الكمبيوتر أو على الحائط.

2. ابدأ كلّ يوم بكتابة اليوميات

الكتابة عملية تتطلب الثقة بالنفس والإبداع، ولكن هذه الثقة لا تأتي من فراغ، بل تنمو وتزدهر بفضل الروتين والممارسة، واحد من التمارين الشهيرة التي يستخدمها الكُتاب لتعزيز عادة الكتابة اليومية هو ما يُسمى بالكتابة الصباحية، والتي تتمثل في كتابة ثلاث صفحات باليد كل صباح، دون الاهتمام بالمحتوى أو النحو أو الإملاء، هذا التمرين ليس مخصصاً للقراءة أو النشر، بل هو وسيلة لتفريغ ما في عقلك وقلبك، وتحرير نفسك من العوائق والقيود التي تحُول دون الكتابة، بالقيام بذلك كل يوم، فإنك تُحفز عضلاتك الإبداعية، وتفتح مساحة للأفكار والمشاعر والخيالات الجيدة التي تنتظر أن تنقلها إلى الصفحة.

3. حدد هدفاً لعدد الكلمات

الكتابة تتطلب تحديد هدف والعمل عليه بجد وانضباط، قد تختار كتابة 500 كلمة أو 1000 كلمة أو أي عدد آخر في اليوم، وذلك حسب نوع وطول ومدى تعقيد مشروعك، ولا تضغط على نفسك إذا لم تصل إلى هذا الهدف في بعض الأيام، فالأهم هو الجودة وليس الكمية، كن صبوراً ومتفهماً مع نفسك، ولا تنس أنّ الكتابة تحتاج إلى وقت وجهد وتعديل، لكن في نفس الوقت، كن حازماً وملتزماً بممارسة الكتابة بانتظام، ولا تسمح للكسل أو الاستسلام بإيقافك، حاول أن تكتب شيئاً كل يوم، حتى لو كان بسيطاً، المهم هو أن تضع كلمات على الصفحة، تخيّل الكتابة مثل نحت منحوتة كتلة من الرخام، والتي لا تبدو كأيّ شيء في البداية، عليك أن تستخدم أدواتك ومهاراتك لنحت الشكل العام للمنحوتة أولاً، ومن ثم تعود إليها لإضافة التفاصيل واللمسات النهائية بعد أن تحصل على الشكل الأساسي.

4. خصص وقتاً للكتابة كل يوم

الكتابة اليومية هي عادة تساعدك على تطوير مهاراتك وإنتاجيتك ككاتب، ولكن لتتمكن من الالتزام بها، يجب أن تجد الوقت المناسب للكتابة، وأن تحافظ عليه، لا تسمح لعطلات نهاية الأسبوع أو الإجازات بأن تكون عذراً للتوقف عن الكتابة، فهذه الأوقات هي فرصة للكتابة أكثر، وليس أقل، لا تحتاج إلى الكتابة لساعات طويلة في كل مرة، فقط اختر مدة زمنية معقولة ومقبولة، والتي تناسب جدولك الزمني، قد تكون نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين أو أكثر، المهم هو أن تخصصها للكتابة فقط، كما يجب أن تختار وقتاً ثابتاً من اليوم للكتابة، والذي تشعر فيه بالنشاط والحماس، وحاول الالتزام به بشكل صارم، قد تفضل الكتابة في الصباح الباكر، أو في المساء، الأمر يعود إليك وإلى ما يناسبك.

عندما تبدأ الكتابة، لا تتوقف، حتى لو واجهت صعوبة أو شك أو حاجة إلى بحث، فقط اكتب ما يخطر ببالك، ولا تهتم بالأخطاء، إذا كنت بحاجة إلى البحث عن شيء على الإنترنت، فلا تفعل ذلك في وقت الكتابة، بل اكتب ملاحظة في النص تذكرك بالبحث لاحقاً، واستمر في الكتابة، كن حازماً مع نفسك ومع الآخرين بشأن روتينك، ولا تسمح لأيّ شيء بإلهائك أو إبعادك عن الكتابة، العالم حولك مليء بالأشياء التي يمكنها أن تصرفك عن الكتابة، عليك أن تكون أقوى منها، وأن تحافظ على هدفك وعاطفتك.

5. لا تبدأ بصفحة فارغة

الكتابة هي رحلة إبداعية تبدأ من داخل العقل وتنساب عبر أطراف الأصابع إلى الورق أو الشاشة، لكن ما يجعل الكتابة مميزة هو أنها لا تبدأ بصفحة فارغة، عندما نجلس للكتابة، نحمل معنا ذاكرة مليئة بالتجارب والأفكار والعواطف، نحن نبدأ من حيث انتهينا، من الأحداث التي شهدناها، والأشخاص الذين التقينا بهم، والأحلام التي تراودنا، الصفحة الفارغة ليست فارغة تماماً، إنها تحمل في طياتها الوعد بالإبداع والتعبير، نحن نملأها بالكلمات والجُمل، نكتب أفكارنا ونروي قصصنا.

عندما تجلس للكتابة، لا تنظر إلى الصفحة البيضاء بخوف، ابدأ من حيث تريد، استمد من خيالك وتجاربك، واجعل الكلمات تتدفق كالأنهار على هذه الأوراق الفارغة، فالكتابة لا تبدأ بصفحة فارغة، بل تبدأ من داخلنا.

6. جلسات العصف الذهني

في عالم الكتابة، يجب أن نسمح لأنفسنا بالخروج بأفكار سيئة من حين لآخر، قد يبدو ذلك متناقضاً، لكنه في الواقع يُعزز إبداعنا، عندما نسمح لأنفسنا بالتجول في أفكارنا المظلمة أو الغير مكتملة، نفتح أبواباً للإبداع الحقيقي، قد يكون الفشل أو الفكرة السيئة هو الخطوة الأولى نحو الفكرة العظيمة، وحتى نتجاوز الخوف من الفشل والتردد، لا بد أن نسمح لأفكارنا بالخروج من عقولنا، ونسمح لأنفسنا بتجربتها، قد يكون الكنز مخبأً في تلك الأفكار السيئة التي نتعثّر فيها.

اكتب جميع الأفكار التي بداخلك بجرأة، ولا تخف من الأفكار السيئة، قد تجد نفسك في نهاية المطاف واحداً من أعظم الكتّاب والمبدعين.

7. التخطيط للكتابة

قد يفوتك الكثير إذا ما بدأت الكتابة بدون تخطيط، يحتاج الكاتب إلى جلسة أولية يكتب فيها الفكرة الرئيسية للموضوع، والعناوين الفرعية، ورسم الشخصيات، وتحديد المكان والزمان، إن كنت تكتب رواية مثلاً، ويمكنك فعل الشيء ذاته مع المقالة، والقصة القصيرة وغيرها، التخطيط يعني أنك ترى النور الذي يظهر أمامك في نهاية النفق، يعني أنك تُدرك إلى أين تسير، وما الذي تسعى إليه بالتحديد.

لا تُقلل أبداً من أهمية التخطيط، فربما أنقذك من ورطتك، في إعادة الكتابة مرة أخرى.

8. طقوس الكتابة الإبداعية

قبل البدء في الكتابة، من الجيد أن تكون لك طقوسك الخاصة، مكانك المفضل للكتابة، ومشروبك الساخن بجوارك، أجواء هادئة، قد يكون قراءة مسبقة، أو اتصال مع شخص تُحبه، أو ممارسة رياضة المشي، هناك الكثير من الطقوس التي يمكنك تبنّيها، يعود الأمر لك، وليس هناك أي قداسة لهذه الطقوس، هي وضعية للحالة التي تُشجعك على الكتابة، وتُطلق المارد بداخلك.

تستطيع تشكيل عالمك الخاص للكتابة بالطريقة التي تُناسبك، بالتأكيد لن تنقض على الورقة الفارغة بدون احماء، والطقوس تضعك في هذه الأجواء، لا تنتظر أحداً أن يُشعل جذوة حماسك للكتابة، كوّن عالمك الخاص وتبنى أفكارك.

9. المواعيد النهائية

أكثر التحديات التي يمكن للكاتب أن يواجهها هي لحظة الانتهاء من الكتابة، وهذا لا يتأتى من فراغ، فبدون اتباع الخطوات السابقة، فإنك ستصطدم بجدار الوهم، هذا الذي لن يوصلك إلى أيّ مكان تريده، ستبقى مكانك سِر، وستبقى أعمالك طيّ النسيان، والتجاهل، لن يذكرها أحد، طالما أنها لم ترى النور، ومع كلّ كلمة تكتبها، تقترب أكثر من تحقيق هدفك، قد يكون الطريق طويلاً ومليئاً بالعقبات، لكنك تتغلب على الشكوك في قدرتك على الاستمرار، والمُضي في تشكيل عالمك الخاص الذي تريد أن تشاركه مع القرّاء، فمهما كانت حالة الطقس في الخارج، ممطراً أو مشمساً، ستبقى ملتزماً بكتابتك.

وفي النهاية، عندما تنظر إلى الصفحات المكتوبة، ستشعر بالفخر والرضا، لقد أنجزت شيئاً رائعاً، إنها لحظة ولادة جديدة.

فلتستمر في الكتابة، وليبقَ الأمل والإبداع رفقائك في رحلتك.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.