رسالة إلى صديقي الكاتب

أيمن زيدان

سرّني كثيراً في رسالتك الأخيرة أنك قد انتهيت من كتابة مسودة روايتك الأولى، في العام الماضي في مثل هذا الوقت من شهر مارس، كنا قد تحدّثنا حول هذه الرواية، أبديت حماستك الشديدة للبدء، لكنك تشعر بالتردد، بشكل مُخيف، حتى محاولاتك للكتابة لا تُجدي نفعاً، تجلس على المنضدة -كما تقول- كلّ يوم، بلا طائل، ومضى حالك على هذا المنوال قرابة الشهر، تُمنّي النفس بكتابة شيء يسرّ خاطرك، ويعيد لك ثقتك بنفسك التي على وشَك أن تتدمر!.

دار حوارٌ طويلٌ بيننا، أحسستُ برغبة كبيرة لتقديم المساعدة، وايصال فكرة حول ما تحاول فعله -وهو كتابتك رواية- تحدثنا عن الجهد والوقت، والصبر أيضاً، الذي يجب أن تتحلى به، ككاتب يحاول أن يكتب شيئاً مفيداً، ومؤثراً، دار الحديث عن تأثير الأفعال البسيطة التي يمكن أن تُؤتي ثمارها بالتزامك اليومي بالكتابة، ربما تتذكر ما أخبرتك به، عن تلك اللحظة التي أمسكتُ بها قلماً، مثل كاتبٌ يضع نظارة على أرنبة أنفه، ويُفكر في عالم لا حدّ له من الكلمات الملتصقة في عقله، وبأنّ لدى هذا الكاتب القدرة على تحريك قلمه ليصنع عالماً جديداً، في ذلك الوقت، كنتُ فتى يافعاً، في الرابعة عشرة، تستهويني الكتابة، والجلوس في ساعات الصباح الأولى، لأكتب، لم يكن هناك شيء يمنعني في تلك اللحظة من الكتابة، فالجميع نائم، وأنا الوحيد الذي أكتب، أعِد كوباً من الشاي، أضعه أمامي، بينما أمسك بالقلم والدفتر، وأكتب، كان هناك شيء -وهذا ما أريدك أن تعلمه جيداً- يحثّني على الكتابة، لم أكن أنظر للأخطاء، أو لجودة ما أكتب، كنتُ أكتب بجرأة، مثل بحار يركب قاربه الصغير ويجدفه بعيداً عن الشاطيء لتعصف به الأمواج، فيتراقص صعوداً وهبوطاً، وأصرخ بصوتٍ هادر، وبكلّ ما لدي من طاقة، هذا هو حالي مع الكتابة، شغفي بالإبحار عميقاً، شغفي بالكتابة، يجعلني أكتب، وأكتب، وأكتب، ولا أتوقف عن الكتابة، حتى تنتهي المغامرة، ثم أضع القلم داخل دفتري، وأتركه في تلك اللحظة، لأعود ثانية في اليوم التالي، وبنفس الجنون.

صديقي الكاتب

وصلني نسخة من مسودتك الأولى لقرائتها، والتعليق عليها، هذا عمل عظيم بالفعل، ليس من السهل أن تكتب مائة أو سبعمائة وربما ألف صفحة، ليس سهلاً أن تجلس ساعات يومياً، تعصر دماغك، لتتساقط الكلمات مُرغمة، على الورق، وتُسجل سطوراً من روايتك، هذا عمل عظيم، أحييك على شجاعتك، وتغلّبك على خوفك، واجتيازك أصعب اختبار لك.

لا تهتم كثيراً لروعة ما كتبت، الشيء المهم، هو أنك بدأت خطواتك في الاتجاه الصحيح، ورسمت ملامح الأحداث والشخصيات التي ستُشكّل عالم روايتك، سواء كانت شخصيات وأماكن حقيقية، أو من مُخيّلتك

صديقي الكاتب

قرأت الفقرة الأولى، رائعة، الفقرة الأولى جميلة، انغمستُ في القراءة، حتى الصفحة العاشرة، بنائها متماسك نوعاً ما، لغتها جذابة وبسيطة، وأكثر ما يجعل الأشياء رائعة هي البساطة، لكن ذلك لا يعني بأنها صالحة للنشر، هذه قراءتي الأولى، ومازلت في البداية، لكنني سأصارحك، لا يمكن نشر أي عمل من أول مرة -أعتقد أنك تعرف ذلك جيداً-، أكاد أجزم أنك وضعت خطتك كما تحدثنا سابقاً، في العام الماضي، فقط كتابة رؤوس أقلام بما تنوي كتابته، في البداية، هذه تكفي، ومع انغماسك في الكتابة ستقوم بتطوير عملك، ستقوم بتوسيع الخطة مع الوقت، وعند كتابة المسودة -البشعة- الأولى، تصير كاتباً جديراً بالاحترام، لا تهتم كثيراً لروعة ما كتبت، الشيء المهم، هو أنك بدأت خطواتك في الاتجاه الصحيح، ورسمت ملامح الأحداث والشخصيات التي ستُشكّل عالم روايتك، سواء كانت شخصيات وأماكن حقيقية، أو من مُخيّلتك، فما قمتَ به شيء تستحق عليه أن أرفع لك القبعة، أنا سعيد جداً لأجلك، لأنك لم تستسلم، لأهوائك، قاومت وكتبت، فهنيئاً لك.

صديقي الكاتب

هذه هي البداية، لتنشر روايتك فإنك تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت، مزيداً من المراجعة والتعديل (الحذف والاضافة) فعملك مازال غير ناضج، تحتاج لأن تطهوه على نار هادئة، تتأمل فصوله، وتُعيد قراءته، مرة أخرى، وثالثة، ورابعة، لذلك، ابذل قُصارى جهدك لأن تُحسّن كتابتك، فالطعام الصحي هو الذي تُنفق فيه وقتاً لإعداده، وتهتم بمكوناته جيداً، وتشغل بالك في نوعية ما تضعه في معدتك، وهذه المراجعة أو التعديل لا تعيبك في شيء، فأعظم الهدايا التي تلقيتها في حياتي، كانت تلك النصائح المجانية التي أغدقها عليّ الآخرون من أصحاب الخبرة، في البداية لم أقبل النقد، لكنني مع مرور الوقت، أدركتُ حجم الخطأ الذي وقعتُ فيه، أنا بحاجة لقاريء يتذوّق طعم كلماتي، فإذا كانت بحاجة إلى مزيد من الملح، فأنت بحاجة إلى صوت آخر يُخبرك بروعة أو فداحة طعامك، ولهذا فإنك لن تجد بسهولة قارئاً نهماً ينكب على قراءة ما كتبت، تحلى بالصبر، وابدأ العمل.

صديقي الكاتب

الشيء الجيد أنّ كلّ كتاب هو بداية حياة جديدة، نعم، هل تصدّق ذلك، أعتقد أنك الآن تعيش التجربة، حتى لو لم تُنشر روايتك بعد، فأنت في قلب هذا الحدث، تتلّمس طريقك نحو هذه الحياة التي ترسمها بمُخيّلتك الفذة، كلّ كتاب عالم بحد ذاته، ولهذا يجب أن نعتني به كثيراً ونوليه أهمية قصوى، هل تخيّلت الفرق بين كِتاب جيد (رائع) وآخر على النقيض، ربما تصفّحت أحد هذين الكتابين، شعرت بحماسة لا مثيل لها، وفي المقابل، نفور من الكتاب الآخر، وكذلك حياتك، في أيّ الكتابين تريد أن ترى نفسك، ولا أظنك -كما أعرفك- ترضى بأقل من أن ترى حياتك مِثالاً مُضيء للآخرين، وتفتح الباب لمن خلفك، ليضع قدمه بثبات نحو حياة جديدة، فتكون خير دليل لمن بعدك.

صديقي الكاتب

جميعنا لديه أحلام، وهذه الأحلام حقٌ للجميع، ولكل منا أن يغرف ما استطاع من بحر أحلامه، لكنك لا تستطيع أن تغرف إلا الشيء اليسير، وهذا بحد ذاته كافٍ، لتوليه اهتمامك، وتعيش حُلمك، قد نُخطيء، وهذا سيحصل بكل تأكيد، فلن تُصيب من أول محاولاتك لاصطياد حُلمك، لكن متابعتك الحثيثة، تعني اصرارك على المُضي للأمام، فنحن لا نملك غير حياة واحدة، لكن الأجمل، أنّ الكاتب والقاريء، هما وحدهما من يستطيع عيش حيوات كثيرة، فوق ما تتصوّر، ذات يوم، قال لي أحد الأصدقاء بأنه يرى نفسه على ظهر سفينة تجوب البحار، مثل السندباد البحري، يهبط إلى بلاد بعيدة، ويكتشف عوالم جديدة، وآخر يرى نفسه في مركبة فضائية، في طريقه إلى القمر، وربما المريخ، ليكتشف عالماً جديداً، وآخر يرى نفسه في افريقيا الساحرة، وعلى قمة جبال كليمنجارو!.

هناك التزام من الكاتب تجاه فنّه، إذا كان مُحباً وعاشقاً لهذا الفن فمن الأفضل أن يعمل على تحقيقه، من الأفضل ألا ينشغل بالأشياء الصغيرة التافهة، والتي قد تحيد به عن طريقه، وتأخذه بعيداً عن عالم الكتابة، التزامك ككاتب يوجب عليك أن تستمر في السعي الجاد نحو حُلمك

صديقي الكاتب

هناك التزام من الكاتب تجاه فنّه، إذا كان مُحباً وعاشقاً لهذا الفن فمن الأفضل أن يعمل على تحقيقه، من الأفضل ألا ينشغل بالأشياء الصغيرة التافهة، والتي قد تحيد به عن طريقه، وتأخذه بعيداً عن عالم الكتابة، التزامك ككاتب يوجب عليك أن تستمر في السعي الجاد نحو حُلمك، كثيرون هم الكُتاب -أو ما كان اسمهم كُتاباً يوماً ما- تخلوا بسهولة أمام هذا الفن، ولأسباب تافهة، ادّعى البعض أنّ الكتابة صعبة، وهذا صحيح، ولكنها ليست مبرراً لأيٍ كان أن يتخلى عنها، لو كان بالفعل حُلمه الذي يعيش لأجله، ولم تكن مجرد وسيلة لطلب الشهرة والمجد وحدهما، فسيبقى الحُلم غريباً عنه، لم يُلامس شغاف قلبه، لم يتذوق لذة الكتابة، لم يتسمّر أمام الورقة أو شاشة الكمبيوتر ليكتب صفحة أو صفحتين، وربما ثلاث، إن كان حُلمك، فعليك أن تسعى إليه بكلّ جوارحك.

صديقي الكاتب

قد يعتقد البعض أنه عندما تكون مرتاحاً (ثرياً)، فإنه يمكنك الكتابة بشكل أفضل، وهذا صحيح نوعاً ما، لكن، ماذا لو لم تُتح لك هذه الراحة؟، وأعني أنك لم تولد وفي فمك ملعقة من ذهب! فماذا نصنع، فهل ستكون الكتابة محصورة بفئة معينة، دون الغالبية العظمى من الناس، بالتأكيد لا، إذا كان الحال كذلك، فإننا لم نكن لنستمتع بقراءة أعمال أدبية عابرة للقارات، لكُتابٍ لم يكونوا مرتاحي البال، عاشوا بؤساً وفقراً، وانشغلوا بأعمالٍ متواضعة لأجل تأمين لقمة العيش، لكن هذه المعاناة صنعتهم، وجعلت منهم أدباء كبار، وعباقرة، وعلماء، هذا يعني أنّ المال وحده لا يصنع المجد، وفي الغالب لن يصنعه، وكما يقول المثل الفرنسي: “الآلام العظيمة تُنتج أعمالاً عظيمة”، إن كنت تبحث عنا المال والشهرة، فربما تكون الكتابة وسيلة، لعبورك إلى تحسين حياتك، لو اجتهدت بما يكفي، وعلى العموم، هذه نصائح مجانية!

صديقي الكاتب

ربما أطلتُ عليك، لكنني ومع كلّ ما ذكرته سابقاً، فإنه لا يتحتّم عليك أن تأخذ بنصيحتي، يهمني أن تتذكر دائماً أنّ الكاتب الجيد لا يكون مُلزماً باتباع نمط معين، أو تقنية خاصة للكتابة، فأفضل ما يمكننا فعله لأجل تحسين كتابتنا، هو أن نتعلّم من أخطائنا، ونُجرب طرقاً جديدة، وننطلق إلى عالم أكثر رحابة، ولهذا يجب أن تكون صبوراً، وتذكر دائماً، حتى تصل إلى النجاح، لابد من أن تتعرض للفشل، وكلما أسرعت في الوقوع في الفشل وارتكاب الأخطاء، كانت فرصتك للنجاح أفضل.

تمنياتي لك بأن تكون أفضل كاتبٍ عرفته في حياتك.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.