هديل حسين
في حياة كل كاتب، تتسلل لحظات يشعر فيها أنّ الزمن يَحُد من قدرته على الانغماس في الكتابة كما كان يتمنى، شعور مزدوج بين الضغط الزمني والتشتت الذهني، ويواجه الكاتب فيه إحساساً بأنّ الالتزامات اليومية تتكاثر عليه وتُضيّق الخِناق على حريته الإبداعية، وتتوزع هذه الالتزامات بين العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية، فلا تترك له مجالاً كافياً للتفرغ لأعماله الكتابية، في هذا الوضع، يجد الكاتب نفسه كمن يركض في دائرة لا نهائية، يشاهد أحلامه الإبداعية تتلاشى بعيداً عن متناول يده، ويشعر بالعجز أمام سيل الواجبات التي تُحيط به.
هذه الظاهرة ليست حكراً على الكتّاب المبتدئين، بل تشمل حتى أولئك الذين اكتسبوا خبرات طويلة في هذا المجال، في الواقع، يعاني منها جميع من يسعى وراء أي طموح إبداعي؛ فالإبداع في جوهره يحتاج إلى وقت، تركيز، وهدوء، وهي عناصر يصعب توفيرها في عالم يتسم بالسرعة والانشغال الدائم، وهنا يبرز التساؤل الجوهري: ما الذي يُسبب هذه المشكلة؟ وما هي الآليات التي يمكن للكاتب أن يعتمد عليها للتغلب على هذا الفخ الذي يحُد من إنتاجيته ويثبط عزيمته؟
أولاً: فهم الظاهرة – ماذا يعني أن “لا يكون لديك الوقت للكتابة”؟
عندما نتحدث عن عدم وجود الوقت للكتابة، لا نقصد هنا فقط الضغط الزمني الفعلي أو ضيق الوقت الفعلي بسبب الالتزامات، هناك الكثير من الكُتاب ممن يملكون ساعات من الفراغ يومياً، ولكنهم يجدون أنفسهم غير قادرين على الجلوس والتركيز على الكتابة، هذا النوع من الشعور له عدة أبعاد نفسية واجتماعية يمكن أن تُعيق الكاتب عن العمل الإبداعي.
الضغوط الخارجية: الحياة العصرية مليئة بالمسؤوليات التي قد تسرق منا الوقت الذي نرغب في تخصيصه لأنشطتنا الإبداعية، سواء كانت هذه المسؤوليات مرتبطة بالعمل، الأسرة، الأصدقاء، أو حتى الالتزامات الاجتماعية، فإنّ الكتابة غالباً ما تأتي في ذيل القائمة.
الضغوط النفسية والداخلية: ليست فقط الالتزامات المادية هي ما يسرق الوقت، بل إنّ الاضطرابات النفسية، القلق، الخوف من الفشل، وعدم الشعور بالرضا عن الذات تُساهم في التهام الوقت بشكل خفي، الكاتب يجد نفسه أحياناً غير قادر على التركيز أو البدء في الكتابة بسبب حالة نفسية مُكبّلة تُبعده عن العمل الإبداعي.
واحد من أكبر أعداء الكتابة في العصر الحديث هو التشتت الرقمي، نحن نعيش في عالم مليء بالمشتتات الرقمية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، الإنترنت، التطبيقات، والألعاب، هذه التقنيات، رغم فوائدها الهائلة، قد تكون مصدراً رئيسياً لقتل الوقت الذي يمكن استثماره في الكتابة
ثانياً: الأسباب التي تدفع الكاتب للشعور بعدم وجود الوقت
1- التشتت الرقمي والعصر الرقمي
واحد من أكبر أعداء الكتابة في العصر الحديث هو التشتت الرقمي، نحن نعيش في عالم مليء بالمشتتات الرقمية، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، الإنترنت، التطبيقات، والألعاب، هذه التقنيات، رغم فوائدها الهائلة، قد تكون مصدراً رئيسياً لقتل الوقت الذي يمكن استثماره في الكتابة، الكاتب الذي كان يستطيع في السابق الجلوس والتركيز لساعات طويلة أصبح الآن يجد نفسه مشتتاً كل بضع دقائق بسبب إشعارات، رسائل، أو فضول الاطلاع على أحدث الأخبار.
2- الإرهاق والروتين اليومي
الإرهاق الناتج عن الأعمال اليومية قد يستهلك الطاقة الذهنية والجسدية للكاتب، ويجعله غير قادر على الجلوس بهدوء والكتابة، وفي ظل الحياة السريعة والالتزامات المتزايدة، يصبح التوازن بين العمل والكتابة تحدياً صعباً، ولهذا، فإنّ الكتابة تتطلب نوعاً من الصفاء الذهني الذي يصعب تحقيقه عندما يكون الكاتب غارقاً في دوامة الروتين اليومي المُمل والمرهق.
3- الكمال السام
أحياناً يقع الكاتب في فخ الكمالية، يريد أن تكون كل جُملة يكتبها مثالية من المرة الأولى، هذا التوجّه نحو الكمال يُعيق تدفق الأفكار ويجعل من الكتابة عملية مُرهقة، الكاتب الذي يشعر أنه لا يمكنه كتابة شيء جيد من المرة الأولى سيجد نفسه يؤجل الكتابة خوفاً من الإحباط الذي قد يشعر به عندما لا تسير الأمور كما يتوقع.
4- عدم وضوح الهدف أو الرؤية
عدم وجود رؤية واضحة لما يريد الكاتب تحقيقه من الكتابة قد يُشعره بالتشتت أو بعدم وجود الدافع الكافي للجلوس والكتابة، عندما لا يكون الهدف من الكتابة واضحاً، يصبح من السهل تأجيلها أو وضعها في مرتبة أقل من باقي الأولويات.
ثالثاً: كيف يمكن التغلب على هذه الظاهرة؟
1- تحديد الأولويات وتخصيص وقت ثابت للكتابة
أهم خطوة للتغلب على الشعور بعدم وجود الوقت للكتابة هي تحديد الأولويات، الكاتب بحاجة إلى إعادة ترتيب جدوله اليومي بحيث يخصص وقتاً ثابتاً للكتابة، هذا الوقت قد يكون نصف ساعة أو ساعة يومياً، لكن الأهم هو أن يكون وقتاً ثابتاً ومقدساً للكتابة، كما أنّ تخصيص هذا الوقت يعني الالتزام به حتى لو كان الكاتب لا يشعر بالرغبة في الكتابة، الالتزام بالروتين الكتابي قد يكون حافزاً للإنتاج حتى في الأوقات التي يشعر فيها الكاتب بالإرهاق.
2- مواجهة التشتّت الرقمي
على الكاتب أن يكون واعياً بكمية الوقت التي يقضيها على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هناك العديد من التطبيقات التي تساعد على تنظيم الوقت وتقليل التشتّت، ويمكن للكاتب أن يلجأ إليها لتحسين إنتاجيته، من النصائح المفيدة في هذا السياق، محاولة الكتابة في بيئة خالية من المشتّتات التقنية أو تحديد أوقات محددة للاطلاع على الإنترنت خارج وقت الكتابة.
3- تقليل التوقعات
يجب على الكاتب أن يتخلى عن فكرة الكمال أثناء الكتابة، الكتابة الجيدة لا تأتي من المحاولة الأولى، والنسخة الأولى من أي نص نادراً ما تكون مثالية، من الأفضل أن يكتب الكاتب بحرية دون أن يضع ضغوطاً على نفسه لإنتاج نص مثالي منذ البداية، التحرير والتعديل هما الجزء الأهم لاحقاً، لكن في مرحلة الكتابة الأولية، يجب أن يكون الهدف هو كتابة أكبر قدر ممكن دون انشغال بالتفاصيل.
4- تحقيق التوازن بين العمل والراحة
الكاتب يحتاج إلى تحقيق توازن بين العمل والراحة، لأنّ الإرهاق الجسدي والذهني يقلل من حالة الإبداع والقدرة على الكتابة، الاهتمام بالنوم الجيد، ممارسة الرياضة، والاسترخاء يساعد في تحسين الحالة الذهنية ويزيد من الإنتاجية الإبداعية، كما يجب ألا ينظر الكاتب إلى الراحة على أنها مضيعة للوقت، بل هي جزء أساسي من عملية الإبداع.
5- التعامل مع الضغط النفسي
الضغط النفسي من أكبر العوائق التي تواجه الكاتب في رحلته الإبداعية، قد يكون هذا الضغط نابعاً من الخوف، من الفشل أو عدم الرضا عن الذات، للتغلب على هذه المشكلة، يمكن للكاتب أن يتعلّم تقنيات الاسترخاء النفسي مثل التأمل، التنفس العميق، أو حتى اللجوء إلى المشورة النفسية إذا لزم الأمر، فهم الذات والتعامل مع المشاعر السلبية يساعدان في إطلاق العنان للإبداع.
حتى لو لم يكن لديك الوقت الكافي للكتابة الطويلة، يجب أن تلتزم بالكتابة يومياً ولو لفترات قصيرة، هذا يساعد على الحفاظ على الزخم الإبداعي ويمنع الشعور بالتكاسل أو الفتور.
رابعاً: نصائح عملية للكُتاب لتجنب هذا الفخ
1- استخدم تقنيات إدارة الوقت
التقنيات مثل تقنية “بومودورو” التي تعتمد على تقسيم الوقت إلى فترات عمل مكثفة تليها فترات راحة قصيرة يمكن أن تساعد الكاتب على التركيز والكتابة بكفاءة أكبر، الهدف من هذه التقنية هو استغلال فترات التركيز القصيرة للكتابة ثم أخذ فترات استراحة للحفاظ على النشاط الذهني.
2- أنشئ مساحة خاصة للكتابة
وجود مساحة مخصصة للكتابة قد يساعد في خلق بيئة محفزة للإبداع، هذه المساحة يجب أن تكون خالية من المشتّتات قدر الإمكان، وتحتوي على كل ما يحتاجه الكاتب من أدوات ومراجع تساعده في الكتابة.
3- اكتب يومياً ولو لبضع دقائق
حتى لو لم يكن لديك الوقت الكافي للكتابة الطويلة، يجب أن تلتزم بالكتابة يومياً ولو لفترات قصيرة، هذا يساعد على الحفاظ على الزخم الإبداعي ويمنع الشعور بالتكاسل أو الفتور.
4- الاحتفاظ بمفكرة للكتابة
بعض الأفكار الإبداعية تأتي في لحظات غير متوقعة، الاحتفاظ بمفكرة صغيرة أو استخدام تطبيق للملاحظات على الهاتف يمكن أن يساعد الكاتب على تسجيل أفكاره بشكل سريع ومنظم، مما يسهل عملية العودة إليها لاحقاً وتطويرها.
5- انضم إلى مجموعات كتابة
الكتابة، بطبيعتها، هي نشاط فردي قد يغرق فيه الكاتب، مستغرقاً في أفكاره وأعماق خياله، بعيداً عن العالم الخارجي، هذه العزلة، على الرغم من كونها ضرورية في بعض الأحيان لتحفيز الإبداع، يمكن أن تصبح عبئاً نفسياً إذا استمرت لفترات طويلة، فالكاتب قد يشعر بالوحدة أو فقدان الحافز عندما يعمل بمفرده دون وجود دعم أو تفاعل مع الآخرين، هنا تظهر أهمية الانضمام إلى مجموعة من الكُتاب، حيث يمكن لمثل هذه البيئة التعاونية أن تلعب دوراً حاسماً في تعزيز الرغبة في الكتابة.
كما أنّ الالتزام بمواعيد لقاءات الكتابة أو المشاركة في تحديات جماعية يمكن أن يوجد دافعاً إضافياً لتنظيم الوقت والالتزام بالكتابة، حتى في الأوقات التي يفتقر فيها الكاتب إلى الدافع الذاتي.


أضف تعليق