هديل حسين
في لحظة ما من حياتنا ككُتاب، يُصيبنا “خُرس” مفاجئ ومؤلم، نتوقف فيه عن الكتابة بشكل كامل، ولا نستطيع إنتاج أي عمل جديد أو متميز، وتساورنا الشكوك والمخاوف بقدرتنا على كتابة سطر واحد يُعبّر عن أفكارنا ومشاعرنا، وربما نشعر بأننا لا نستحق حتى ذلك القدر، نشعر بالعجز والفشل واليأس، وكأننا قارب صغير تحطم بفعل الصخور الناتئة على الشاطيء، ولم يبق له أي أمل في النجاة أو العودة إلى البحر.
لا شك أنّ كل كاتب يمر بلحظات من “الخُرس” أو ما يسمى “حبسة الكاتب”، وهي حالة يفقد فيها الكاتب القدرة على الإنتاج الإبداعي أو الاستمرار في عمله الكتابي، فكما أنّ الجسم يتعرض للأمراض والإصابات التي تُعيق حركته ونشاطه، فكذلك “الحبسة” تُعيق قلم الكاتب وتُسكته وتمنعه من التعبير عن نفسه، لكن، هذه الحالة ليست دائمة أو مستمرة، بل هي فترة مؤقتة تمتد لأيام وربما أسابيع أو شهور، بحسب طريقة الكاتب في التعامل معها ومواجهتها، ولكل كاتب تجربته الخاصة في الخروج من هذه الحالة والتغلب عليها، كما أنّ هناك العديد من الأساليب والنصائح التي تساعد الكاتب على استعادة ثقته وحبه وقدرته على الكتابة.
الأسباب التي تؤدي إلى “حبسة الكاتب” كثيرة ومتنوعة، ولا يمكن للكاتب أن يتنبأ بها أو يتجنبها بسهولة، قد يكون الكاتب مستعداً ومتحمساً لبدء كتابة كتابه الذي خطط له لأسابيع طويلة، ويملك الأفكار والمعلومات، لكنه يصطدم بجدار من العجز يقف حائلاً أمام تقدمه، ولا يستطيع تجاوزه أو اختراقه، أو قد ينشغل الكاتب في لقاءات وحوارات تلفزيونية، ورش عمل، محاضرات، زيارات، أو أنشطة ثقافية واجتماعية أخرى، تستهلك طاقته ووقته وتركيزه، وتسبب له ارهاقاً ذهنياً وبدنياً، يمنعه من العودة إلى الكتابة بسلاسة، أو قد تبدو حياة الكاتب رتيبة وخاملة ومملة بعض الشيء، ولا توفر له التحفيز والإلهام والتجديد الذي يحتاجه للكتابة، وقد يتطلب الأمر القليل من الحركة والتغيير، ليُعيد عجلة الحياة إلى إيقاعها السليم، ويستعيد شغفه وقدرته على الكتابة.
هناك العديد من الأسباب الأخرى التي تشدّ الكاتب للوراء، وتمنعه من الكتابة، وهناك أيضاً العديد من النصائح والأساليب الارشادية التي تضعه على جادة الصواب، وتساعده للتغلب على “حبسة الكاتب”، وهذه الأشياء يعرفها الكُتاب المُتمرسون جيداً، ولهذا فإنهم يتعاملون معها بحكمة وصبر وإبداع.
عندما يضع الكاتب توقعات عالية من نفسه أو من الآخرين، أو عندما يواجه مشاكل شخصية أو مهنية أو مالية، يمكن أن تحوم حول رأسه كتلة من المشاعر السلبية، فيدفعه القلق للشعور بالعجز أمام تحقيق تلك التوقعات العالية، ويخشى عدم قدرته على الوفاء بالتوقعات أو فشله في تحقيق النجاح المطلوب.
الضغوط تقف عائقاً
عندما يضع الكاتب توقعات عالية من نفسه أو من الآخرين، أو عندما يواجه مشاكل شخصية أو مهنية أو مالية، يمكن أن تحوم حول رأسه كتلة من المشاعر السلبية، فيدفعه القلق للشعور بالعجز أمام تحقيق تلك التوقعات العالية، ويخشى عدم قدرته على الوفاء بالتوقعات أو فشله في تحقيق النجاح المطلوب.
وكذلك الحال مع الخوف، والذي يمكن أن يكون خوفاً من الفشل أو من ردود فعل الآخرين، وتكون النتيجة أقل من المتوقع.
وينطبق الحال على الوقوع في دوامة الإحباط، عندما يواجه صعوبات في تحقيق التوقعات، يشعر بأنه لا يستطيع التغلب على العقبات أو تحقيق النجاح المرجو، ويُسبب له مزيداً من الاكتئاب، الذي ينتج عن توتر مستمر بالعجز أو فقدان الأمل.
لا تجلد ذاتك
قد يتشدد الكاتب مع نفسه، ويدخل دوامة الانتقاد الذاتي والشك في موهبته، وهنا نرى ميله إلى تقديم نقد قاسٍ لكل ما يكتبه، يرى أخطاء صغيرة ويُبالغ في تقديمها، مما يؤثر على ثقته في قدرته على الكتابة، والشك في قيمته الشخصية ومدى تميزه ككاتب، وقد يتساءل عما إذا كانت كتاباته تليق بالاهتمام أو تحمل قيمة حقيقية.
وقد يقع في فخ المقارنة مع الآخرين، من زملائه أو كتّاب آخرين، مما يُسبب له شعوراً بالضغط للوصول إلى مستوى معين أو لمجاراة النجاحات الأخرى، وربما يتجاهل الإشادة والتقدير، أو يعتبر أنه لا يستحقها، فيُركّز على النقاط السلبية ويتجاهل الإيجابيات.
غيّر روتينك (النمطية)
الصورة النمطية عن الكتابة والكتّاب قد تؤثر بشكل كبير على نفسية الكاتب وإنتاجيته، يعتقد البعض أنّ الكتابة مهنة غير محترمة أو غير مربحة، توثر هذه الفكرة على تصوّر الكاتب لنفسه وتقديره لعمله، ويشعر بأنّ جهوده لا تحظى بالاعتراف الكافي، مما يُسبب له ضغطاً نفسياً، ويعتقد البعض بأنّ الكتّاب يجب أن يكونوا عباقرة أو مجانين، كلّ ذلك يضع عبءً إضافياً يمكن أن يُشعر الكاتب بالقلق من عدم تحقيق التوقعات العالية.
كما أنّ الاعتقاد بأنّ الكتابة ليست مهنة مربحة قد يؤثر على الكاتب مالياً، ويدفعه للشعور بالقلق بشأن الاستدامة المالية والاعتماد على الكتابة كمصدر رزق، وبالتأكيد، فإنه سيكون عاملاً حاسماً في التأثير على الإبداع، وستتولّد لديه انطباعات خارجية لهذه الصورة النمطية، قد تؤثر على طريقة تفاعل الآخرين مع الكُتاب، مما قد يُجنّبهم هذا التقدير لأنهم يعتقدون أنها غير مُستحقة، وللتغلب على هذه التأثيرات السلبية، يجب العمل على تطوير الثقة بأنفسهم والتركيز على شغفهم بالكتابة، وإدراك أنّ الكتابة هي مهنة مهمة وأنّ قيمتها لا تُقاس بالمال أو الشهرة، بل بالتأثير الذي يمكن أن تحقيقه في حياة الآخرين.
شُحّ القراءة
قلة القراءة أو القراءة السطحية أو القراءة الضيقة، تؤدي لأن يفقد الكاتب المصادر والمراجع والأفكار والأساليب التي تُثري عمله وتحفزه، عندما يقرأ الكاتب بشكل غير منتظم أو سطحي، يفتقد إلى الفرصة لاكتشاف مصادر جديدة ومراجع مفيدة، كما أنّ القراءة المكثّفة تمنح الكاتب إمكانية الاستفادة من خبرات وآراء الآخرين وتوسيع آفاقه، والقراءة أيضاً تُعزز الإبداع وتُحفّز العقل، عندما يقرأ الكاتب بشكل منتظم، يتعرف على أفكار جديدة ويستوحي من تجارب الآخرين.
كما يستطيع الاستفادة من أساليب وتقنيات متنوعة في كتابتهم، لأنّ القراءة تفتح للكُتاب آفاقاً واسعة وتساعدهم في تطوير أسلوبهم الخاص، فعدم القراءة يحرمهم من هذا التنوّع، لذا، يُفضل أن يكون الكاتب قارئاً نشطاً ومستمراً، كما تُعد استثماراً في تطوير مهارات الكتابة وتحسين الأداء الإبداعي.
لا تُبالغ
الافراط في البحث بموضوع الكتابة، يمكن أن يتسبّب في تأثيرات سلبية على عملية الكتابة، فالبحث المُفرط يُسبب إرهاق الكاتب، ويستنزف طاقته، كما أنه قد يصرف ساعات طويلة في البحث دون الحصول على نتائج ملموسة، هذا يؤدي إلى إرهاق نفسي وجسدي، ويُشتّت الانتباه، وحينها يفقد التركيز على الكتابة ذاتها، ويصبح من الصعب التركيز على الأفكار وتنظيمها بشكل مناسب.
والبحث المفرط يمكن أن يؤدي إلى تضييع الوقت، وبالذات عندما لا تكون هناك فائدة ملموسة، يستفيد منها الكاتب، فتُسبب له عائقاً في بدء الكتابة، وحتى يتم التغلّب على هذه التأثيرات، يُفضّل أن يكون الكاتب منظماً في عملية البحث، فيُحدد في البداية أهداف البحث والالتزام بالوقت المحدد للبحث، فالكاتب المُتمرس يعلم جيداً بأنّ البداية هي أهم جزء في عملية الكتابة، وأنه يمكن تحسين النص فيما بعد.
لا تتعجّل
يستعجل الكاتب في الكتابة وتشدّه الرغبة للانتهاء من العمل بسرعة، مما يؤدي إلى تقليل الجودة والإبداع والتميز في النص، كما يؤدي إلى تجاوز مراحل التدقيق والتحسين، وقد يتم تجاهل الأخطاء الإملائية أو النحوية، فيُؤثر على جودة النص، وهذا سيُفقده الوقت الكافي للتفكير الإبداعي وتطوير الأفكار، وينعكس على جودة النص، فتراه مبتذلاً وخالياً من الأفكار المبتكرة، ويزيد من احتمالية وجود هذه الأخطاء، وقد تتكرر نفس الكلمات أو العبارات، ولهذا يجب على الكاتب أن يُخصص وقتاً كافياً للتدقيق والتحسين، حتى يتمكّن من كتابة نص ذو جودة عالية ومحتوى متميز.
لا تُشتت ذهنك
ينصرف الكاتب عن الكتابة أو يؤجلها أو يتجنبها، عندما يفقد الحماس والتركيز على الموضوع، وقد يتراجع الشغف والرغبة في التعبير عن الأفكار، مما يجعلها غير منسجمة، فيتوقف القلم عن الكتابة أو يُؤجلها إلى أمد غير معلوم، وهذا التأجيل يدفعك لنسيان بعض الأفكار أو التفاصيل المهمة، وتُصبح الكتابة في ذلك الوقت مهمة مملة ومرهقة، وحتى يتغلّب الكاتب على هذا التشتيت، يجب تحديد وقت محدد للكتابة والالتزام به، ويمكن استخدام تقنيات مثل تقسيم العمل إلى جلسات قصيرة وتحديد أهداف يومية للحفاظ على الحماس والتركيز.
بعض الأمثلة عن كُتاب أو مؤلفين مرّوا بحبسة الكاتب، وكيف أثّرت على أعمالهم وحياتهم.
عندما توفي والده عام 2010، أصابه الحزن والاكتئاب، وتوقف عن الكتابة لفترة طويلة، ولكنه تجاوزها بالدعاء والتقرب من الله، وعاد إلى الكتابة بأسلوب أكثر نضجاً وعمقاً وروحانية.
أحمد خالد توفيق
يُعد واحداً من أفضل وأشهر الكتّاب العرب، وخصوصاً بين الفئة الشبابية، كتب في مجال قصص الرعب، وقد أثّرت حبسة الكاتب على أعماله بشكل إيجابي، حيث أطلق عليه لقب “العراب” وأثرى الأدب العربي برواياته المشوقة.
عندما بدأ كتابة سلسلة ما وراء الطبيعة عام 1992، واجه اعتراضات وانتقادات من دار النشر ولجنة التحكيم، وكاد أن يتوقف عن الكتابة، لولا تشجيع ودعم بعض الكتاب الآخرين مثل حمدي مصطفى ونبيل فاروق.
رواية يوتوبيا عام 2008، واجه صعوبات في البحث والتوثيق والتخيل، واستغرق في الكتابة أكثر من عامين، وكان يشعر بالملل والإحباط، ولكنه تغلب عليها بالممارسة والتحدي والتجديد.
عندما توفي والده عام 2010، أصابه الحزن والاكتئاب، وتوقف عن الكتابة لفترة طويلة، ولكنه تجاوزها بالدعاء والتقرب من الله، وعاد إلى الكتابة بأسلوب أكثر نضجاً وعمقاً وروحانية.
مارك توين
هو كاتب وروائي وفيلسوف أمريكي عاش في القرن التاسع عشر والعشرين، وكان يمتاز بالفكاهة والمغامرة والحكمة، وقد مرّ بحبسة الكاتب عندما فقد زوجته وابنته وأصدقائه، فأصابه الحزن والندم والإفلاس، وتوقف عن الكتابة لفترات متفاوتة، ولكنه تجاوزها بالتحلي بالصبر والأمل والإيجابية، وعاد إلى الكتابة بأسلوب أكثر نضجاً وتأملاً.
جوستاف فلوبير
هو كاتب وروائي وناقد فرنسي عاش في القرن التاسع عشر، وكان يمتاز بالواقعية والتفصيل والجمالية، وقد مرّ بحبسة الكاتب عندما كان يكتب روايته الشهيرة “مدام بوفاري”، فأصابه الضغط والملل والانتقاد، وتوقف عن الكتابة لفترات قصيرة، ولكنه تجاوزها بالبحث والممارسة والتعديل، وأنهى روايته التي اعتبرت من روائع الأدب العالمي.
حدد وقتاً يومياً للكتابة، قد تكون صفحة واحدة فقط، أو عدد معين من الكلمات، لكن الاستمرارية تساعد في تطوير مهاراتك الكتابية، ابدأ بكتابة ما يخطر في بالك، حتى وإن كانت مجرد ملاحظات أو أفكار مبتذلة.
طرق عملية تساعد الكاتب على الكتابة
هذه بعض الأفكار السهلة، وهي في متناول الكاتب، حتى عندما تشعر بأنّ الكتابة صعبة، فمع الممارسة تُصبح أكثر سلاسة، وتتمكّن مع مرور الوقت من طرد شبح “حبسة الكاتب”.
1. الكتابة اليومية
حدد وقتاً يومياً للكتابة، قد تكون صفحة واحدة فقط، أو عدد معين من الكلمات، لكن الاستمرارية تساعد في تطوير مهاراتك الكتابية، ابدأ بكتابة ما يخطر في بالك، حتى وإن كانت مجرد ملاحظات أو أفكار مبتذلة.
2. قراءة الكُتّاب الجيدين
القراءة توسّع آفاقك وتعزز مهاراتك، اقرأ أعمال كتّاب مميزين في مجالات مختلفة للاستفادة من أساليبهم وأفكارهم، ستجد بالتأكيد ضالتك في الإلهام في كتاباتهم.
3. تحديد أهداف يومية
حدّد أهدافاً يومية للكتابة، قد تكون مقالة قصيرة أو قائمة بالأفكار، الالتزام بالأهداف يحفّز على الكتابة ويجعلها عملية منتظمة.
4. تجاوز الكتابة الأولية
لا تخشى من الكتابة الأولية، ابدأ بالكتابة حتى وإن كانت الفكرة أو النص غير مكتمل أو غير مثالي، يمكنك تحسينه لاحقاً.
5. التفكير الإبداعي
ابحث عن مصادر إلهام، قد تكون الأفكار موجودة في الأحداث اليومية أو في الأماكن التي تزورها، استخدم خيالك وكن مستعداً لاكتشاف الجمال في التفاصيل الصغيرة.
6. انضم إلى مجموعة كتّاب
الانخراط في مجموعة تجمع بين الكتّاب يمكن أن يكون محفّزاً، يمكنك مشاركة الأفكار والتعلم من الآخرين، قد تجد دعماً وتشجيعاً من أقرانك.


أضف تعليق