إيمان الجصاص
جاء الوقْتُ الذي أقول فيه لقد أصبح زُقَاقُ مدينتي ذكريَاتٌ عابرَةٌ نراها عندما نشتَاقُ لها كصُور كُتب عليها تاريخ اللَّحظة، نتحدَثُ عنها كمحطة مررنا بها يوماً من الأيام..
هُنا، كانت خُطواتُ جدتي، في هذا الطريق عندما كنَّا نذهَبُ إلى مجلس “بيت أم جواد”، وهي مُمسكَةٌ بيدي، لأجدُني مُتشبثَةٌ بعباءتها، وملامِحُ وجهي مُفعَمٌ بالبراءة..
هُنا كنتُ مع ابنَةُ الجيران، كنَّا نلعَبُ بشقاوة، ونتسكّعُ ببراءة عذبة، لازالت الأنوارُ في “بيت الخباز”، جيرَانُ منزلنا مُعلّقة لزواج ابنهم علي..
لازالت بُقالة “سعيد الجصاص” مفتوحَةٌ على الدوام كعادتها مُنذ الصباحات النَّدية، إلى ابتسام الفجر عندما يخلع رداء اللّيل..
لازال أولاد الحي يلعبون كُرة القدم في الزُّقاق الضَّيقة، لم يمنعهم صغرها من تسديد الكرة مراراً بين البُيوت، وكأنَّها أحجية يُراد فك أسرارها..
لازالت خُطواتُ نساء الحي، وأحاديثهم تُرطّبُ النَّهار، وتُبخِرُ اللَّيل بأنفاسهنَّ..
تلك التفاصيلُ البسيطَةُ من يومياتهنَّ، هي حيَاةٌ لهُنَّ، ولنا فيها حياة..
ولا يزال يفُوحُ المكان بعبقِ الطيب، وبهجة الزَّمن، طمأنينة الطيبين الذين رحلوا، الأنْسُ في ذواتهم، ولم تبق إلا الدُّموع انهمَارٌ يتعَلقُ بذكرياتهم، ورائحة أماكنهم، وصُورهم التي لا ترحل كُلَّما استفزت اللَّحظات عقارب الزَّمن..


أضف تعليق