ربما لو كان غسان حيّاً

مختار عيسى

كثيرة هي الأسماء التي هُجّرت من أوطانها وعاشت في المنفى، لكنها، بقيت على العهد، تكتبه حيناً وتحفره حيناً آخر في الأجيال القادمة، لا يمكننا محو ذاكرتنا، فبدون هذه الذاكرة سنعيش بلا أمل، وبلا حُلم، فكيف يمكن للطائر أن ينسى عشه، كيف يمكن للطفل الرضيع أن لا يلجأ إلى حضن أمه، كيف يمكن للمسافر أن يفقد وجهته، كيف يمكن للحياة أن تستقيم إلا مع حبّ أشياء لا يمكن تبديلها، أشياء لا يمكن نسيانها مهما طال الأمد.

وُلد غسان كنفاني في عكا في 1936، وهُجّر في 1948 مع عائلته إلى سوريا، رسمت النكبة في ملامح شخصية غسان صورة اللاجيء الذي اضطرته الأيام ليعيش بعيداً عن المكان الذي وُلد فيه، كانت أعماله تعكس حجم المسئولية التي تقع على كاهله، فهو مع روايته “رجال في الشمس”، يستعرض واقع النكبة وتداعياتها على كلّ بيت فلسطيني، فليس للاجيء انتظار عطف الآخرين، أو استجداء محبّتهم، عليه أن يعمل ليُثبت أنه جدير بالحياة، ويقاوم الظروف التي وضعته في هذه المحنة، ويُكافح لأجل العودة، العودة إلى فلسطين.

قادت الهجرة غسان إلى أماكن أخرى، لطلب الرزق، لكن التحديات دائماً ما تقف في طريقه، كان هذا جزءاً من الدرس الذي تعلّمه باكراً، عليه أن ينحت الصخر ليتمكن من العيش بكرامة، ويبني عالمه الجديد، الشتات أن تتنقل من مكان إلى آخر دون أن تصل إلى ما تريد، أن تجري في حلقة مُفرغة، طلباً لقوت أبنائك، وزوجتك المسكينة التي تُكابد الحياة معك، وقد رضيت أن تكون رفيق دربك، صارا اثنين يحمل كلاً منهما همّ الآخر.

يقول غسان: “كنت طفلاً آنذاك، وكنا نشهد -دون أن نقدر على الاختيار- كيف كانت تتساقط فلسطين شبراً شبراً.. وكيف كنا نتراجع شبراً شبراً”.

عندما يفقد المرء أمه أو أباه، يفقد الحياة، تصير الحياة باهتة لا معنى لها، تغدو شحيحة، قليلة الحيلة، لا تلوي على شيء، يمرض الأب، تراه بعينيك الصغيرتين، لا يقوى على الحركة، تظن أنها لحظات وسيعود إلى سابق عهده، الأب الحنون والحازم في قراراته، لكنك تصطدم بأنّ رقوده في الفراش قد طال، وصار عادة، أن تأتي كلّ يوم، وباستمرار لتُقبّل يديه وتسأله عن حاله، يُجيبك بأنه بخير، لا تقلق يا بني، وتستمر الأيام، على هذا المنوال، وفجأة، يأتي الابن ليجد أباه لا يُجيبه على سؤاله، كيف حالك يا أبي؟ ولا يتلقى إجابته المعهودة: “بخير يا بني، لا تقلق”، هناك شيء جديد في عقل الصغير بدأ ينمو، الفقد، يوماً ما سنفقد ما نُحب، سنفقد الأشياء التي عشنا معها ولأجلها، وسنبكي طويلاً، لكنه مع مرور الوقت، يتعلّم بأن ليس كلّ الأشياء التي نفقدها، تذهب أدراج الرياح، وتُنسى، فلا يمكننا أن نفقد الوطن، حتى لو غاب عنا، لو صار بأيدي الغزاة حيناً، فسيعود -لا شك- إلى أحضاننا، ونسأله: “كيف حالك”، ويُجيبنا: “بخير يا بني، لا تقلق”.

يقول غسان: “بدت لي حياتي صُدفة فارغة لم يكن لها أي معنى… وأنّ أخطاء العالم كلها تلتقي عندي”.

لم يجلب الشتات الراحة التي يَنشدها غسان، ولا التنقل هنا وهناك، باحثاً عن ذاته، ومن يكون في عالم مضطرب، وكأنه قد نسي أو تناسى معنى الحرية، وغدا وغداً يتنصل من وعوده، أحسّ غسان وكأنه لم يأتِ إلا صُدفة عابرة، إلى كوكب تتصارعه الحروب، والموت غدا سلعة رخيصة، فمن يطلب الحرية لنفسه أو لأبناء جلدته، سيلقى أبواب الجحيم مُشرعة، ستترصده عيون الغدر لتمحو آثاره، ويغدو لا شيء، وكأنّ العالم قد استراح من عناء أخطائه، وصار أجمل بدونه!.

يقول غسان: “الدمُوع لا تسترد المفقُودِين ولا الضائِعين، ولا تجترحُ المُعجِزات.. كُل دُموعِ الأرض لا تَستطيع أَن تَحمِل زَورقاً صَغيراً يَتسعُ لأَبوين يَبحثان عَن طِفلهُما المفقود”.

“لن آتِ إليك.. بل عُد أنت لنا..

عُد.. لنتعلم من ساقِ ناديا المبتورة من أعلى الفخذ ما هي الحياة، وما قيمة الوجود ..

عُد يا صديقي فكلنا ننتظرك”.

ينظر غسان إلى ما يحدث في غزة، ويكتب مشاعر الأبوين، عند فقدهما طفلهما الصغير، يتحوّلا إلى كُتل لحمٍ تغلي قهراً، وكأنّ العالم لم يرى ألماً من قبل، لكن غسان عرف بحدسه، بأنّ طريق الحرية طويل، وأنّ هناك أثمان باهضة يجب أن تُدفع، صوت ثكلى، جسد يسقط هنا وهناك، أشلاء ممزقة، أحلام تذهب سدى مع موت أصحابها، وتأخذهم معها، كي يبقى الجسد فقط، لكن الروح لا يمكنها أن تبقى، وأنّ عليها أن تنتقل إلى أرواح آخرين، لتنهض بهم من جديد، وتستمر الأحلام الخالدة التي لا يمكن لأعتى الأسلحة أن تنتزعها من قلوب أصحابها، يقول غسان مُعقباً: “إنّ قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين المنتظرين بمرارة دورهم لكي يكونو درساً صغيراً للعيون الحية”.

ويقول أيضاً: “لن آتِ إليك.. بل عُد أنت لنا.. عُد.. لنتعلم من ساقِ ناديا المبتورة من أعلى الفخذ ما هي الحياة، وما قيمة الوجود.. عُد يا صديقي فكلنا ننتظرك”.

يصرخ غسان في وجه أعدائه، لن تسرقوا حُلمنا في العيش هنا، على أرض فلسطين، بالرغم من أنّ المُصاب جلل، وكلّ ما حولنا دمار، وهذه الدماء التي سالت ظلماً، لو جُمعت لأغرقت العالم، بالبؤس والضياع، صورة الطفلة التي بُترت قدمها، تُطالبكم بأنّ تُعيدوا لها هذه القدم، لتتمكن من أن تمشي حيث تشاء، وأن تلعب مع صديقاتها، وأن تضحك بمليء فِيها، أن تصرخ، أن تُنادي على أمها بأن تُعد لها شطيرتها، لتذهب إلى المدرسة، أن تركض لتُعانق أبيها عندما يأتي للبيت، ومعه الحلوى، أن تُلقي بنفسها على صدر أمها، عندما تبكي، أن تفعل كلّ شيء، كما يفعله الأطفال الآخرون، أن تعيش بسلام على أرضها، وتحت سمائها، وهوائها، أن تعيش بحرية.

غالبية سُكان غزة الآن، هم ممن هُجّروا من ديارهم، رغماً عنهم، تحت وطئة السلاح، فمن نجى منهم حمل على ظهره ما استطاع من متاع، ورَحَل، مُرغماً، إلى أقرب مكان يمكن أن يقف عنده، ليكون قريباً من قريته، على أمل أن يزول هذا السرطان، ويعود، هجرة داخل الوطن، وَطئها شديد على قلوب أصحابها، قريبون جداً من قُراهم التي استباحها الصهاينة، وطردوهم منها، ساعات قليلة، حتى تضع قدميك حيث وُلدت، ومع ذلك، انتظروا 75 عاماً، ومازالو ينتظرون!

أراد غسان أن يكتب للأجيال القادمة، كي تستمر في مسيرة الكفاح لأجل العودة، العودة إلى فلسطين، كي يجلس الأبناء تحت شجرة الزيتون، التي زرعها جدهم قبل خمسين عاماً، ليَحْكُوا قصص الآباء الذين ناضلوا، وحافظوا على هذا الحُلم، ولهذا قال غسان: “سأظل أناضل لاسترجاع الوطن لأنه حقي وماضيّ ومستقبلي الوحيد… لأنّ لي فيه شجرة وغيمة وظل وشمس تتوقد وغيوم تُمطر الخصب… وجذور تستعصي على القلع”.

يقول غسان: “هل بكى؟ إنه لا يذكر شيئاً الآن، كلّ الذي يذكره أنه حمل أخته القتيلة بين ذراعيه وانطلق إلى الطريق يرفعها أمام عيون المارة ليستجدي دموعهم كما لو أنّ دموعه وحدها لا تكفي، ليس يدري متى تيسّر للناس أن ينتزعوا الجسد الميت من بين ذراعيه، ولكنه يعرف أنه حين فقد أخته الميتة، حين ضيّع جسدها البارد المتصلب، أحس بأنه فقد كلّ شيء: أرضه وأهله وأمله، ولم يعد يهمه أن يفقد حياته ذاتها”.

يقول غسان: ” نحنُ بالدم نكتُب لفلسطين”.

لأنه لا يوجد طريق آخر، سوى الدم، لأنّ الأجيال القادمة لن تعثر على الطريق إذا لم ترى إشارات تدلّه عليه، ملامح قرية صغيرة، كانت تنعم بالسلام، أحاط بها الأعداء في ليلة غادرة، وانْقضوا كالكلاب على مَن فِيها، قتلوا الرجال، وتحت تهديد السلاح، حملت الأم رضيعها، وأمسكت بيدها الأخرى يد طفلتها ذات السبعة أعوام، واثنان آخران يجذبان ثوبها، أصابهما الخوف من أن يقعا فريسة لهؤلاء الأوغاد، فيفترقا عن أمهما، وهما لا يعلمان ما حصل لأبيهما المسكين، لا يعلمان بأنّ دمه كتب قصة القرية مثل باقي الرجال، حتى لا ينسى أبنائهم ما حدث، فيأتوا يوماً، كي يستعيدوا الأرض ويطردوا المحتل، لأنّ الأوطان التي اغتصبها الأعداء، لا تعود بالأحاديث المُنمّقة، أو الاجتماعات الفارغة من كلّ معنى.

يقول غسان: “هل بكى؟ إنه لا يذكر شيئاً الآن، كلّ الذي يذكره أنه حمل أخته القتيلة بين ذراعيه وانطلق إلى الطريق يرفعها أمام عيون المارة ليستجدي دموعهم كما لو أنّ دموعه وحدها لا تكفي، ليس يدري متى تيسّر للناس أن ينتزعوا الجسد الميت من بين ذراعيه، ولكنه يعرف أنه حين فقد أخته الميتة، حين ضيّع جسدها البارد المتصلب، أحس بأنه فقد كلّ شيء: أرضه وأهله وأمله، ولم يعد يهمه أن يفقد حياته ذاتها”.

وكأنّ غسان حاضرٌ معنا، في هذا المشهد، وغيره الكثير، هنا في غزة، الآن أجساد يحملها الكبار والصغار، الجميع يحمل الأجساد الهامدة، لينقلها إلى مثواها الأخير، كي تستريح من عناء الظلم الذي لحق بهذا العالم، الفاقد للإحساس، كيف لطفلةٍ أو طفلٍ صغير، أن يموت بقنبلة تسقط من طائرة حربية، قنبلة تكفي لدمار مدينة بأسرها، أطفال غزة الحزينة، يتلقّفهم الموت ليسرق أحلامهم، ويسرق منهم الحياة، هناك أشلاء في كلّ مكان، طالما أنّ هذه القنابل اللعينة تتساقط على أجساد الأطفال، وتطحنهم آلة الموت، لا بشر أو حجر وحتى الشجر، لم يسلم من التدمير، من يبكي كلّ هؤلاء؟ من يبكي التراب الذي ارتوى بدماء أبنائه ليبقى حُراً عزيزاً، لا أحد.

يقول غسان: “كنت أريد أرضاً ثابتةً أقف فوقها، ونحن نستطيع أن نخدع كلّ شيء ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نُقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء”.

لا يمكن للأحلام أن تصير واقعاً دون أن تعيش هذا الحُلم، دون أن تصير حكاية مَروِية، يُخلّدها التاريخ، قاتلَ الأعداء طيلة عُمره القصير لأجل أن تستمر أحلامنا نابضة بالحياة في عقول وقلوب الأجيال القادمة، ذهب غسان، كما ذهب قبله وسوف يذهب بعده آخرون، وستبقى هذه التضحيات في وجدان كلّ أحرار العالم، فقصص الحرية لا تقف على جنس من البشر، لا تقف على لون، أو عِرق، كلّ الشعوب تتوق إلى الحرية، الحرية وحدها من يُمكنها أن تجمع حولها كلّ ثقافات الأمم، فهي روح تسري في كيان الإنسان، وسبباً في ديمومته على الأرض.

يقول غسان: “ولكنّني كنتُ أعيش من أجل غدٍ لا خوف فيه، وكنت أجوع من أجل أن أشبع في ذات يوم، وكنت أريد أن أصل إلى هذا الغد، لم يكن لحياتي يوم ذاك أية قيمة سوى ما يعطيها الأمل العميق الأخضر بأنّ السماء لا يمكن أن تكون قاسية إلى لا حدود، وبأنّ هذا الطفل الذي تكسّرت على شفتيه ابتسامة الطمأنينة، سوف يمضي حياته هكذا، ممزقاً كغيوم تشرين، رمادياً كأوديةٍ مترعةٍ بالضباب، ضائعاً كشمس جاءت تشرق فلم تجد أفقها”.

لم يفارق غسان حُلم العودة يوماً، أدرك بأنّ القادم أجمل، وبأنّ هذا الوطن في تلك البقعة المباركة سيعود مُبتهجاً بأصحابه، سيُرحب بقدومهم، ولهذا هو ينتظرهم، ويحدوه الأمل برجوع الأحباب إليه، هذا الوطن مازال ينتظر، شروق الشمس، وعودة الابن التائه إلى حضن أمه، مازالت الغيوم تلوح في الأفق، الغيوم الرمادية، مازال هناك وقت للعودة، وإن طال الأمد، فسيأتي حينها، وستعود العصافير إلى عُشّها، وتجري المياه إلى سابق عهدها.

يقول غسان: “لا شيء.. لا شيء أبداً.. كنتُ أتساءل فقط.. أفتش عن فلسطين الحقيقية.. فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السُلم”.

لم تغِب فلسطين عن غسان يوماً، عاش كلّ لحظاتها، حُلوها ومُرّها، الغائب الحاضر دائماً، عِشقه الذي لطالما تغنى به، أحبّه، احتضنه بكلّ جزيئاته، عرف غسان، كما عرف المُحبون والعشاق، أنّ الأوطان غالية، عصية على النسيان، فهي ليست قطعة أرض، هي تاريخ، وأمة ضاربة في جذورها عميقاً، ولا يمكن لأيّ أحد أن يسرق هذي الجذور، فلسطين.. هي أجمل الأحلام، وأكبرها على هذا الكوكب الصغير، هي قضية أحرار العالم، توافد إليها العُشاق طيلة القرون الماضية، من كلّ أرجاء العالم، ليُشعلوا قناديل صمودها، ولتبقى حرة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.