رهف عثمان

أجربتَ السير حافياً على رمالٍ قبّلتها قطراتُ المطرِ، في أزقة ٍحي هادئ؟

أجربتَ الركضَ بنشاط؛ لا للرياضة، بل هرباً من أن يُمسك بك أترابك، بينما أنتم تلعبون أمام أبواب منازلكم في بلادك؟

أتشتاقُ للطفولةِ بريئة، تركتها وحيدة في أزقة حي؟

أتذكرُ الأيام التي كنتَ تأوي فيها إلى شجرة النيم – ذات الظل الظليل – في آخر الطريق، منتظراً بفارغ الصبر مرور – فتاتك – لِتُلقي عليك التحية؟

أنسيتَ تلك الليالي التي افترشت فيها الأرض، ولبتثَ تنظر للنجوم باستمتاع، ومن ثمّ تأتيك رائحة الرمالِ المبللة لتُداعب أنفك، وبذلك تُضفي لمسة رائعة لأمسيتك الجميلة، فتسلبُ بعطرها المميز الرقيق عقلك، وتكتمل السمفونية بمجئ الجيران، وتبادلِ الأحاديث، ومن ثمّ تعلو أصواتُ القهقهاتِ، والضحكاتِ، ليجتاح صداها كلّ الحي، وكلّ هذا على تلك الأرض أيضاً.

تلك الأرض التي هجرتها، التي حرمت عنها السُقيا، أرضٌ غادرتها بملئ إرادتك، الأرض التي أكرمتك، وكانت لك الدفئ والملاذ، التي صنعت معك ذكرى، – في أيامك التالية ستَرويها لأطفالك – وتتغنى لهم كيف كانت أرضكَ جميلة، وكم كانت مِعطاء، تروي لهم عن أراضي لم يروْها إلا في صُور باهتة – أنقصت من جمالها وروعتها – وتروي لهم كم أنها جميلة، ولكن، أنتَ كنت أناني وهجرتها، تركتها لتموت مرتين، الميتة الأولى: قهراً على فِراقك، والثانية: لخذلانكَ لها، وخلفكَ للوعود التي قطعتها.

لا أقول سوى.

لا باركَ الله في هجرةٍ جعلتكَ تُبكي أرضكَ؛ حُرقة على فِراقك، وقاتلَ الله غُربة تُنسيك رائحة تُرابك.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.