محمد البلوشي
الكتابة بشكل يومي على مدار ثلاث سنوات هي تجربة مدهشة تحمل في طياتها الكثير من التحولات العميقة، فهي ليست مجرد تمرين على تحسين المهارات، بل رحلة نفسية وعقلية شاقة ومتنوعة، في البداية، كانت أهدافي واضحة وبسيطة؛ كنت أطمح فقط إلى تحسين أسلوبي الكتابي والتعبير عن الأفكار التي تراكمت داخلي عبر الزمن، لكن مع مرور الأيام والأسابيع، أدركت أنّ تلك الرحلة ليست طريقاً مستقيماً، بل مليئة بالصعود والهبوط، وكشفت لي عن جوانب من نفسي لم أكن أعلم بوجودها، الكتابة اليومية أصبحت أشبه بتحدٍ لا يتعلق فقط بتطوير المهارات، بل بالغوص في أعماق الذات، وكشف طبقات خفية لم أكن أدركها من قبل.
ومع استمرار هذه الرحلة، تحوّلت الكتابة إلى مرآة صافية تعكس كل ما أعيشه وأفكر فيه، لم تعد مجرد وسيلة لتفريغ الأفكار، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل رؤيتي للعالم من حولي، كل جملة أكتبها كانت بمثابة إعادة تأطير لتجاربي الحياتية، وسمح لي بفهم الأحداث والمواقف بشكل أعمق وأكثر نضجاً، هذه الممارسة المستمرة ليست فقط وسيلة للتعبير عن الذات، بل هي أيضاً فعل يومي من التأمل والبحث عن معنى ما نقوم به.
بدأتُ بتجربة أساليب مختلفة، في بعض الأحيان، كنتُ أكتب كل ما يخطر على بالي دون تفكير أو مراجعة، كان ذلك صعباً في البداية، لكنني تعلمتُ أن أترك أفكاري تنساب بحرية دون الحُكم عليها، ومع مرور الوقت، أدركتُ أنّ الإبداع ليس ناتجاً عن لحظات إلهام فحسب، بل هو نتاج للجهد المستمر، يوماً بعد يوم.
بداية الرحلة: الالتزام والكفاح
عندما قررتُ لأول مرة الالتزام بالكتابة اليومية، كانت مشاعري مفعمة بالحماس والتفاؤل؛ كنت أتصور نفسي أسيراً على خطى الكُتاب العظماء الذين اتخذوا الكتابة كجزء لا يتجزأ من حياتهم، وكأنها شريان الحياة الذي يغذي أفكارهم ويُشعل خيالهم، ومع ذلك، سرعان ما واجهت حقيقة قاسية في هذه الرحلة، وهي أنّ الحماسة وحدها لا تكفي لتحقيق الإبداع، في بعض الأيام، كنتُ أجلس أمام الصفحة البيضاء، وأشعر بالعجز عن كتابة جملة واحدة مفيدة، كانت تلك اللحظات تنطوي على شعوري بالالتزام الذي فرضته على نفسي، شعرت وكأنّ عبئاً ثقيلاً جاثمٌ على رأسي، ورغم ذلك، لم أستسلم، اتخذتُ من كل هذه التحديات درساً في الصبر والإصرار، وصمدتُ في مواجهة تلك اللحظات الصعبة، مؤمناً بأنّ الإبداع يتطلب جهداً مستمراً وعزيمة لا تنكسر.
بدأتُ بتجربة أساليب مختلفة، في بعض الأحيان، كنتُ أكتب كل ما يخطر على بالي دون تفكير أو مراجعة، كان ذلك صعباً في البداية، لكنني تعلمتُ أن أترك أفكاري تنساب بحرية دون الحُكم عليها، ومع مرور الوقت، أدركتُ أنّ الإبداع ليس ناتجاً عن لحظات إلهام فحسب، بل هو نتاج للجهد المستمر، يوماً بعد يوم.
الصراع مع الشك والخوف من الفشل
من أبرز التحديات التي واجهتها في مسيرتي ككاتب كانت تتجلى في الشك الذاتي والخوف من الفشل، كان هناك تساؤلات تدور في ذهني مثل: “هل ما أكتبه ذو قيمة حقيقية؟ هل سيكتشف أحدهم كتاباتي ويجدها سطحية أو عديمة الفائدة؟” وفي بعض الأحيان، كنتُ أشعر وكأنني أغرق في دوامة من الشكوك المُحبطة، كأنني أضيع في بحر من التساؤلات التي تعصف بثقتي بنفسي، مما جعلني أشك في جدوى كل جهد أبذله، ومع ذلك، ومع مرور الوقت، بدأتُ أدرك أنّ هذه الشكوك ليست سوى جزء طبيعي من العملية الإبداعية، فهي تُشكّل علامة على أنني أبحث عن التحسين والتطوّر، فكان الشك، رغم ثُقله، دافعاً لي لتحسين أسلوبي، بينما كان الخوف من الفشل يُمثل الحافز الذي يدفعني لبذل المزيد من الجهد والتفاني في كتاباتي، وعزز من إصراري على متابعة رحلتي الإبداعية رغم كل العقبات.
تعلّمت أنّ الكتابة اليومية ليست عن كتابة شيء “مثالي” كل يوم، بل هي عن الاستمرارية، بعض الأيام كانت مليئة بالإلهام والإبداع، بينما كانت أيام أخرى مجرد تكرار لأفكار سابقة، لكن في نهاية كل يوم، كنتُ أشعر بأنني أنجزت شيئاً، حتى لو كان بسيطاً.
في كل مرة أعود لقراءة ما كتبته في بدايات هذه الرحلة، أشعر بالامتنان للوقت الذي استثمرته في الكتابة اليومية، أرى تطوراً ملموساً في كل جانب من جوانب كتابتي: البُنية، اللغة، وحتى الجرأة في معالجة موضوعات معقدة وحساسة.
لحظات النمو والإنجاز
مع مرور الوقت، لاحظتُ تغيراً كبيراً في طريقة تفكيري وأسلوب كتابتي، بدأتُ أدرك أنّ الكتابة ليست مجرد تجميع الكلمات على الورق، بل هي تجربة تتطلب فهماً أعمق لنفسي وللعالم من حولي، أصبح للكتابة اليومية دور محوري في حياتي، إذ تحوّلت إلى وسيلة فعالة لتنظيم أفكاري وتصفية ذهني، كما أنها أداة تأمّل تساعدني في استكشاف تجاربي وأفكاري، وخلال هذه السنوات، أصبح لديّ قدرة متزايدة على التعبير عن مشاعري بشكل أعمق وأكثر صدقاً، مما ساعدني على توضيح أفكاري وتوجيه كتاباتي بشكل أفضل، هذه العملية لم تعزز فقط مهاراتي ككاتب، بل أضفت أيضاً بُعداً إنسانياً إلى أعمالي، بحيث أصبحت الكتابة بمثابة مرآة تعكس تجاربي وآرائي، وتجعلني أكثر اتصالاً مع ذاتي ومع القضايا التي تهمني.
في كل مرة أعود لقراءة ما كتبته في بدايات هذه الرحلة، أشعر بالامتنان للوقت الذي استثمرته في الكتابة اليومية، أرى تطوراً ملموساً في كل جانب من جوانب كتابتي: البُنية، اللغة، وحتى الجرأة في معالجة موضوعات معقدة وحساسة.
كيف غيّرتني الكتابة اليومية؟
بعد ثلاث سنوات من الالتزام بالكتابة اليومية، لا يمكنني إنكار التأثير العميق الذي أحدثته هذه التجربة في حياتي بشكل عام، فقد تحوّلت الكتابة من مجرد هواية أو وسيلة للتعبير عن عنصر أساسي من هويتي الشخصية، إلى التأثير على الطريقة التي أنظر بها إلى نفسي وإلى العالم من حولي، صرتُ أكثر وعياً بتجاربي اليومية وأحداثها الصغيرة، وأجد نفسي مستعداً لاستيعاب الأفكار الجديدة والتحديات التي تعترض طريقي، هذه الممارسة لم تُعزز فقط قدرتي على التعبير، بل أيضاً زوّدتني بوسيلة فعالة لفهم نفسي والتفاعل مع العالم بطريقة أكثر عمقاً، وأصبحت الكتابة بالنسبة لي مساحة للتأمل، مما جعلني أستوعب المواقف التي أواجهها بطرق لم أكن لأفكر بها سابقاً، وهذا التحوّل ساهم في تطوير أفكاري وشخصيتي، وجعلني أشعر بارتباط أعمق مع كل ما أكتب.
لقد منحتني الكتابة اليومية فرصة فريدة للتأمل العميق والتفاعل مع مشاعري وأفكاري بشكل أكثر تنظيماً، مما ساعدني في تطوير فهم أعمق لنفسي، من خلال هذه الممارسة، أصبحتُ قادراً على فك طلاسم الفوضى الداخلية التي كنتُ أعاني منها، سواء كانت تلك الفوضى تتعلق بعواطف متضاربة، أو أفكار مشوشة، الكتابة ساعدتني على استكشاف تلك العواطف والأفكار، وتحويلها من حالة الفوضى إلى سرد منظم، وأتاح لي فرصة التعبير عن نفسي بطريقة أكثر وضوحاً، هذا التحوّل لم يُعزز فقط قدراتي الكتابية، بل أعطاني أيضاً أداة قوية لفهم التجارب والتحديات التي أواجهها، وجعلني أشعر بمزيد من السيطرة على حياتي وقدرتي على معالجة ما يدور في داخلي.
ومن التحديات الأخرى كانت الحفاظ على الدافع، الكتابة اليومية، رغم فوائدها، قد تصبح روتينية في بعض الأحيان، وهذا قد يؤدي إلى شعور بالملل، هنا تعلّمت أن أجدد نشاطي عن طريق تجربة أساليب جديدة في الكتابة، أو التركيز على مواضيع غير مألوفة، أحياناً كنتُ أكتب من وجهة نظر شخصيات خيالية أو أضع نفسي في مواقف لم أختبرها من قبل، هذا التجديد كان يُعيد إشعال حماستي للكتابة.
التحديات المستمرة: كيف تغلبتُ عليها؟
على الرغم من الفوائد العديدة التي جلبتها الكتابة اليومية إلى حياتي، إلا أنني واجهتُ العديد من التحديات المستمرة التي تطلّبت مني جهوداً كبيرة للتغلب عليها، كان من أصعب الأمور بالنسبة لي إيجاد الوقت الكافي للكتابة كل يوم، خاصة في ظل الالتزامات المتزايدة في العمل والحياة الشخصية، وجعلني أشعر أحياناً أنّ الوقت يتسلل من بين يدي، كانت هذه التجربة تتطلّب مني تعلّم كيفية إدارة وقتي بشكل أكثر فعالية، وكيفية خلق مساحة مخصصة للكتابة في جدولي المزدحم، حتى لو كان ذلك يعني الاستيقاظ في ساعات مبكرة من الصباح، أو السهر لوقت متأخر بعد انتهاء جميع المهام، هذا الالتزام تطلّب مني ضبط نفسي وتحمّل مسؤولية أكبر، لكنني اكتشفت أنّ تخصيص هذه الأوقات، مهما كانت غير مريحة، كان له تأثير عميق على قدرتي على الكتابة والإبداع، وجعلني أدرك أنّ الكتابة ليست مجرد نشاط يتطلّب الوقت، بل هي استثمار في نفسي وفي تطوري الشخصي ككاتب.
ومن التحديات الأخرى كانت الحفاظ على الدافع، الكتابة اليومية، رغم فوائدها، قد تصبح روتينية في بعض الأحيان، وهذا قد يؤدي إلى شعور بالملل، هنا تعلّمت أن أجدد نشاطي عن طريق تجربة أساليب جديدة في الكتابة، أو التركيز على مواضيع غير مألوفة، أحياناً كنتُ أكتب من وجهة نظر شخصيات خيالية أو أضع نفسي في مواقف لم أختبرها من قبل، هذا التجديد كان يُعيد إشعال حماستي للكتابة.
الكتابة كرحلة مستمرة
في نهاية المطاف، كانت الكتابة اليومية رحلة غنية بالتعلّم والنمو، مليئة بالتحديات والصعوبات التي واجهتها، لكنها أيضاً كانت مليئة باللحظات الجميلة التي أضاءت طريقي ككاتب وروائي، على مدار السنوات الثلاث الماضية، لم تكن هذه التجربة مجرد مسعى لتحسين مهارات الكتابة فحسب، بل كانت أيضاً مرحلة تحوّل شخصي عميق، من خلال مواجهة التحديات اليومية، تعلّمت دروساً قيّمة حول الصبر والإصرار، وأنّ الاستمرار رغم الصعوبات يمكن أن يؤدي إلى تطور هائل، كل كلمة كتبتها، وكل فكرة استطعت تنظيمها، كانت بمثابة خطوة نحو فهم أعمق لنفسي، مما جعلني أكتشف جوانب جديدة من شخصيتي وعالمي، وساهمت في تشكيل رؤيتي للحياة، وجعلتني أؤمن بأهمية الالتزام والجهد المستمر لتحقيق الأهداف، وأضفى على كل تجربة شعوراً بالمعنى والعمق.
اليوم، وبعد ثلاث سنوات من الكتابة اليومية، أشعر بأنني أعيش تجربة إبداعية أكثر ثراءً وعمقاً، وأنّ الكتابة لم تعد مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبحت جزءاً من كياني، وشكلاً من أشكال التواصل مع نفسي ومع الآخرين.


أضف تعليق