10 دروس من 10 سنوات من الكتابة

يوسف الخطيب

بعد أكثر من عشر سنوات قضيتها في عالم الكتابة، غاصت فيها كلماتي بين الأفكار والمشاعر، تمكّنت من استخلاص عشر دروس جوهرية كانت بمثابة حجر الزاوية في تطوير أسلوبي الكتابي، هذه التجارب لم تأتِ من فراغ؛ بل هي نتيجة مراحل مليئة بالبحث، المحاولة، والاخفاق أحياناً، حتى اكتشفت تلك الأسرار التي أضْفَت طابعاً خاصاً على كتاباتي، كل درس من هذه الدروس جاء ليضيء زاوية جديدة في هذا المشهد الإبداعي، ويؤسس لأسلوب يمتزج فيه العمق بالبساطة، والصدق بالتعبير الأدبي المبدع.

سواء كنت في بداية طريقك ككاتب مبتدئ يتلمس خطاه، أو كنت كاتباً متمرساً يسعى لتحسين مهاراته، فإنّ هذه الدروس العشر ستشكل دليلاً عملياً يساعدك في التعامل مع التحديات التي تواجهها في الكتابة، من طريقة بناء الشخصيات، إلى فن استخدام اللغة، إلى التعامل مع المشاعر والأفكار المتضاربة، سترشدك هذه الأفكار إلى مشهد الإبداع الكتابي، وهي خلاصة مسيرة مليئة بالتحديات والاكتشافات، مُصممة لتُرافقك في رحلتك الخاصة نحو الإبداع.

1- اكتب لنفسك

أهم درس تعلمته على مر السنين هو أنّ الكتابة يجب أن تكون انعكاساً حقيقياً لنفسك، أن تكتب من قلبك لنفسك أولاً، عندما تركّز على اهتماماتك الشخصية، شغفك العميق، وتجاربك الحياتية الخاصة، تجد أنّ صوتك الأدبي يصبح أكثر وضوحاً وصدقاً، وهو ما يخلق تواصلاً حقيقياً مع القراء، هذه الأصالة في التعبير هي ما يجعل كتابتك مميزة وجذابة، حيث يشعر القارئ بأنّ هناك روحاً خلف الكلمات، لكن تذكر دائماً أنّ الكتابة ليست محاولة لإرضاء الجميع؛ فمن الطبيعي أن لا يتفق كل شخص مع ما تقدمه، وهذا ليس فقط مقبولاً، بل هو جزء من جمال الإبداع، الأهم هو أن تبقى مخلصاً لرؤيتك الأدبية ولا تحيد عن قناعاتك، فهذا هو ما سيضمن لك الاستمرارية في الإبداع ويجذب القراء الحقيقيين الذين يقدّرون كتاباتك.

الكتابة ليست مجرد ترتيب للكلمات على الورق؛ إنها وسيلة عميقة للتفكير والتأمل، في كثير من الأحيان، أبدأ الكتابة وأنا مشوّش أو غير متأكد تماماً مما أريد، ولكن خلال عملية الكتابة نفسها، تبدأ الأفكار تتضح شيئاً فشيئاً، وكأنّ الكلمات تُنير الطريق أمامي

2- اكتب لتفكر

الكتابة ليست مجرد ترتيب للكلمات على الورق؛ إنها وسيلة عميقة للتفكير والتأمل، في كثير من الأحيان، أبدأ الكتابة وأنا مشوّش أو غير متأكد تماماً مما أريد، ولكن خلال عملية الكتابة نفسها، تبدأ الأفكار تتضح شيئاً فشيئاً، وكأنّ الكلمات تُنير الطريق أمامي، هذا الفعل الإبداعي ليس فقط وسيلة للتعبير، بل هو أيضاً أداة فعّالة لصقل الأفكار والتعمّق فيها، ستكشف لك الكتابة رؤى وخفايا قد لا تتوصل إليها بطرق أخرى، هي أشبه برحلة استكشاف داخلية، تحملك إلى فهم أعمق لمواضيعك وربما لنفسك أيضاً.

3- انشر، كثيراً

إحدى أعظم الهدايا التي جلبها لنا العصر الرقمي هي القدرة على نشر أعمالنا بسهولة وسرعة غير مسبوقة، لم يعد هناك حاجة لانتظار اللحظة المثالية أو انتظار النص المثالي؛ بل يكمن السر في مشاركة عملك بشكل منتظم، من خلال هذه الممارسة المستمرة، لا تقتصر الفائدة على تعزيز ثقتك بنفسك ككاتب، بل تتعداها لتشمل بناء روابط حقيقية مع جمهورك، حيث يصبح كل عمل تنشره فرصة ثمينة للتفاعل والتعلّم، ومع كل تجربة نشر جديدة، تكتسب مهارات إضافية، وتتعلّم من ردود الفعل، وتساهم في تطوير أسلوبك وتوسيع نطاق وصولك إلى المزيد من القراء.

4- صمّم روتين كتابة

إنشاء روتين منتظم للكتابة يُعد خطوة حاسمة في بناء مهاراتك وتطوير إنتاجيتك، لا يكفي أن تكتب بشكل عشوائي؛ بل عليك أن تُحدد الوقت المثالي من يومك الذي تكون فيه في أوج طاقتك وتركيزك، سواء كان ذلك في الساعات الأولى من الصباح حيث الهدوء والإلهام، أو في الليل حيث الهدوء والسكينة، بمجرد أن تجد هذا الوقت، اجعله مخصصاً للكتابة دون تشتيت، واستمر في ذلك بشكل منتظم، وبمرور الوقت، سيتحول هذا الاتساق إلى عادة قوية، وستصبح الكتابة جزءاً طبيعياً من روتينك اليومي، ويساعدك على التقدم بخُطى ثابتة نحو تحقيق أهدافك الإبداعية.

5- حدد موعداً نهائياً

المواعيد النهائية تلعب دوراً حاسماً في تحفيزك وإضفاء إحساس بالالتزام في عملية الكتابة، سواء كانت هذه المواعيد لنفسك أو تفرضها عليك ظروف خارجية، فإنّ وجود تاريخ استحقاق يدفعك إلى العمل بجدية أكبر لإكمال مشاريعك في الوقت المناسب، وتُجبرك على تنظيم وقتك وإعطاء الأولوية للكتابة، كما تساعدك على تجنّب الانغماس في التعديلات المستمرة التي قد لا تنتهي أبداً، من المهم أن تُدرك أنّ كل قطعة من الكتابة تعكس مهاراتك وأفكارك في لحظتها الراهنة، وأنّ الكمال ليس الهدف النهائي، تقبّل حقيقة أنّ النقصان جزء طبيعي من الرحلة الإبداعية، وهو ما يسمح لك بالنمو والتطور مع كل تجربة جديدة.

6- أولاً الكمية، ثم الجودة

في بدايات مسيرتك الكتابية، من الأفضل أن تُركز على إنتاج كمية كبيرة من الكتابات بدلاً من أن تكون مهووساً بالكمال أو النقد المُفرط لكل كلمة تكتبها، هذه المرحلة تتطلّب منك أن تكتب دون قيود، بحيث تتمكن من التعبير بحرية واكتشاف أسلوبك الخاص وصوتك الفريد، كلما كتبت أكثر، زادت فُرصك في التعرف على الجوانب التي تميز كتاباتك، وتطوّرت بشكل طبيعي بمرور الوقت، وعندما تصل إلى نقطة تمتلك فيها كمية كبيرة من الأعمال، حينها يمكنك تحويل تركيزك إلى تحسين الجودة، والبدء في عملية التحرير والصقل، تذكّر أنّ التعديل والتجويد جزء لاحق من العملية الإبداعية، وأنّ الكَم الكبير من العمل يمنحك أرضية صلبة للبناء عليها.

7- استخدم أدوات بسيطة

لستَ بحاجة إلى برامج متقدمة أو أجهزة تقنية معقدة لتكون كاتباً فعّالاً، في الواقع، تكمُن القوة في البساطة، يمكنك الاعتماد على أدوات أساسية مثل معالج كلمات بسيط أو حتى قلم وورقة تقليدية، فكلاهما يمتلك القدرة على تحرير أفكارك وإطلاق العنان لإبداعك، الأهم هو أن تكون الأدوات التي تختارها ملائمة لأسلوبك الشخصي وتدعم عملية الإبداع بدلاً من أن تُعرقلها بتعقيدات لا داعي لها، ابحث عن الوسيلة التي تُشعرك بالراحة وتتيح لك الكتابة بسلاسة، وحين تجدها، تمسّك بها لأنها ستُصبح جزءاً من روتينك الإبداعي اليومي.

من الضروري أن تجعل من عادة الاحتفاظ بدفتر ملاحظات صغير أو استخدام تطبيق رقمي متاح دائماً على هاتفك أو جهازك اللوحي لتدوين هذه الأفكار بمجرد ظهورها

8- اكتب الأفكار

الأفكار الإبداعية غالباً ما تظهر في أوقات غير متوقعة، وقد يكون من السهل أن تنساها إن لم تُسجلها فوراً، لذلك، من الضروري أن تجعل من عادة الاحتفاظ بدفتر ملاحظات صغير أو استخدام تطبيق رقمي متاح دائماً على هاتفك أو جهازك اللوحي لتدوين هذه الأفكار بمجرد ظهورها، هذه العادة البسيطة ليست مجرد وسيلة لالتقاط لحظات الإلهام العابرة، بل هي أيضاً طريقة فعالة لبناء أرشيف غني من الأفكار التي يمكنك العودة إليها في المستقبل، فكلّ فكرة قد تكون نواة لمشروع إبداعي أو قطعة كتابة جديدة، وتحويل هذه الأفكار العشوائية إلى موارد ملموسة سيزيد من ثراء مسيرتك الكتابية على المدى الطويل.

9- احتفظ بملف لقصاصات الورق

ملف قصاصات الورق هو بمثابة كنز من القطع الأدبية الملهمة التي تشمل مقالات، قصص، واقتباسات تترك أثراً عميقاً في نفسك، كما يُعتبر مصدراً قيّماً يمكنك الرجوع إليه عندما تشعر بالضياع أو تفتقر إلى الإلهام، عندما تجمع هذه المواد، لا تكتفِ بتخزينها، بل قُم بتحليل ما يجذبك في كل قطعة منها، سواء كان ذلك أسلوب الكتابة، أو البناء السردي، أو حتى العواطف التي تثيرها، فكر في كيفية دمج العناصر المشابهة التي تعجبك في كتابتك الخاصة، واستلهم من تلك الأعمال لخلق تجربة أدبية فريدة تُعبر عن صوتك الخاص، وبهذا الشكل، يصبح ملف قصاصات الورق ليس فقط مرجعاً، بل أداة تساعدك على تطوير مهاراتك الكتابية وتعزيز إبداعك.

10- المقالة لا تكتمل أبداً، فقط تُترك

من المهم أن تقبل أنّ كل قطعة كتابة لن تكون كاملة تماماً، فكل عمل أدبي يعكس لحظة معينة في الزمن، تعكس تجربتك ووجهة نظرك في ذلك الوقت، ومع تقدمك وتطوّرك ككاتب، ستتغير آراءك ومهاراتك، مما يعني أنّ القِطع التي كتبتها في الماضي قد تبدو لك مختلفة تماماً عند النظر إليها اليوم، احتضن هذه الفكرة، واعتبرها فُرصة للتعلّم والنمو، حيث يمكنك دائماً العودة إلى الأعمال السابقة لتحسينها وإعادة صياغتها بأسلوبك الجديد، قد تضطر إلى ترك بعض القِطع جانباً في الوقت الحالي، لكنها لا تُعتبر مهجورة أو غير صالحة، بل تظل حية كفُرص محتملة للتطوير، تنتظر أن تعود إليها وتعيد اكتشاف إمكانياتها من جديد.

تُعتبر رحلة الكتابة تجربة غنية بالتحديات، وتُمثل كل خطوة فيها فرصة للنمو والتطور، من خلال تطبيق هذه الدروس العشر، يمكنك بناء ممارسة كتابة تُعزز من شعورك بالإنجاز وتُحقق لك الإشباع الإبداعي، تذكّر دائماً أنّ العنصر الأكثر أهمية في كونك كاتباً هو الاستمرار في الكتابة، إذ أنّ الإبداع يتطلّب الالتزام والمثابرة، لذا، احتضن كل جانب من جوانب العملية الكتابية، من الإلهام إلى الإخفاق، وتعلّم من كل تجربة تمُر بها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، دع صوتك الفريد يبرُز ويظهر في كل ما تكتب، فهذا هو ما يُميزك ككاتب ويساهم في إنشاء عمل يحمل طابعك الخاص ويعكس تجربتك ورؤيتك للعالم.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.