من الشك إلى الإبداع: كيف تتجاوز عقبات الكتابة وتنطلق بحرية؟

عبدالله عباس

في عالم الكتابة، يبرز الشك كوحشٍ متربصٍ على أعتاب الإبداع، ينتظر بفارغ الصبر اللحظة المناسبة للاقتحام، محاطاً بأفكارك وأحلامك، يجتاح عقلك وقلبك بمجموعة من الأسئلة المثبطة التي تعصف بشجاعتك: “هل ما أكتبه جيد بما يكفي؟ هل سيقرأ أحد ما أكتب؟ هل سأفشل في تقديم عملٍ يستحق التقدير؟” هذه التساؤلات، التي تتكرر باستمرار، تُشكل حاجزاً نفسياً يعيق تقدمك ويحول دون انطلاقك نحو عالم الكتابة بحرية وثقة، الشك ليس مجرد شعورٍ عابر يتسلل إليك بين الحين والآخر، بل هو عدو داخلي يكبح جماح أفكارك ويُعرقل تدفق إبداعك، ويجعلك في دوامة التردد والإحباط.

في هذه المقالة، سأسلط الضوء على تأثير الشك على عملية الكتابة، موضحاً آثاره السلبية وطرق تجاوزه، ومستنداً إلى تجربتي الشخصية الغنية والمراجع الأدبية التي تناولت هذا الموضوع، في محاولة لتقديم نصائح عملية تُسهم في تحفيزك على مواجهة هذا العدو والتغلب عليه، لتتمكن من استعادة شغفك وحرية إبداعك.

الشك: الصديق المزيف الذي يعيق الإبداع

يتسلل الشك إلى عقولنا بشكلٍ خفي، وكأنه نوعٌ من الحذر الزائد أو الوعي الذاتي المتزايد، ليظهر في البداية كصوت داخلي هادئ، يهمس في آذاننا بعبارات مثبطة مثل: “قد يكون بإمكانك أن تكتب أفضل مما تفعل الآن” ومع مرور الوقت، يتحول هذا الصوت الخافت إلى جدارٍ صلب يقف في طريق تدفق أفكارنا، مانعاً إياها من الخروج إلى النور ومعرقلاً إبداعنا.

من خلال تجربتي ككاتب وروائي، تعلمتُ أنّ التعامل مع الشك لا يكون عبر الهروب منه أو تجاهله، بل يجب مواجهة هذا الشعور بشجاعة وعزيمة، يجب علينا إدراك أنّ الشك ليس مجرد عائقٍ، بل هو جزءٌ لا يتجزأ من الرحلة الإبداعية، كما يُبرز لنا تساؤلات حول قدراتنا ومهاراتنا، ويمنحنا فرصة للتأمل والنمو، إنّ فهم هذه الديناميكية يدفعنا إلى التحلي بالشجاعة الكافية لمواجهة الشك، واستخدامه كأداة للتطوير الذاتي، بدلاً من أن نتركه يقيدنا ويُعطّل مسيرتنا.

عندما بدأت الكتابة لأول مرة، كان الشك يتلبّسني في كل جملة أكتبها، كنتُ أعيد قراءة الفقرات مراراً وتكراراً، أبحث عن الأخطاء، وأشعر أنني لا أستطيع إنهاء أي نص، كنتُ أخشى النقد أو حتى أن يرفض أحدهم قراءة ما أكتب، لكن مع مرور الوقت، أدركتُ أنّ الشك ليس إلا انعكاساً للرغبة في الوصول إلى الكمال، وهي فكرة مضللة.

يجب على الكُتاب أن يتعلّموا كيفية قبول تقصيرهم في بعض الأحيان، واستخدام تلك اللحظات كفُرص للتطور والنمو، مما يعزز قدرتهم على التعبير عن أفكارهم بحرية وإبداع، دون أن يُقيدهم شبح الكمال المزعوم.

الشك والبحث عن الكمال

الكمال هو السراب الذي يقودنا إلى الشك، نميل من خلاله إلى الاعتقاد بأنّ النص المثالي هو الخيار الوحيد الذي يستحق النشر أو القراءة، هذا الاعتقاد الخاطئ يزرع الخوف في قلب الكاتب، ويجعله متردداً في إطلاق أفكاره ومشاعره على الورق، لأنه يخشى ألا يصل إلى ذلك المستوى المزعوم من الإبداع والاحترافية، وفي ظل هذا الضغط، يصبح الخوف من الفشل عائقاً كبيراً يُعرقل تدفق الإبداع، كما يدفع العديد من الكُتاب إلى الانسحاب أو التوقف عن الكتابة تماماً، كما أشار الشاعر والكاتب بول فاليري في مقولته الشهيرة: “النصوص لا تنتهي، فقط يتم التخلي عنها”، مما يعني أنّ الكمال هو مفهوم وهمي وغير قابل للتحقيق، وأنّ العمل الإبداعي يُحفزنا إلى أن نتقبّل وجود بعض الثغرات والنقص فيه، فالإبداع ليس عملية خطية أو مثالية، بل هو رحلة تتطلّب الشجاعة للاستمرار، رغم عدم الكمال، كما يجب على الكُتاب أن يتعلّموا كيفية قبول تقصيرهم في بعض الأحيان، واستخدام تلك اللحظات كفُرص للتطور والنمو، مما يعزز قدرتهم على التعبير عن أفكارهم بحرية وإبداع، دون أن يُقيدهم شبح الكمال المزعوم.

أذكر أنني قضيتُ سنوات أبحث عن الجملة المثالية في إحدى رواياتي الأولى، كنتُ أكتبُ وأعيد الكتابة، أعدّل وأصحّح، وأشعر أنّ النص لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، وبعد فترة، أدركتُ أنّ السعي وراء الكمال هو الذي كان يعُوقني عن إكمال العمل، الشك في قدرتي على تقديم نص “كامل” جعلني أتوقف عن الكتابة مرات عديدة.

كيف تتجاوز الشك وتحرر قلمك؟

1- اعترف بالشك، لكن لا تدعه يسيطر عليك
الشك طبيعي، بل يمكن أن يكون دافعاً لتحسين جودة عملك، لكن لا تدعه يشل حركتك، وأفضل طريقة لمواجهة الشك هي الاعتراف بوجوده، ثم العمل رغم ذلك، اكتب، حتى عندما تشعر أنك غير قادر على تقديم الأفضل، لا تنتظر الشعور بالثقة الكاملة للبدء؛ لأنّ هذا الشعور قد لا يأتي.

2- ضع حدوداً لعملية التحرير الذاتية
كثيراً ما نبدأ بكتابة النص ونقوم بتحريره في الوقت ذاته، مما يجعلنا نتوقف عن الإبداع ونغرق في التفاصيل، النصائح التي استفدتُ منها شخصياً هي كتابة المسودة الأولى بسرعة دون الانتباه للتفاصيل الصغيرة، دَع الأفكار تتدفق دون مقاطعة، ثم عُد لاحقاً لتحرير النص.

3- اكتب كل يوم، بغض النظر عن شعورك
الكتابة هي عادة، والشك هو جزء من أي عادة جديدة، من خلال الالتزام بالكتابة اليومية، حتى لو كانت جُملة واحدة، يمكنك كسر دائرة الشك، الكاتب ستيفن كينغ يقول: “لا تنتظر الإلهام، الإلهام للمبتدئين” بمرور الوقت، سيتلاشى الشك أمام القوة التي تمنحك إياها الكتابة المستمرة.

4- تذكر: النقد هو جزء من الرحلة
الخوف من النقد هو أحد أكبر محفّزات الشك، نخشَى أن يتم رفض عملنا أو عدم تقديره بالشكل الذي نرغب به، لكن الحقيقة هي أنّ كل كاتب يمُر بهذا الخوف، يجب أن نتقبل النقد كجزء من عملية التحسّن، هناك اقتباس رائع لجون شتاينبك يقول فيه: “التذكّر هو ما يجعل الكتابة صعبة” لكن تذكر أيضاً أنّ الكتابة هي في النهاية فِعل شجاع، وأنك تقف أمام جمهور قد يُقدرك أو ينتقدك، لكن المهم هو أنك كتبت.

5- احصل على دعم كُتاب آخرين
من أفضل الطرق لمكافحة الشك هو الانضمام إلى مجتمع الكُتاب الذين يشاركونك نفس المخاوف والطموحات، العمل مع الآخرين ومشاركة تجاربك يمكن أن يُخفف من وطأة الشك ويمنحك منظوراً جديداً حول كتاباتك، في بعض الأحيان، نحن بحاجة إلى من يقول لنا “أنت على الطريق الصحيح”.

تعلمتُ كيف أعيش مع الشك وأحوّله إلى مصدر للإلهام والتطور، أصبح الشك جزءاً من تجربتي الكتابية، وقادتني هذه الرحلة إلى فهم أعمق لعملي ككاتب، مما ساعدني على استعادة شغفي وإبداعي.

التجربة الشخصية: كيف تغلبتُ على الشك؟

في إحدى مراحل حياتي الكتابية، وجدت نفسي محاصراً بالشك إلى درجة أنه أصبح يُسيطر على تفكيري ويمنعني من الكتابة لفترات طويلة، توقفتُ عن الكتابة لعدة أشهر، والإحباط يتزايد، وكنتُ أعتقد أنني غير قادر على تقديم أي شيء جديد أو مهم يُضيف قيمة للآخرين أو حتى لنفسي، حاولتُ بشتى الطرق الهروب من هذا الشعور، سواء من خلال الانغماس في أنشطة أخرى أو تجاهل ما يجري في ذهني، لكنني أدركتُ مع مرور الوقت أنّ الهروب ليس حلاً؛ فالشعور بالشك لم يكن مجرد عابر، بل كان يُعبر عن صراع داخلي عميق، قررتُ أن أواجه هذا الشك بشكل مباشر، وبدأتُ بكتابة يوميات تُعبر عن مشاعري وتجاربي، قمتُ بتدوين كل ما يدور في ذهني من مخاوف وتحديات، وأدركتُ من خلال تلك الكتابات أنّ الكتابة نفسها يمكن أن تكون علاجاً فعالاً، لم أكن بحاجة إلى كتابة نصوص كاملة أو مقالات معقدة، بل بدأت أكتبُ كل يوم، حتى وإن كان ذلك مجرد جُملة أو فكرة عابرة، ومع مرور الوقت، بدأت الثقة تعود تدريجياً إلى نفسي، ليس لأنني تخلصتُ من الشك بشكل كامل، بل لأنني تعلمتُ كيف أعيش مع الشك وأحوّله إلى مصدر للإلهام والتطور، أصبح الشك جزءاً من تجربتي الكتابية، وقادتني هذه الرحلة إلى فهم أعمق لعملي ككاتب، مما ساعدني على استعادة شغفي وإبداعي.

كيف يؤثر الشك على الإبداع؟

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ الشك الذاتي هو أحد العوامل التي تؤدي إلى ما يُعرف بمتلازمة المُحتال، حيث يشعر الفرد بأنه غير مُستحق لإنجازاته وأنه يخدع الآخرين، هذه المتلازمة شائعة بين الكُتاب والمبدعين، وغالباً ما ترتبط بمشاعر الشك والتردد، وفي دراسة أجرتها جامعة هارفارد عام 2019 أشارت إلى أنّ الشك يؤثر بشكلٍ مباشر على الإنتاجية والإبداع، وأنّ الأشخاص الذين يعانون من الشك يكونون أقل قدرة على إكمال مشاريعهم الإبداعية.

الشك جزء من الرحلة الإبداعية

الشك هو ظِل يثرافق كل كاتب في رحلته الإبداعية، لكنه ليس عدواً دائماً، بل يمكن اعتباره اختباراً حقيقياً لمدى إصرارك وعزيمتك على الاستمرار في عالم الكتابة، يتسلل هذا الظِل ليضع أمامك مجموعة من التساؤلات التي تُحبط العزيمة وتؤجج المخاوف، لكنه لا يجب أن يُسمح له بأن يقف عائقاً في طريقك أو يحجب نور إبداعك المتألق، بل على العكس، ينبغي أن تتذكّر أنّ الشك، رغم تأثيره السلبي، يمكن أن يكون أيضاً مصدراً للتحفيز والتطور الشخصي إذا تم التعامل معه بذكاء وإيجابية، فالكتابة ليست مجرد عملية واحدة تنتهي بمجرد الانتهاء من النص، بل هي رحلة مستمرة تتطلّب منك المثابرة والتكيّف مع التحديات التي تواجهها، الشجاعة الحقيقية تكمُن في أن تبدأ في الكتابة وتستمر فيها، رغم كل الشكوك التي قد تعترض طريقك، من خلال تقبل الشك كجزء من العملية الإبداعية، يمكنك تحويله إلى دافع لتجاوز حدودك، واكتشاف أبعاد جديدة من إبداعك، وهذا بدون شك، سيجعلك كاتباً أكثر نُضجاً وقدرة على التعبير.

اقتباس: الكتابة مثل السباحة ضد التيار، إذا توقفت، ستجرفك المياه بعيداً” – جورج أورويل


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق