محمد البلوشي
“الكتابة هي الصمت الذي نستطيع أن نصرخ فيه دون أن يسمعنا أحد”
هنا، أجد نفسي أغوص في أعماق الكتابة، تلك العملية السحرية التي أستطيع من خلالها تحويل صمت روحي إلى صرخاتٍ خفية تنبعث من بين السطور، ليست الكتابة مجرد أحرف تُرتّب على الورق بالنسبة لي، بل هي نوافذ مفتوحة تُطل على عوالم لا يُدركها إلا من يسكنون في ظلال الوحدة العميقة، حيث تكون الكلمات ملاذي الأخير للتعبير.
في الكتابة، أعبّر عن هواجسي وأحلامي، آلامي ومسراتي، دون أن أحتاج إلى النطق بها، إنها طريقتي لترجمة مشاعري إلى لغة صامتة، يسمعها فقط من يمتلك القدرة على قراءة ما وراء الكلمات، هذا الصمت المعبّر الذي تحمله الكتابة هو محاولتي الدائمة لتحويل ثِقَل العالم إلى نصوص تطفو، لإعادة صياغة الواقع بما يناسب هواجسي الروحية.
في عمق كل كاتب، هناك صرخات متوارية في خبايا النفس، صرخات صامتة لا تنطلق عبر حبال الصوت، بل تتدفق على الورق كما يتدفق النهر في مجراه، ليست الكتابة مجرد عملية إنتاج نصوصٍ يمكن قراءتها أو سرد قصصٍ يمكن تصديقها؛ بل هي صراعٌ دائم لتحويل المشاعر المكبوتة والخواطر المعقدة إلى كلماتٍ يمكن أن تقرأها العيون، حتى وإن لم يسمعها أحد، هذا الصمت الكتابي هو المساحة التي يمكن للكاتب أن يُعبر فيها عن ذاته بكل حرية، دون خوف من الأحكام أو القيود.
الصمت كضرورة للكتابة
لطالما كانت الكتابة جزءاً لا يتجزأ من الوجود الإنساني، ومثلما تتنوّع أسباب الكتابة بين الناس، فإنّ دوافع الكاتب تظل فريدة، الكاتب ليس مجرد ناقل للأفكار أو راوي للأحداث، هو مكتشف دائم لعالم لا يراه الآخرون، يقدس لحظاته الخاصة حين ينعزل مع الورق والقلم أو أمام الشاشة، يلتقط من الصمت تلك الأصوات المدفونة ويمنحها الحياة.
حين يكون العالم حولنا صاخباً، يغدو الصمتُ ملاذ الكاتب وملجأه الوحيد، يحتاج حينها إلى مساحة هادئة ليتمكن من سماع أصواتِ الأفكار المتداخلة وتحديد أيها يستحق أن يتحوّل إلى كلمات، فالكتابة ليست هروباً من الضجيج، هي محاولة لفهمه وإعادة تشكيله في صورة أخرى، لتكون أكثر وضوحاً وأقل فوضى، في الصمت الذي يحتضن الكاتب، تنمو الكلمات كما تنمو الأشجار في عمق الغابة، مستمدةً قوّتها من تلك العُزلة التي تمنحها الاستقلال.
ليست كلّ الصرخات تُسمع، وكثير من الآلام لا تُرى، تأتي الكتابة كوسيلة لإطلاق تلك الصرخات المستترة، لتكون وسيلة للتعبير عن الغضب، الألم، الحب، أو الحزن، الكلمات المكتوبة لها طاقة خاصة؛ فهي قادرة على نقل المشاعر بأبعادها المختلفة، والتأثير في القارئ بطُرق لا يستطيع الصوت المجرد تحقيقها.
الكتابة كصرخة مستترة
ليست كلّ الصرخات تُسمع، وكثير من الآلام لا تُرى، تأتي الكتابة كوسيلة لإطلاق تلك الصرخات المستترة، لتكون وسيلة للتعبير عن الغضب، الألم، الحب، أو الحزن، الكلمات المكتوبة لها طاقة خاصة؛ فهي قادرة على نقل المشاعر بأبعادها المختلفة، والتأثير في القارئ بطُرق لا يستطيع الصوت المجرد تحقيقها.
والكاتب يصرخُ عبر كلماته، لكنه لا يسعى لأن يسمع الآخرون تلك الصرخة كصوتٍ خارجي، يريدهم أن يشعروا بها من الداخل، أن تتسلل إليهم كما يتسلل الضوء عبر شقوق النافذة، لا يتطلع إلى التعاطف أو الفهم بالضرورة، بل إلى مشاركة تلك التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها، بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الكتابة هي محاولة لإيجاد صدى للصمت الداخلي للكاتب في أرواح القراء.
الكتابة كعملية ولادة مستمرة
في كلّ مرة يشرع الكاتب في كتابة نصٍ جديد، يولد من جديد في كل حرفٍ يخُطه، ويتشكل من جديد في كل جُملة يبنيها، قد تكون هذه الولادة مؤلمة في بعض الأحيان، ولهذا يتحتم عليه مواجهة ذاته بكل ما تحتويها من تناقضات وأسئلة وأسرار، في هذه اللحظات، تتحوّل الكتابة إلى فعلٍ متجدد للتحرر والشفاء، من خلالها يستطيع إعادة تشكيل حياته على الورق كما يشاء، ويهرب من واقع لا يستطيع تغييره إلى عوالم خيالية يستطيع فيها أن يكون كل شيء.
كل نصٍ يكتبه الكاتب هو تجسيد لجزءٍ من روحه، وحتى وإن لم يعترف بذلك صراحة، فإنه يحفره عميقاً في ذاكرته، ويستخرج من تجربته الشخصية شذرات من الفرح والألم، ويعيد صياغتها في قالبٍ إبداعي يُحاكي تجربة إنسانية شاملة، في هذه العملية، قد يضطر الكاتب إلى مواجهة ظلامه الداخلي والتعامل مع الجروح العميقة التي لم تندمل بعد، لكنها تتيح له الفرصة للتعامل مع هذا الألم بطريقةٍ بنّاءة، ليصنع منها شيئاً جميلاً.
الكتابة كوسيلة لفهم الذات
من المفارقات العجيبة في الكتابة أنها وسيلة للتعبير عن الذات، ووسيلة أيضاً لاكتشافها وفهمها، عندما يكتب الكاتب، يكتشف جوانب جديدة من شخصيته لم يكن يعرفها من قبل، ويستعيد ذكرياتٍ لم يكن يعتقد أنه يحتفظ بها في أعماق ذاكرته، يُنقّب في ذاته كما يُنقّب الأثري عن الكنوز المدفونة، وكل كلمة يخطّها تقرّبه خطوة نحو فهم أعمق لحقيقته.
لذلك، قد تكون الكتابة في جوهرها فعلاً من أفعال البوح الصامت، يُعبر الكاتب من خلالها عن مشاعره وأفكاره دون الحاجة إلى النطق بها بصوت عالٍ، إنها طريقة للحديث مع النفس، لمعرفة مدى ما تعلّمه الإنسان من تجاربه، ومدى تطور رؤيته للحياة، في هذه اللحظات التأملية، يمكن للكاتب أن يتوصل إلى رؤى غير متوقعة حول ذاته والعالم من حوله، ويعيد صياغة قناعاته بشكل يتماشى مع ما يكتشفه.

الصمت في الكتابة كمساحة للحرية
الصمت في الكتابة ضروري لإتاحة الوقت للتفكير والتأمل، هو مساحة للحرية، حين يكتب الكاتب، يجد نفسه في فضاء لا تحدّه أي قيود، يمكنه أن يتناول أي موضوع يريده، ويطرح أي فكرة تشغله، هذا العالم يملكه وحده، يخلق فيه الشخصيات، ويتحكم في مصائرها، ويغير مسار الأحداث كما يشاء.
في هذه الحرية الواسعة، يجد الكاتب نفسه بعيداً عن قيود المجتمع وضغوط الحياة اليومية، يمكنه أن يكون من يريد، أن يختبر حياة لم يعِشها من قبل، ويُعبر عن مواقف لم يكن ليجرؤ على التعبير عنها علانية، ويعيد تشكيل العالم بطريقته، ويمارس سيطرة مطلقة على كل ما يكتب، في حين يظل صامتاً في حياته اليومية، مُحاطاً بجدران الواقع الصلبة.
الصمت كفعل مقاومة
في بعض الأحيان، يمكن أن تكون الكتابة فعلاً من أفعال المقاومة الصامتة، يُعبر الكاتب عن رفضه للعالم من حوله من خلال كلماته، إنها وسيلة للتعبير عن الاستياء دون اللجوء إلى العنف، ولفضح الظلم دون الحاجة إلى الصراخ، الكاتب المقاوم يجد في الكتابة سلاحاً يُمكّنه من النضال بصمت، بحيث تتغلغل كلماته في عقول الناس، وتثير الأسئلة دون أن تفرض الأجوبة.
الكتابة، بهذا المعنى، هي شكل من أشكال العصيان المدني، يتمكّن الكاتب من استخدام قلمه كسلاح ضد الظلم والفساد، ويُعبر عن آرائه بشكلٍ متحضر، ويشارك صرخته الصامتة مع من يستطيعون سماعها، دون أن يتسبب في إزعاج الآخرين، في هذه الصرخات الهادئة، يكمُن تأثير عميق لا يمكن الاستهانة به، يتردد من خلاله صدى الكلمات في أعماق الروح لفترة أطول بكثير مما يتردد صدى الصوت.
الكتابة كحوار مستمر مع العالم
الكاتب يعيش في حالة حوار مستمر مع العالم من حوله، حتى وإن بدا منغلقاً في صمته، يتفاعل مع الأحداث التي يشهدها، ويتأمل في معاني الأشياء من حوله، ثم يعيد صياغة كل ذلك على الورق، الكتابة هي وسيلته للتواصل مع الآخرين دون الحاجة إلى التواصل الفعلي، يمكنه أن يطرح أفكاره ويناقش قضاياه من خلال النصوص التي يكتبها.
هذا الحوار الصامت يمكن أن يكون أكثر عمقاً وصدقاً من أي حوار مباشر، الكاتب يستطيع أن يُعبر عن آرائه بحُرية ودون تردد، أن يشارك مشاعره وتجربته الشخصية دون الخوف من سوء الفهم أو النقد، في كل جُملة يكتبها، يتبادل مع القارئ نظرةً من وراء الكلمات، كما لو أنه يقول له: “هذا هو عالمي، أراه كما تراه أنت، ولكن من زاوية مختلفة”.
الكتابة كفن تحويل الألم إلى جمال
الكتابة هي في كثير من الأحيان وسيلة لتحويل الألم إلى شيء جميل، عندما يعاني الكاتب من تجارب مؤلمة أو مشاعر معقدة، يجد في الكتابة وسيلة للتعبير عنها بطريقة يمكن أن تُضفي عليها لمسة من الجمال، الألم يتحوّل إلى نص أدبي يمتلك قدرة على التأثير في القارئ، والذكريات القاسية تتحوّل إلى دروس مُستخلصة من الحياة.
هذا التحوّل ليس سهلاً؛ يتطلّب قدرة على التأمل العميق وإعادة صياغة المشاعر بأسلوب فني، الكاتب، من خلال الكتابة، يقوم بترويض الألم، يضعه في قالب يمكن التحكّم فيه، ويتعامل معه بطريقة أكثر نضجاً، الكتابة ليست مجرد وسيلة للهروب من الواقع، هي وسيلة للتعامل معه بطرق أكثر إبداعية وإنسانية.
في نهاية المطاف، يمكن القول إنّ الكتابة هي صمتٌ مليء بالحياة، هي صرخة في الفراغ تُعبّر عن كل ما لا يُقال بصوت مسموع، مساحة خاصة للكاتب يستطيع فيها أن يكون هو نفسه، بعيداً عن ضجيج العالم وقيوده، ووسيلة للتعبير عن الذات واكتشافها، وفضاء للحرية والمقاومة، وفن لتحويل الألم إلى جمال.
والآن.. حان دورك عزيزي القاريء، ما الذي تعنيه الكتابة بالنسبة لك؟ اكتبه في التعليقات


أضف تعليق