سالم بن شنون السوطي – سلطنة عُمان
ليس بصدد الحديث عن رواية “ما وراء الشتاء” لإيزابيل، وإنّما الإنسانيّة تدفع بعض الكُتّاب إلى إيضاح بعض الفصول في الروايات الحديثة لواقع الإنسان في فضاء الشتاء، فالفضاء الذي يحيط بالإنسان هو مليء بالنيازك والشهب المدمرة التي تلاحقه في كلّ ثانية، فلا طريق آمن، ولا مكان للجوء إليه، الحرب فوضويّة وقاسية بل ازدادت قيودها فأصبحت أكثر ممّا وصفها زهير بن أبي سلمى في معلقته حين قال:
وَمَا الحَـرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُـمُ وَمَا هُـوَ عَنْهَا بِالحَـدِيثِ المُرَجَّـمِ
مَتَـى تَبْعَـثُوهَا تَبْعَـثُوهَا ذَمِيْمَـةً وَتَضْـرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُـوهَا فَتَضْـرَمِ
فَتَعْـرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَـا وَتَلْقَـحْ كِشَـافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِـمِ
هذا العرك الدائم لا يبقي في ملامح الإنسان ما يمكن أن يدلّ عليه، لدرجة عظمى لا أحد يريد أن يسمع صوته في فراغ هذا الفضاء؛ لأنّ الفضاء قد سرّح عليه يد الإحكام ذات القبض، فأصبحت الألسن مطبقة من حناجرها فلا سبيل إلى أهمية إنسانيّة لبقائه على قيد الحياة، فهو كالأشياء المادية التي يمكن إعادة تعمريها أو استبدالها بحفنة مال في أيّ وقت، فالتمرّد هو الصوت المسموع للغربان.
والغربان تحوم على فضاء واسع قد سجّل في الألواح والأهداف، فهي تبحث بذكاء معروف بالفطرة والأسباب؛ لتتجمع في مجاثم ضخمة جداً في فصل الشتاء؛ كي تبحث عن مأوى السكينة الوقتيّة؛ لأنّ الخوف من المجهول يلاحقها بفعل اللعنة التي نزلت عليها، فهي كلّ يوم تجاهد ذاتها بأن تبقى في ضوضاء مستمرة، فلا شيء يشغلها عن واقعها السيء إلا صورة الدم؛ لتجعل فضاء الشتاء مليئاً بالمصائب والمحن التي تدفع الإنسان نحو البحر، وكأنّ بعضاً من الأحوال يتجسّد فيه معان من رواية الغريب والبحر، وبعضاً آخر من رواية الغريب.
فالإنسانيّة لها تاريخ يُماثل بعضه في هذه الحياة الفانية، والظواهر الكونيّة تعكس مساراً يُحاكي بعض الأقوام، فالشمس الغامضة تحاول جاهدة أن تحرق فضاء الأرض بفعل الهوس الذي يصاحبه جنون، فهي تبحث عن انفجار هوائي كبير؛ كي تقضي على ما تبقى من بشر وشجر، فالحياة أصبحت بعيدة جداً عن رحلة الشتاء والصيف التي تعالج ما تبقى من ضمور الأجساد والأمراض، فالجوع المُدقع في الإنسان هو كرواية الذبح في فضاء الشتاء.
فضاء مرعب يُخيّم عليه الغربان والشمس فلا سيارة على الطريق، ولا غطاء ولا غذاء غير جيف وجُثث الحيوانات على قارعة الطريق الهالك، ولم يبق لجثث الأطفال والنساء ما يمكن أن يحرّك ضمائرنا، فهل هناك قطرة شتاء مازالت باقية كرواية حديثة في عصر الذّل والقتل المرئي؟ ألا يكفي ما حدث ويحدث أم ننتظر نبيّاً يُنذر بآية كآية “تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ”؟! رواية وحشيّة تغور في العقول والقلوب فلا تُحرك ساكناً، فهل أصبحنا شخصيات ثانوية في أحداث ما يجري هنا وهناك؟!
فالكلّ يحاول أن يضع مسرحية قصيرة؛ كي يبُثها بين الفنية والأخرى، فيضمّ أحداثها ضمن تلك الرواية الغامضة في أسلوب شخصياتها، لكن هناك رواية حديثة أخرى تُسطّرها امرأة قد باعت نفسها للخالق، فقدّمت كلّ ما لديها لآخرتها، وهي ضعيفة في مكنون خِلقتها إلا أنّها تمتلك صبراً وحكمة في رضاها وبثّ قناعتها دون وصايا في دنيا فانية، بالرغم من ثقل دورها في أحداث الرواية، فهي تبثّ لنا صوتاً ضعيفاً إعلاميّاً، لكنّه يحمل معاناة كبيرة لا حدود لوصفها، كأنّ حالتها في زمن الحرب تجسّد حالة الرعب يوم القيامة الذي يشيب فيه الولدان من شدّة الهول ما يرى، فالتاريخ يذكر بأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم قد حرّك جيشاً لامرأة صرخت في بني قينقاع، ولم يرضَ بالسكون والسكوتِ عمّا يصيب المسلمين والمسلمات، ولم يرضَ الصلت بن مالك لامرأة قالت:
ما بالُ صَلْتٍ ينـامُ الليـلَ مُغتبِطـاً وفي سُقُطْرى حريمٌ عُرضَةَ النّهَبِ
يا للرِّجـالِ أغيثـوا كـلَّ مُسلمـةٍ ولو حَبَوتمْ على الأذقـانِ والرُكَـبِ

إنّ الأحداث التي تحلّ بالمرأة في واقعنا الحاضر قد بلغت مبلغاً عظيماً، فلا يمكن أن تصف الأقلام حالتها، لكن بعض المشاهد من صبرها وعفتها تمثّل درساً للطغاة والحاقدين، وأما الحديث عن جُثث الأطفال في فضاء الصيف والشتاء فلا يمكن أن تُسكت القلوب والعقول عن سرد وقائعها وبثّها للعالم، فهي ليست كرواية الهلاك عند (بلال) بل هي تفوق دلالة المأساة.
وأما كبار السّن فمنهم من يحاول أن يبقى صامداً، ومتابعاً للأحوال من هنا وهناك، لعلّ أملاً قادماً لتحرير وطنه، ومكرساً ذاته بأن يبحث عن بعض الحياة في وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يجد إلا حروفاً قد شاخت عظامها بين أنواع الكلم، ولم يرَ إلا نساء وأطفالاً على فضاء الشتاء والحرب، محاولاً أن يبثّ فيما تبقى إرادة وعزيمة؛ كي يبقوا صامدين في الطريق، لعل الأنفاس تصل إلى سجدة في الأقصى فتقول لربّها “أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ”.
هكذا هو الحال في فضاء الشتاء وزمن الحرب، فالجميع هالك بفعل الحصار، والدمار، والجوع، والشتات، فأين المهرب من كلّ هذا وذاك؟ يتسامع ما تبقى من حياة البشر بأنّ الشباب ما زالوا على قيد الحياة، آخذين عهوداً مع أنفسهم بأن يتابعوا النضال والقتال، فالفضاء يحتاج إلى نجوم لامعة لا تخفت في الليل ولا في النهار، ويحتاج إلى دعم بدعاء في سر وعلن… يتابع الرجل الكبير في السنّ أحوال وطنه وشبابها، حاملاً معه عصاه التي يستند بها في المسير، لعلّ الله يجعل فيها مآرب أخرى، ولعل استجابة لدعاء طفل وامرأة بأن تأتي ريحاً ذات صرصر عاتية في فضاء الشتاء فتُهلك الغربان.
والأخبار تعصفُ بالبشر في قوالب أخرى من المجتمعات، هي قوالب الحياة من لهو ورقص، فلا حياة لمن تنادي في فضاء الشتاء، لكن الرجلَ المسن يتابع سيره في وسط الغربان، والشمس كاشفة أحواله وتحاول أن تسلّط عليه قِطعاً من نار، فيهمسُ بقلبه لا غالب إلا الله، وهو في طريق غير معلوم نهايته، فالموت أصبح شيئاً معلوماً لا مفر منه، ينظر خلف الجدار المتهالك فيتذكر شيئاً عظيماً قد أثلج صدره، لكن فجأة يسمع صوتاً ضعيفاً تحت ركام، يقترب منه محاولاً أن يجده ليرفع عنه ثقل الركام، يخفِت الصوت فتسيل دمعة منه على أرضه، لكنه يبادر بالنداء يا بني، أين أنت؟
ويكرّر النداء مرة أخرى قائلاً: أين أنت ألا تسمع وطنك يُناديك؟ يظهر الصوتُ من جديد فيرسل عصاه إلى حفرة صغيرة يمدّها لطفل قد فارقت أسرته الحياة، يتابع الطريق هو والطفل في اتّجاه الموت الذي لا يمكن الاختباء عنه، وفجأة تُحيط الغربان بالمكان تبحث عن دم الشتاء، ولم تجد إلا كبيراً في السّن وطفلاً، لكن لا وجود للرعب والخوف عندهما، تتعجب الغربان منهما، والشمسُ قد خاب رصدها للمكان، ليظهر الشباب من باطن الأرض كالثعابين تأخذ الغربان، والشمس في ذهول أذهب نورها.. وفي لحظة قد اتّكأ فيها الرجل الكبير في السن على بقايا جدار، والطفل بجانبه، تظهر القسوة من بعض الغربان المختبئة خلف حجر، فقد أطلقت رصاصة على الطفل ليخرّ شهيداً كمحمد الدّرة.
وهكذا تجري بعضاً من فصول الروايات في فضاء الشتاء، والقادم في سجل الأحداث تتّجه نحو فصول أخرى، سيُسجلها التاريخ لأجيال قادمة من هنا وهناك، فربّما تظهر صحوة قادمة لا مجال لوقف شبابها، فالأحوال الراهنة التي وضعت لها الاستراتيجيات والرؤى للبشرية بأن تبقى صامتة وراضية بالأمل الطويل في ظلّ الجوع، والفقر، والفساد، هي اليوم شبيهة بالحال في فضاء الشتاء وزمن الحرب.


أضف تعليق