تحويل فكرة إلى كتاب: رحلة الكاتب إلى النص

محمد البلوشي

الكتابة رحلة فكرية وفنية تبدأ من فكرة عابرة لتتحوّل إلى عمل أدبي متكامل، في البداية، قد تبدو الفكرة التي تتبادر إلى ذهنك بسيطة وغير مكتملة، وقد تشعر أنّ الطريق طويل ومعقد للوصول إلى الكتاب النهائي، ولكن الحقيقة أنّ الكتابة رغم تعقيداتها، ليست مستحيلة، يمكن لأي فكرة أن تتحوّل إلى نص مكتمل إذا توفرت الأدوات المناسبة والخطة المدروسة، من أول لحظة تشعر فيها بإلهام فكرة، مروراً بكل خطوة من خطوات الكتابة، سواء كانت البحث أو التخطيط أو التنظيم، هذه المراحل هي التي تمنحك القوة لتتغلب على التحديات وتواجه التغييرات التي قد تطرأ أثناء الكتابة، وفي النهاية تُنجز عملاً يُضاف لقائمة الأدب، في هذا المقال، سنغوص في التفاصيل الدقيقة حول طريقة تحويل أي فكرة إلى كتاب، من خلال استعراض الخطوات الأساسية التي يجب أن تتبعها، وستكون كل مرحلة بمثابة لبنة أساسية تبني عليها إبداعك بشكل منطقي ومدروس.

1- التفكير في الفكرة: من أين تبدأ؟

الخطوة الأولى في عملية تحويل الفكرة إلى كتاب هي تحديد الفكرة نفسها، وهي المرحلة التي تبدأ فيها رحلة الكتابة من نقطة الصفر، قد تكون هذه الفكرة هي الشرارة الأولية التي تنبع من تجربة عابرة في حياتك اليومية أو من تفكير عميق في موضوع معين، وقد تأتي إليك فجأة من محيطك الخارجي أو من أعماق عقلك، الفكرة قد تكون عبارة عن لمحة عن شخصية غريبة أو معقدة، أو قد تكون حول مكانٍ غير مألوف يحمل أسراراً يُنتظر أن تُكتشف، ربما تبدأ الفكرة بتصوّر عن حدث كبير يشُد انتباهك، أو تساؤل فلسفي عميق ترغب في استكشافه وتحليله من خلال سرد أدبي، مهما كانت هذه الفكرة في بدايتها، فإنها بمثابة البذرة الصغيرة التي تحتوي على إمكانيات هائلة، فكل فكرة تحمل في طياتها إمكانات لتتحوّل إلى عمل أدبي ضخم إذا ما تم الاعتناء بها وتحويلها إلى شيء ملموس وواقعي، هذه الفكرة هي النواة التي تبدأ منها عملية البناء، فكلما وضَحت لديك أكثر، كلما أصبح من السهل أن تبني حولها القصة أو الرواية التي تتخيلها.

قد تكتب جُملاً أو حوارات لا تعرف إذا كنت ستستخدمها لاحقاً، لكن الهدف الأساسي هنا هو تحرير عقلك من أي نوع من التقييدات، هذه الكتابة العشوائية هي عملية سيل من الأفكار التي قد تكون فوضوية في البداية، لكنها ضرورية لأنها تُتيح لك جمع أكبر قدر من المادة الخام التي ستستخدمها لاحقاً لبناء القصة وتشكيل هيكلها

2- مرحلة “تفريغ الأفكار”: من الفوضى إلى التنظيم

بعد أن تكون قد حددت الفكرة الأساسية لكتابك، تأتي المرحلة التالية التي تتمثل في تفريغ كل الأفكار المتناثرة التي تُراودك على الورق، وهي مرحلة حيوية تُعرف بتفريغ الأفكار أو “الكتابة العشوائية”، في هذه المرحلة، لا توجد حدود أو قيود؛ عليك أن تكتب بحُرية تامة دون التفكير في القواعد أو الهياكل أو حتى الترتيب المنطقي، كل ما عليك فعله هو أن تُفرغ كل ما يدور في ذهنك، سواء كان عبارة عن مشهد صغير عابر، حوار محتمل بين شخصياتك، وصف مكان غريب يلُوح في ذهنك، أو حتى أفكار قد تبدو غير ذات أهمية في البداية، قد تكتب جُملاً أو حوارات لا تعرف إذا كنت ستستخدمها لاحقاً، لكن الهدف الأساسي هنا هو تحرير عقلك من أي نوع من التقييدات، هذه الكتابة العشوائية هي عملية سيل من الأفكار التي قد تكون فوضوية في البداية، لكنها ضرورية لأنها تُتيح لك جمع أكبر قدر من المادة الخام التي ستستخدمها لاحقاً لبناء القصة وتشكيل هيكلها، في هذه اللحظة، لا تفكر في التنظيم أو التنسيق؛ فقط دع أفكارك تتدفق بحُرية لأنّ هذه الخطوة هي التي ستُؤسس للمرحلة القادمة من بناء كتابك.

3- التخطيط والتنظيم: تحويل الفوضى إلى هيكل

بمجرد أن تُفرغ كل أفكارك وتخرجها إلى الورق في مرحلة الكتابة العشوائية، فإنك تدخل في مرحلة جديدة ومحورية، وهي مرحلة التخطيط، التي تعتبر من أهم المراحل في عملية الكتابة، في هذه المرحلة، تبدأ في تحويل الفوضى الفكرية التي خلقتها إلى شيء أكثر تنظيماً، يمنحك رؤية واضحة للخطوات التالية في عملك، قد يعتقد البعض أنّ التخطيط يعني ضرورة وضع كل تفاصيل القصة من البداية، مثل تحديد كل مشهد وكل حوار بدقة، ولكن الحقيقة أنّ التخطيط لا يتطلّب بالضرورة هذا المستوى من التفصيل المسبق، التخطيط هو بمثابة وضع إطار عمل أو هيكل أساسي يساعدك في توجيه اتجاه القصة وتحديد معالمها الكبرى، هذه المرحلة هي لتحديد النقاط الرئيسية التي ستسير عليها القصة، مثل بداية القصة، تطوّر الأحداث، الذروة، والنهاية المحتملة، التخطيط يساعدك على معرفة أين تبدأ وإلى أين تنتهي، ويوفر لك خريطة ذهنية تُسهل عليك التنقل بين الأفكار، لكن الأهم من ذلك أنّ التخطيط يترك مساحة للتطوّر والابتكار أثناء الكتابة، ويُتيح لك حرية خلق وتغيير التفاصيل أثناء سير القصة، دون أن تشعر بأنك مقيد بأمور ثابتة منذ البداية.

يُفضّل بعضُ الكُتاب التخطيط التفصيلي، بحيث يقومون بكتابة كل حدث رئيسي في الرواية وكيف سيرتبط مع الأحداث الأخرى، بينما يُفضّل آخرون التخطيط بأسلوب أكثر مرونة، مع الحفاظ على مساحة للإبداع والابتكار أثناء الكتابة، يمكنك استخدام الخرائط الذهنية أو حتى الرسوم البيانية لتخطيط الشخصيات، الأماكن، والأحداث، في هذه المرحلة، من المهم أن تتأكد من أنّ الشخصيات تتفاعل مع القصة بشكل طبيعي وأنّ العالم الذي تبنيه متناسق مع الحبكة.

4- البحث: ضمان الدقة والإقناع

بعد أن قمتَ بتحديد الهيكل العام لقصتك وأصبح لديك تصوّر واضح عن سير الأحداث والشخصيات، تأتي مرحلة البحث، وهي خطوة حاسمة في تعزيز مصداقية وتفاصيل العمل الأدبي، أثناء التخطيط، قد تكتشف أنّ بعض أجزاء قصتك بحاجة إلى توضيح أو دقة إضافية لتكون أكثر واقعية وموثوقية، قد تتعلق هذه الأجزاء بتفاصيل تاريخية دقيقة، مثل تواريخ وأماكن تاريخية يجب أن تكون دقيقة لزيادة مصداقية الرواية، أو معلومات علمية يجب أن تكون صحيحة لضمان استنادك إلى معلومات موثوقة في مجالات مثل الطب، الفضاء، التكنولوجيا أو حتى علم النفس، كما قد تحتاج إلى البحث في طرق معينة للقيام بالأشياء في الحياة اليومية مثل كيفية التعامل مع حالات طبية محددة، أو كيفية إجراء عمليات معينة أو ما هي العادات والتقاليد الخاصة بثقافات معينة، في هذه المرحلة، يُصبح البحث أداة أساسية للحصول على المعلومات الصحيحة التي ستُمكّنك من بناء عالم قصتك بشكلٍ أكثر دقة وتفصيلاً، ويجعل العمل أكثر جاذبية ومصداقية للقارئ، البحث يفرض أيضاً التحقّق من صحة تلك المعلومات والتأكد من طريقة دمجها في سياق القصة بشكل طبيعي وملائم.

5- وضع الخطوط العريضة: الهيكل النهائي

بعد أن أكملتَ جميع التحضيرات اللازمة، بما في ذلك تحديد وتفريغ الأفكار، والتخطيط، والبحث، يأتي وقت الانتقال إلى الخطوة النهائية قبل البدء في الكتابة الفعلية: وضع الخطوط العريضة، قد يبدو للبعض أنّ هذه المرحلة هي الأسهل من بين جميع المراحل، لكن الحقيقة أنها واحدة من أكثر المراحل حسماً في عملية الكتابة، وتُشكّل الإطار الذي ستنطلق منه كل أحداث القصة، في هذه المرحلة، تقوم بتجميع كل الأفكار التي قمتَ بتطويرها وتنظيمها بشكل هيكلي وواضح، لتُكوّن خارطة طريق تسير عليها طوال الكتابة، بدءاً من بداية الأحداث، مروراً بالنقاط الحاسمة التي تؤدي إلى ذروة الحبكة، وصولاً إلى النهاية، لكن الخطوط العريضة لا تعني بالضرورة رسم كل التفاصيل الدقيقة؛ بل هي بمثابة الإطار العام الذي يساعدك على الحفاظ على الاتجاه الصحيح وعدم التشتّت أو الدخول في تفاصيل غير ضرورية، وتتمكن من التأكد من أنّ كل عنصر في القصة يتماشى مع الفكرة الأساسية وأنّ الشخصيات والأحداث تعمل معاً لبناء رواية متكاملة.

هناك العديد من الطرق لعمل الخطوط العريضة، يمكن أن تكون مُفصلة للغاية، وتشمل كل فصل وكل حدث صغير، أو يمكن أن تكون أكثر مرونة، مجرد تحديد النقاط الرئيسية التي يجب أن تحدث في القصة، أنت بحاجة إلى ترتيب الأفكار من البداية إلى النهاية بطريقة منطقية، والأمر الجميل في وضع الخطوط العريضة هو أنه يمكنك تعديلها في أي وقت، إذا شعرت أنّ جزءاً من القصة يحتاج إلى تغيير أو توجيه مختلف، يمكنك دائماً العودة إلى الخطوط العريضة وتعديلها حسب الحاجة.

إذا اتبعت هذه الخطوات، ستجد أنّ عملية الكتابة أقل إرهاقاً، وستُصبح أكثر استعداداً للتعامل مع أي تحديات قد تواجهك أثناء كتابة الرواية، وسيُمكنك الاستمرار في الإبداع والتطوير، والأهم من ذلك، أنك ستشعر بالثقة في أنّ ما تكتبه هو بالضبط ما كنتَ تريد أن تقوله.

والآن.. جاء دورك، حدثنا عن تجربتك في تحويل الفكرة إلى كتاب؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.