محمد البلوشي
الكتابة عملية فنية تهدف إلى نقل الأحداث وعرض الأفكار، وأداة قوية تُستخدم لاستحضار المشاعر وإشراك القارئ في تجربة النص بشكل أعمق، تتجاوز حدود الكلمات المجردة لتخلق عالماً ينبض بالحياة، يتواصل فيها القارئ مع الشخصيات والمواقف على مستوى شعوري وفكري، واحدة من أبرز الأساليب الفنية التي يستخدمها الكتّاب لتحقيق هذا التأثير هي تقنية “أظهر، لا تقل”، تُركز هذه التقنية على توصيل مشاعر الشخصيات وأفكارها عبر السرد والتفاصيل الدقيقة للوصف، ومن خلال هذه الطريقة، يصبح النص مساحة للتأمل والتجربة، يشعر القارئ بما تمُر به الشخصيات دون أن يُخبره الكاتب بذلك صراحة، ويمنحه دور فاعل في فهم القصة واستيعاب أبعادها الشعورية.
لذلك، سنتحدث هنا عن طريقة استخدام هذه التقنية مع ذكر أمثلة من أدبنا العربي، أبدع كثير من الأدباء في تجسيد مشاعر عميقة بأقل قدر من الكلمات، مع تقديم أمثلة تفاعلية توضّح طريقة الوصول إلى قلوب القراء بأسلوب إبداعي.
لماذا “أظهر، لا تقل”؟
عندما تعتمد الكتابة على سرد المشاعر بشكل مباشر، فإنها غالباً ما تجعل النص يبدو سطحياً، خالياً من الحيوية والتأثير العاطفي العميق، عندما نكتب: “كان خالد يشعر بالحزن”، فإننا نقدم للقارئ معلومة واضحة لكنها فارغة من التفاصيل التي تسمح له أن يشعر بهذا الحزن أو يتفاعل معه، بالمقابل، يمكننا رسم صورة أدبية تجعل القارئ يتعايش مع مشاعر خالد دون أن نُخبره بها صراحة، تخيل وصفاً مثل: “جلس خالد في زاوية المقهى، يُمسك بكوب الشاي المثلج بين يديه، أصابعه ترتجف قليلاً مع كل ارتطام للثلج بجدار الكوب، عيناه مُثبتتان على قاع الكوب، كأنهما تبحثان عن إجابة أو مخرج، بينما الوقت يمر وهو لا يأخذ رشفة واحدة، تنهيدة طويلة أفلتت منه، محملة بما لم يُقال”، هذا الأسلوب يجعل القارئ يشعر بالحزن المتغلغل في أعماق خالد من خلال تفاصيل مشهده وسلوكياته، بدلاً من تقديم شعور الحزن كحقيقة جامدة، وهذا هو الفرق بين سرد القصة وصنع تجربة يعيشها القارئ بنفسه.
ففي روايات نجيب محفوظ، كان يضع القارئ في حالة تفاعلية مع الصراع الداخلي للشخصيات دون أن يُخبره مباشرة، في روايته “بين القصرين”، لا يصرّح محفوظ بضعف شخصية كمال الابن الأصغر لأحمد عبدالجواد، لكنه يُظهر ذلك من خلال مواقفه وتردده، هذا الأسلوب يجعل المشاعر تمتزج بالتجربة نفسها، ليشعر القارئ بما يشعر به كمال، لا بما يقوله محفوظ.
أساليب فعالة في تجسيد المشاعر عبر الأدب العربي
1- استخدام المشاهد اليومية
الأديب العربي غسان كنفاني كان ماهراً في نقل المشاعر الإنسانية من خلال مشاهد بسيطة، في روايته “رجال في الشمس”، جعل القارئ يشعر باليأس والانكسار عبر مشاهد لشخصيات تنتظر، تتفاوض، وتعاني بصمت، لم يقل كنفاني “هؤلاء الرجال بائسون”، بل جعلنا نرى تضحياتهم وآلامهم اليومية، حتى شعر القارئ بما يمرّون به.
التفاصيل الصغيرة قد تكون نافذة إلى أعماق الشعور، ففي رواية “عائد إلى حيفا”، يُعبر كنفاني عن مشاعر فقدان الوطن من خلال وصف الحجارة والشوارع، والتي تحمل ذكريات الشخصيات، هذا الوصف يجعل القارئ يتفاعل بحواسه مع النص، فيشعر بالحنين والغربة من خلال ملمس الأشياء وروائح الأماكن.
2- التعبير من خلال التفاصيل الحسّية
التفاصيل الصغيرة قد تكون نافذة إلى أعماق الشعور، ففي رواية “عائد إلى حيفا”، يُعبر كنفاني عن مشاعر فقدان الوطن من خلال وصف الحجارة والشوارع، والتي تحمل ذكريات الشخصيات، هذا الوصف يجعل القارئ يتفاعل بحواسه مع النص، فيشعر بالحنين والغربة من خلال ملمس الأشياء وروائح الأماكن.
3- استخدام الحوار للكشف عن النفس الإنسانية
الأديب المصري يوسف إدريس كان يعتمد في الكثير من رواياته على الحوار لتجسيد مشاعر شخصياته، في قصته “النداهة”، تتحاور الشخصيات بكلمات تبدو عادية، لكن ما بين السطور يحمل صراعهم الداخلي وخوفهم من المجهول، الحوار يعطي القارئ فرصة للاستماع إلى دواخل الشخصيات دون الحاجة إلى تصريح مباشر.
4- الوصف الطبيعي وإسقاطات الطبيعة
استخدم جبران خليل جبران الطبيعة والرموز لنقل مشاعر الحب والفراق في “الأجنحة المتكسرة”، عندما يشعر القارئ بوصف القمر الذي يُنير عيني البطلة، أو صوت الرياح التي تهز الشجر في لحظات الوداع، فإنه يشعر بذلك الحب والألم الذي يتحدث عنه الكاتب، الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية، بل تتفاعل مع مشاعر الشخصيات، وتعكس حالاتهم الداخلية.
5- استخدام الرموز والتفاصيل الصامتة
الرموز يمكنها أن تحمل مشاعر معقدة دون الإكثار من الكلام، في “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، نرى الصراع الداخلي للبطل من خلال رمزية الأشياء، مثل النهر الذي يشبه حياة البطل بين الضفتين المختلفتين، التفاصيل الصامتة تصبح أدوات يعبّر من خلالها الكاتب عن أفكار وأحاسيس شديدة التعقيد.

كيف ظهر مبدأ “أظهر، لا تقل” في الأدب العربي؟
بالتأكيد، مبدأ “أظهر، لا تقل” لم يكن حكراً على الأدب الغربي فقط، بل هو جزء أصيل من تراث الأدب العربي القديم، حيث برع الشعراء والكتّاب في استخدام الرموز والإشارات للتعبير عن المشاعر والأفكار دون التصريح المباشر، ففي القصائد والنصوص العربية القديمة، كان الجمال يكمُن في تلك المساحة التي تُترك لتأويل القارئ، ليغوص في معاني النصوص ويفُك رموزها.
خذ المتنبي، الذي لم يكن يُصرّح بمعاناته أو طموحاته بشكل مباشر، بل أبدع في تصويرها من خلال التشبيهات والوصف، في أحد أبياته الشهيرة، يقول:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
لا يُخبرنا المتنبي بشكل مباشر عن شدة طموحه، بل يجعلنا نستشعر هذا الطموح الجارف من خلال صوره البلاغية، ويربط السعي وراء المجد بمحاولة لمسِ النجوم، وهي صورة تعكس خيالاً بعيداً وشاقاً، هذا الأسلوب يفتح أمام القارئ نافذة ليرى الألم والأمل والتطلّع من زاوية شخصية، ليشعر وكأنّ النص يتحدث عنه أو يتماهى مع تجربته الخاصة، وبنفس الفكرة، نجد في الأدب الحديث، الكتّاب العرب ينقلون مشاعرهم ومشاعر شخصياتهم عبر مشاهد ودلالات تسمح للقارئ استكشاف عمق النص.
كيف تطبّق “أظهر، لا تقل” في كتابتك؟
1- ابدأ بمشاهد بصرية تعكس الحالة النفسية
استخدم التفاصيل الحسّية والوصف البيئي لتصوير المشاعر الداخلية للشخصية بشكلٍ غير مباشر، فبدلاً من أن تقول إنّ الشخصية “تشعر بالضيق”، اجعل القارئ يستنتج ذلك من خلال المشهد المحيط به، تخيل شخصية تجلس وحيدة على شرفة صغيرة، تُحدق في السماء الغائمة وتلوح غيوم رمادية ثقيلة وكأنها تضغط على الأفق، على الطاولة أمامها، كوب قهوة نصف ممتلئ أصبح بارداً، وساقية الزهور بجانبها تمتلئ بأوراق ذابلة، الحائط المواجه لها متصدع، مع ظل باهت لمجموعة صور قديمة أُزيلت منذ زمن.
دون تصريح مباشر، تعكس هذه التفاصيل حالة الحزن أو الكآبة التي تعيشها الشخصية، وتخلق تواصلاً عاطفياً أعمق مع القارئ الذي يشعر بالمشهد ويتفاعل معه.
اجعل القارئ يعيش التجربة من خلال وصف الحواس التي تُثير المشاعر بدلاً من الاكتفاء بإخبارها، إذا كانت الشخصية تشعر بالحنين، فإنّ تقديم تفاصيل حسّية يُضفي على النص حياة ويقرّب القارئ من الحالة
2- اعتمد على الحواس الخمس لتجسيد المشاعر
اجعل القارئ يعيش التجربة من خلال وصف الحواس التي تُثير المشاعر بدلاً من الاكتفاء بإخبارها، إذا كانت الشخصية تشعر بالحنين، فإنّ تقديم تفاصيل حسّية يُضفي على النص حياة ويقرّب القارئ من الحالة، “بينما جلست على الأريكة القديمة، التقط أذناها نغمة مألوفة تتسلل من المذياع، أغنية قديمة تحمل ذكريات بعيدة، شعرت بحرارة خفيفة تملأ قلبها مع كل نغمة، وكأنّ اللحظة تسافر بها إلى مطبخ جدتها، حيث كانت روائح البهارات والطعام المنزلي تلف المكان، في تلك اللحظة، عادت إليها صُور الأيادي الماهرة التي كانت تلتفُ حول عجين الخبز، وصوتُ الضحكاتِ المختلطة بصوتِ المقلاة، كانت رائحة الطعام العالقة في ذاكرتها كأنها جسر يربطها بطفولتها”.
بهذا الأسلوب، لا يحتاج النص إلى التصريح بأنّ الشخصية تشعر بالحنين؛ الحواس تنقل الإحساس بواقعية وعمق، وتجعل القارئ يعيش التجربة معها.
3- استخدم الدقة في الوصف لتجسيد المشاعر
عندما تُعبر عن غضب الشخصية، تجنب التصريح المباشر وركّز على التفاصيل الصغيرة التي تكشف حالتها، اجعل كل حركة أو تعبير يعكس التوتر الداخلي الذي تعيشه، فبدلاً من القول ببساطة “كان غاضباً”، يمكنك أن تصف المشهد كالتالي، “كانت أصابعها تنغرس في كفّها حتى تحوّل لونها إلى أبيض شاحب، وكأنها تحاول الإمساك بغضبها قبل أن ينفلت، حاجباها تقوّسا في انحناءة حادة، وعيناها تلمعان ببريق حاد أقرب إلى النار، صوتُ أنفاسها كان متسارعاً، يخرج من صدرها وكأنه يعكس رغبة مكبوتة في الانفجار، أما صوتها، فقد ارتفع بنبرة متقطعة، وكأنّ الكلمات تنحِت طريقها عبر حنجرتها المحبوسة”.
يشعر القارئ بغضب الشخصية دون أن يحتاج إلى تفسير أو تصريح مباشر، التوتر ينتقل عبر المشهد، ويجعل المشاعر ملموسة وأكثر قوة.
4- امنح القارئ فرصة لاستنتاج المشاعر بنفسه
الكتابة التي تدع مجالاً للقارئ للتفكير والتأمل تخلق تجربة قراءة أكثر عمقاً وإثارة، بدل تقديم تفسير مباشر لمشاعر الشخصيات، اجعل الأحداث والتفاصيل هي التي تحمل الرسالة وتفتح الباب أمام القارئ ليستنتج بنفسه، إذا كانت الشخصية تشعر بالوحدة، فلا تُخبر القارئ بذلك صراحة، صِف كيف يسير في شوارع المدينة المزدحمة، ينظر إلى الأزواج الذين يضحكون على المقاهي، ويجلس وحده على مقعد في الحديقة، يراقب الطيور وهي تتجمع حول فُتات الخبز الذي نثره على العشب، دع القارئ يلاحظ هذه التفاصيل ويستنتج الشعور بالوحدة من خلال الصور التي تنقلها له.
عندما تترك المجال للقارئ لاستنتاج المشاعر، فإنك تجعله شريكاً في القصة، يعيش مع الشخصيات ويشعر بما يشعرون به، وهذا الترابط العاطفي بينه وبين النص هو أداة قوية تجعل القصة أكثر تأثيراً وواقعية.
إظهار المشاعر في الكتابة يتطلّب المهارة والإبداع، وهو فن تُجيده الكثير من الروايات العربية التي تحمل مشاعر قوية دون تصريح مباشر، الأدب العربي حافلٌ بكتّاب عبّروا عن أعماق النفس الإنسانية دون أن يلجؤوا إلى الكلمات الواضحة، وسمحوا للقارئ بأن يسير معهم في رحلتهم وأن يعيش معاناتهم ونجاحاتهم بأسلوب خيالي وواقعي في نفس الوقت.
والآن.. حاون دورك، قدم مشهداً للحزن، الحنين، أو الغضب، واكتبه في التعليقات؟


أضف تعليق