يوسف الخطيب
في عالمنا الحديث، أصبحت العناوين الصارخة ومقاطع الفيديو القصيرة ذات التأثير الفوري وسيلة أساسية للتحكم في طرق التفكير، هذه الوسائل، بتسارعها السطحي، تغذي ثقافة الحكم السريع دون تدبر، بحيث يتحوّل التركيز إلى اللحظة الآنية بدلاً من استيعاب السياقات الأعمق التي تشكّل الأفعال، ولهذا، باتت حياتنا تركز على الانطباعات العابرة، محصورة في إطار الأخبار المقتضبة أو الصور المثيرة، متجاهلة مسارات الحكايات الممتدة خلف القرارات أو التصرفات، في هذا المناخ المشحون بالسرعة والاختزال، نفقد غالباً فرصة فهم الدوافع والحقائق الكامنة وراء الأحداث، مما يجعلنا سجناء لوجهات نظر سطحية وغير مكتملة.
على النقيض من ذلك، يأتي الخيال الأدبي ليمنحنا بُعداً مختلفاً تماماً عن العالم، الرواية، بتأنيها وسردها المتشابك، تأخذنا في رحلة إلى دواخل الشخصيات، نستطيع من خلالها استكشاف أفكارهم وأحلامهم وهواجسهم وحتى أخطائهم، وتقدم لنا نافذة نادرة لفهم دوافع الشخصيات، تجعلنا نرى العالم من زوايا مختلفة، القراءة تمرين عقلي وعاطفي يعمّق إدراكنا ويُثري تعاطفنا، عندما ننخرط في عالم خيالي، نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونتحوّل إلى مستمعين ومتأملين، نعيش الحكاية من منظور أبطالها، ونتعلّم كيف يمكن للأحلام، الخيبات، والظروف أن تشكّل أفعالهم، وتجعلنا أكثر تفهماً وإنسانية.
قراءة الأدب هي تمرين شامل للعقل، تُفعّل العمليات الحركية، الإدراكية، والعاطفية، وتمنحنا قدرة أعمق على التعاطف وفهم الآخرين، وتجعل من الكلمات وسيلة لتحفيز الدماغ ليعيش عالماً موازياً، غنياً بالتفاصيل، ومفعماً بالحياة.
الروايات وأضواء الدماغ: كيف تتحوّل الحروف إلى تجربة حية
هل تساءلت يوماً عن التأثير العميق الذي تتركه القراءة على دماغك، خاصة عند الانغماس في مشهد درامي مليء بالحركة والمشاعر؟ دراسة علمية أجراها مجموعة من الباحثين سلّطت الضوء على هذا السؤال، حيث وضعوا تسعة أشخاص داخل أجهزة تصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) أثناء قراءتهم لمشهد محدد من رواية هاري بوتر وحجر الفيلسوف، وهو المشهد الذي يتعلم فيه هاري الطيران لأول مرة، النتائج كانت مدهشة ومثيرة للتأمل؛ لاحظ العلماء أنّ المناطق الدماغية المرتبطة بالحركة، تلك التي تنشط عندما نمارس فعلاً كالجري أو الطيران، كانت تُضيء كما لو أنّ القارئ نفسه يخوض التجربة، بمعنى آخر، القراءة جعلت الدماغ يُحاكي الطيران فعلياً، وكأنّ الحروف تتحوّل إلى تجربة حسّية يعيشها القارئ بكل تفاصيلها.
الأمر لم يقتصر على ذلك؛ فالمشاهد الحوارية التي تتضمن تفاعل الشخصيات وأفكارها حفّزت أجزاء أخرى في الدماغ، وتحديداً المناطق المسؤولة عن تحليل نوايا الآخرين وفهم دوافعهم، هذا التفاعل الدماغي يوضح أنّ قراءة الرواية هي نشاط ذهني، وعملية تُشغّل العقل بنفس الطريقة التي يفعلها عند مواجهة مواقف حقيقية، بعبارة أخرى، قراءة الأدب هي تمرين شامل للعقل، تُفعّل العمليات الحركية، الإدراكية، والعاطفية، وتمنحنا قدرة أعمق على التعاطف وفهم الآخرين، وتجعل من الكلمات وسيلة لتحفيز الدماغ ليعيش عالماً موازياً، غنياً بالتفاصيل، ومفعماً بالحياة.
الخيال كجسر إلى التعاطف
لماذا يُعد تأثير الروايات على أدمغتنا أمراً يستحق الاهتمام؟ الإجابة تكمن في قدرتها الفريدة على تنمية مهارة التعاطف لدينا، علماء النفس يطلقون على هذه القدرة اسم “نظرية العقل”، وهي المهارة التي تتيح لنا فهم أفكار ومشاعر ودوافع الآخرين، الروايات تعمل كأداة تدريب استثنائية لهذه القدرة، تدعونا للغوص في عقول شخصياتها، لفهم كيف يفكرون ولماذا يتصرفون بطرق معينة، من خلال هذا التمرين العقلي، نصبح أكثر استعداداً لفهم الآخرين في العالم الحقيقي، وتكون جسراً إلى فهم أعمق للنفس البشرية.
دراسة أجراها عالم نفس من جامعة يورك أكدت هذه الفكرة، وأظهرت أنّ قراءة الروايات تساهم بشكلٍ كبير في تعزيز قدرتنا على قراءة نوايا الآخرين وفهم مشاعرهم، وأبرزت الدراسة أنّ الأطفال الذين تعرضوا لعدد أكبر من القصص المكتوبة والمرئية كانوا أكثر قدرة على تحليل الحالات العقلية والعاطفية لمن حولهم، هذه النتائج تعكس قوة السرد في تشكيل قدرتنا على التواصل الإنساني، وتمتد لتشمل تحسين تفاعلنا مع الناس في حياتنا اليومية، الروايات، إذن، ليست مجرد كلمات مكتوبة على الصفحات؛ إنها تدريب مستمر للوعي والتعاطف، وتجربة تعليمية تخترق أعماق النفس لتُعيد تشكيل فهمنا للعالم من حولنا.
لماذا القراءة تجربة خاصة؟
قد يتساءل البعض: هل يمكن للمسلسلات والأفلام أن تقدم لنا نفس الفوائد التي تمنحنا إياها الروايات؟ الإجابة بنعم، لكن مع فارق جوهري لا يمكن تجاهله، الروايات تمنح القارئ مساحة مفتوحة للخيال الشخصي، فهي بوابات لعوالم متخيلة يُعيد تشكيلها كل قارئ بطريقته الخاصة، وتُشجعنا على استثمار مخيلتنا في ملء الفراغات بين الكلمات، لتُصبح التجربة فريدة تماماً لكل شخص، بينما في المسلسلات والأفلام، يتم تقديم الصور والشخصيات بشكل جاهز، مما يحد من دور خيال المشاهد، على سبيل المثال، عند قراءة رواية مثل “صورة دوريان غراي” لأوسكار وايلد، فإنّ ملامح دوريان، خلفيته، وتفاصيله يتم تخيّلها بحُرية من قِبل القارئ، أما عند مشاهدة الفيلم، فإنّ المخرج يفرض تصوراً معيناً للشخصية، مما يقلل من تجربة القارئ الإبداعية.
يمكن أن نلمس هذا الفرق عندما نقرأ روايات نجيب محفوظ مثل “الثلاثية”، تُبنى أزقة القاهرة القديمة وحياة شخصياتها في أذهاننا بناءً على تخيلاتنا وخبراتنا الشخصية، فنشعر وكأننا نعيش بين تلك الشخصيات في حي الحسين أو خان الخليلي، على النقيض، عند مشاهدة فيلم مقتبس من أعمال محفوظ، مثل “بين القصرين”، فإنّ المشاهد يأخذ صورة ثابتة وجاهزة عن البيئة والشخصيات، مما يُضيّق الفرصة للتفسير الشخصي، ولهذا لا تتوقف الرواية عند نقل القصة، وإنما تدعو القارئ ليكون جزءاً من عملية الإبداع، ويُعاد تشكيل العالم الأدبي في عقله بطرق فريدة ومبتكرة.
الروايات: استعادة التوازن المفقود
في عصر يهيمن فيه العلم والمنطق على معظم جوانب حياتنا، يبدو أننا أصبحنا نتجاهل بشكلٍ متزايد أهمية الحدس والخيال كجزء أساسي من التجربة الإنسانية، يرى الطبيب النفسي إيان ماكغيلكريست أنّ ميزان المعرفة البشرية قد اختل لصالح العقلانية البحتة، مما أدى إلى تراجع ارتباطنا بالجوانب الإبداعية والخيالية التي تمنح حياتنا العمق والمعنى، في هذا السياق، تأتي الروايات كوسيلة فعّالة لاستعادة هذا التوازن، فهي قصص تُروى، وعوالم تفرض على القارئ أن يكون شريكاً في خلقها، وتحفّز الخيال الشخصي، فتدعو العقل لاستكشاف تفاصيل الشخصيات والأماكن بطرق لا يمكن للتكنولوجيا الرتيبة أن تقدمها، عندما نقرأ الرواية، فإننا نُعيد اكتشاف الإبداع الكامن في أذهاننا، متحررين من هيمنة الصور الجاهزة والإجابات المحددة التي تفرضها التكنولوجيا، لنعيش تجربة فريدة تُعيد إلينا جزءاً من توازننا النفسي والمعرفي.
فالروايات، على وجه الخصوص، تعلّمنا قيمة التروي والتأني قبل إصدار الأحكام، فتدعونا إلى التعمّق في خلفيات الشخصيات وسياقاتها لفهم دوافعها بدلاً من الاكتفاء بالمظاهر، وتأخذنا في رحلة إلى ما وراء السطح، لتكشف عن التعقيدات الإنسانية التي تُشكّل كل فعل وكل قرار، وتُذكّرنا بأنّ وراء كل حركة قصة، ووراء كل وجه إنسان يحمل تجارب وآمال وخيبات قد لا تكون واضحة من النظرة الأولى
الروايات: كأداة لمواجهة الاستقطاب
في عصر تُهيمن عليه الآراء والنقاشات السطحية، تبرُز القراءة كفعل مقاومة هادئ ولكنه عميق ضد هذا التيار المتسارع نحو التبسيط المُخل، فالروايات، على وجه الخصوص، تعلّمنا قيمة التروي والتأني قبل إصدار الأحكام، فتدعونا إلى التعمّق في خلفيات الشخصيات وسياقاتها لفهم دوافعها بدلاً من الاكتفاء بالمظاهر، وتأخذنا في رحلة إلى ما وراء السطح، لتكشف عن التعقيدات الإنسانية التي تُشكّل كل فعل وكل قرار، وتُذكّرنا بأنّ وراء كل حركة قصة، ووراء كل وجه إنسان يحمل تجارب وآمال وخيبات قد لا تكون واضحة من النظرة الأولى، القراءة هنا تمرين يومي على التعاطف وفهم الآخر، وعلى إعادة النظر في الأحكام السريعة التي أصبحت شائعة في زمن العناوين المختصرة والمواقف المتسرعة، وهي دعوة للتوقف والتفكّر، لاستعادة إنسانيتنا في عالم يبدو أنه نسيها.
اقرأ لتصبح أكثر إنسانية
في جوهرها، الروايات لا تتوقف عند سرد الحكايات أو المغامرات الخيالية، بل هي تمارين ذهنية وعاطفية تأخذنا في رحلات إلى عوالم لا نعرفها، وتفتح أعيننا على زوايا لم نكن ندرك وجودها، ووسيلة لنقلنا خارج حدودنا الشخصية إلى حياة أخرى، فنعيش تجارب لم نختبرها، ونشعر بمشاعر لم نكن نعرفها، ونتعلّم كيف نفهم الآخرين بعيداً عن الأحكام المسبقة، قراءة الروايات تمنحنا القدرة على رؤية العالم بعيون جديدة، بحيث نصبح أكثر حساسية تجاه تعقيدات البشر ودوافعهم، فإذا كنتَ تبحث عن خطوة أولى لتطوير تعاطفك مع الآخرين وفهمك لنفسك، فالروايات هي البوابة المثالية التي تجمع بين متعة الاكتشاف والبحث عن المعنى، اختر رواية، وابدأ بقرائتها، اسمح لخيالك أن ينسج عوالمها، واكتشف كيف يمكن لهذه التجربة أن تفتح آفاقاً جديدة لعقلك وقلبك، لتُعيد تشكيل رؤيتك للعالم من حولك.
والآن، ما هي تجربتك المثيرة في عالم قراءة الرواية، شاركنا أفكارك في التعليقات؟



أضف تعليق