محمد البلوشي
كل كاتب تقريباً مرّ بتلك اللحظة السحرية التي تشتعل فيها فكرة جديدة في ذهنه، تبدو وكأنها بداية لعمل أدبي عظيم، تبدأ الكتابة بحماس غامر، وتتدفق الكلمات على الصفحات مثل جدول رقراق، ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الحماس إلى جهد مضنٍ، تتباطأ الكلمات، تظهر شكوك خفية، ويتسلل الإحباط شيئاً فشيئاً، تجد المشروع الذي كان يوماً من أولوياتك قد تحوّل إلى عبء ثقيل، مدفون بين الملفات المنسية في ركن هادئ من حاسوبك، وكأنه يُذكّرك التردد الذي عشته في السابق، هذه اللحظة يكاد لا يسلم منها أي مبدع في رحلته.
لكن التوقف عند منتصف الطريق لا يتعلق فقط بفقدان الحماس؛ وإنما يحمل أضراراً أكبر مما يبدو عليه، من الناحية النفسية، يخلق ترك المشروع شعوراً دائماً بالفشل، مما يقوّض ثقتك بنفسك وبقدرتك على الإنجاز، أما من الناحية المهنية، فإنّ المشاريع غير المكتملة تُصبح أشبه بالحواجز التي تمنع تطوّرك ككاتب وتحُول دون استكشافك لإمكاناتك الحقيقية، الكتابة هي التزام ورحلة مستمرة، وكل توقف في منتصف الطريق يُعمّق الهوة بينك وبين أهدافك الإبداعية.
في هذا المقال، سنغوص في عمق هذه الظاهرة، لنناقش تأثيراتها السلبية، ونبحث عن حلول عملية تُمكّنك من استعادة السيطرة على مسارك الإبداعي، انطلاقاً من تجربتي ككاتب وروائي واجه نفس التحديات ونجح في تجاوزها.
مشروع الكتابة: البداية المُلهمة والمأزق الصامت
كل مشروع كتابي يبدأ بفكرة، تبدو في البداية وكأنها شرارة الإبداع التي ستنير طريقك نحو عمل أدبي مميز، تشعر في تلك اللحظات الأولى بتحفيز عارم وطاقة لا حدود لها، تتخيل نفسك وقد أكملت مشروعك، ترى أنه يُغير حياتك وربما يترك بصمة في حياة الآخرين، لكن مع أولى الخطوات في الكتابة، تصطدم بحقيقة أنّ الفكرة وحدها ليست كافية، وأنّ الكتابة ليست لحظة إلهام عابرة، بل هي رحلة طويلة تتطلّب جهداً متواصلاً، التزاماً حقيقياً، واستمرارية رغم الصعوبات، ومع كل يوم يمر دون تقدم ملموس، يبدأ الحماس في التراجع تدريجياً، ليحُل محله شعور بالندم والتشتت، تلك الفكرة التي كانت يوماً ملهمة تتحوّل إلى عبء نفسي يُثقل كاهلك، وفي محاولة للهرب من هذا الشعور، تجد نفسك تبحث عن فكرة جديدة، أكثر إشراقاً وإثارة، لكن هذا النمط غالباً ما يؤدي إلى تراكم سلسلة من المشاريع غير المكتملة التي تبقى طي النسيان، وتجعلك عالقاً في دائرة مغلقة من البدايات المليئة بالحماس والنهايات التي لم تُكتب أبداً.
تبدأ تلك الأسئلة المؤرقة بالتسلل إلى ذهنك: “لماذا لا أستطيع إنهاء أي شيء؟”، “هل أنا كاتب حقيقي؟” هذه الأسئلة تُضعف ثقتك بنفسك، وتُؤثر على شغفك وحماسك عند مواجهة أي فكرة جديدة
لماذا يعد عدم إكمال مشروعك ضاراً؟
المشاريع غير المكتملة تترك أثراً سلبيًا في نفسك، يتجاوز مجرد الإحباط اللحظي ليغوص في صميم هويتك ككاتب، مع كل مرة تتوقف فيها عن إكمال مشروع، تبدأ تلك الأسئلة المؤرقة بالتسلل إلى ذهنك: “لماذا لا أستطيع إنهاء أي شيء؟”، “هل أنا كاتب حقيقي؟” هذه الأسئلة تُضعف ثقتك بنفسك، وتُؤثر على شغفك وحماسك عند مواجهة أي فكرة جديدة، يُصبح الحماس الذي كنتَ تشعر به في البداية هشاً وسريع التلاشي، والأسوأ من ذلك، عندما تبدأ مشروعاً جديداً دون إنهاء ما قبله، فإنك تدخل في دائرة من الاستنزاف الذهني، تتبدد طاقتك على مجموعة من الأفكار دون أي نتائج ملموسة، فتتحوّل هذه المشاريع إلى رموز للأحلام الضائعة والفرص المهملة، في المقابل، إكمال مشروع واحد – سواء كان قصة قصيرة، مقالاً، أو حتى رواية – ليس مجرد إنجاز بحد ذاته، بل هو تجربة متكاملة تُصقل من خلالها مهاراتك الكتابية وتكتشف الكثير عن نفسك وعن أسلوبك، هذا الإكمال هو القفزة التي ترفع مستواك ككاتب، بينما ترك المشروع في منتصفه يحرمك من هذا التطوّر الإبداعي ويجعلك في حالة من الركود والشك.
الاستمرارية: السر الذي لا يُخبرك به أحد
الكتابة لا تتجلى بومضة في لحظة إلهام، وإنما هي عادة تُمارسها بشكل يومي واستمرارية، كأي عادة أخرى، تحتاج الكتابة إلى التكرار المستمر والالتزام لتتحوّل من مجرد نشاط عابر إلى أسلوب حياة، الإبداع في جوهره ليس عملية عشوائية تحدث دفعة واحدة، هو بناء دقيق يُشيّد خطوة بخطوة، يوماً بعد يوم، المشاريع المكتملة هي ثمار جهد مستمر، حتى عندما تشعر أنّ الفكرة التي تعمل عليها ليست مثالية، الالتزام بالكتابة، رغم التحديات والشكوك، هو ما يميز الكاتب الحقيقي عن الهواة، فالأفكار تتطوّر وتتحسّن مع الوقت والعمل، ولا يُمكن أن ترى إمكاناتها الحقيقية إلا عندما تُترجم إلى مشاريع مكتملة، الكتابة عادة تحتاج إلى الصبر والإصرار، يكمُن الجمال في التفاصيل الصغيرة التي تبني العمل الكبير، وتُظهر الإبداع في أفضل صوره.
العوائق التي تمنعك من الإكمال (وكيف تتغلّب عليها)
المثالية هي أحد ألد أعداء الكاتب، وغالباً ما تكون العائق الأكبر أمام إكمال المشاريع الكتابية، ككتّاب، نحلم بأن يكون العمل مثالياً منذ السطر الأول، وكأنّ الكلمات الأولى يجب أن تخرج مكتملة ومبهرة، لكنها فكرة بعيدة كل البعد عن الواقع، الحقيقة هي أنّ الكتابة عملية تحتاج إلى الصقل والتكرار، وأنّ الجودة لا تأتي إلا بعد المرور بعدة مسودات، يتسلل شعور بالملل أو الإرهاق، خاصة عندما تبدو الفكرة الجديدة التي تطرأ عليك أكثر إغراءً من المشروع الحالي، يتحوّل المشروع القديم إلى عبء نفسي، فيما يظل المشروع الجديد كحُلم مُشرق يدفعك لترك ما بين يديك، أضف إلى ذلك الخوف الدائم من أن يكون العمل النهائي أقل من التوقعات، وهو شعور يمكن أن يشُل حركتك بالكامل، هذا الخوف يُغذي التردد ويمنعك من التقدم، في حين أنّ الحقيقة البسيطة هي أنّ الكمال ليس الهدف، بل التقدم التدريجي والتعلّم من كل خطوة في الرحلة، الكتابة المثالية لا تأتي إلا من خلال العمل المستمر، والتغلّب على الرغبة في التخلي عن المشروع من أجل وهم فكرة “الأفضل”.
فالتوقف عن الكتابة هو جزء طبيعي من رحلة كل كاتب، وقد تكون تلك المشاريع التي تركتها يوماً هي بذور لفرص جديدة، المهم هو أن تدرك أنّ العودة إليها ليست مستحيلة، بل ممكنة إذا تعاملت مع الأمر بخطة واضحة ومنهجية، البداية تكون بتقييم تلك المشاريع بصدق: “ما الذي جذبك إليها في البداية؟” “وما الذي دفعك للتوقف؟”
كيف تعود إلى المشاريع المتوقفة؟
إذا كنتَ قد تركت مشاريع كتابية غير مكتملة في الماضي، فلا داعي للقلق أو الشعور بالذنب؛ فالتوقف عن الكتابة هو جزء طبيعي من رحلة كل كاتب، وقد تكون تلك المشاريع التي تركتها يوماً هي بذور لفرص جديدة، المهم هو أن تدرك أنّ العودة إليها ليست مستحيلة، بل ممكنة إذا تعاملت مع الأمر بخطة واضحة ومنهجية، البداية تكون بتقييم تلك المشاريع بصدق: “ما الذي جذبك إليها في البداية؟” “وما الذي دفعك للتوقف؟” الإجابة عن هذه الأسئلة ستساعدك على تحديد النقاط القوية التي يمكن البناء عليها، والضعف الذي يمكن تجاوزه، بعد ذلك، قم بوضع خطة واقعية، تبدأ بتحديد أهداف صغيرة وقابلة للتنفيذ، مثل إعادة قراءة المشروع بالكامل، كتابة ملخص للفكرة الأساسية، ثم تقسيمه إلى مراحل محددة بجدول زمني، خصص وقتاً يومياً أو أسبوعياً للعمل عليه، ولو كان وقتاً قصيراً، لتُعيد بناء العلاقة بينك وبين النص تدريجياً، ولا تنسَ أن تمنح نفسك المرونة؛ فأحياناً قد تحتاج الفكرة إلى إعادة صياغة أو حتى تغيير كامل لتتماشى مع تطوّرك ككاتب، الأهم من ذلك هو أن تتعامل مع العودة لهذه المشاريع كفرصة لإظهار قدرتك على الالتزام والنمو، وليس كعبء من الماضي، ومع مرور الوقت، ستجد أنّ المشاريع المهجورة تتحوّل إلى أعمال تحمل بصمتك وتُثبت أنك قادر على تحويل التوقف المؤقت إلى دفعة جديدة للإبداع.
نصائح للحفاظ على الاستمرارية وإنهاء مشاريعك
عندما تبدأ رحلتك في الكتابة، لا تُحمّل نفسك عبء المشاريع الضخمة والطموحة التي قد تبدو مغرية لكنها غالباً ما تتحوّل إلى تحدٍ مرهق يصعب إكماله، ابدأ بخطوات صغيرة ومدروسة، مثل كتابة قصة قصيرة أو مقال بسيط، هذه المشاريع الصغيرة تمنحك فرصة لتطوير مهاراتك الكتابية دون ضغط كبير، كما تساعدك على فهم عملية الكتابة بشكلٍ أفضل وتجربة أسلوبك في مساحة آمنة، كتابة قصة قصيرة، تُعلّمك كيفية بناء حبكة مركّزة، تطوير الشخصيات بسرعة، والالتزام بإيقاع سردي متوازن، بينما كتابة مقال تساعدك على التعبير عن أفكارك بوضوح وتنظيم منطقي، هذه التجارب الصغيرة هي خطوات حقيقية نحو بناء الثقة بنفسك ككاتب، لأنها تمنحك شعور الإنجاز عند إتمامها، وعندما تتقن التعامل مع هذه الأعمال الصغيرة، ستشعر بالجاهزية الطبيعية للانتقال إلى مشاريع أكبر مثل رواية طويلة أو سلسلة من المقالات المعقدة، هذه الطريقة التدريجية تمنحك الأساس المتين اللازم لتحمّل المسؤولية الإبداعية للأعمال الكبيرة دون الشعور بالإرهاق أو التردد، وتُذكّرك دائماً أنّ الكتابة ليست سباقاً، بل رحلة تحتاج إلى صبر وبناء مستمر.
لماذا يجب أن تنهي ما بدأت؟
إكمال مشروع كتابي تدريب على الالتزام والصبر، الكتابة رحلة تحتاج إلى مثابرة، وعندما تُنهي ما بدأت، فإنك تمنح نفسك فرصة للنمو، وتمنح العالم شيئاً ذا قيمة.
تذكّر دائماً أنّ كل كاتب يواجه التحديات، لكن العظماء هم من يجدون القوة للاستمرار، لا تسمح للمشاريع غير المكتملة بأن تكون علامة على التوقف، اجعلها نقطة انطلاق نحو الإبداع والإنجاز.
والآن.. لديك تجربتك في المشاريع الكتابية غير المكتملة، حدثنا عنها؟



أضف تعليق