محمد البلوشي
في عالمٍ يُدار بالسرعة والإنجازات الفورية، يُعتبر التأخر أو التباطؤ ضرباً من ضياع الفرص، جورج ليونارد صوتٍ مُغاير، أشبه بنغمة موسيقية هادئة وسط ضجيج صاخب، كان ليونارد أشبه بحكيم يُوجهني إلى قيمة الرحلة نفسها، لا الوجهة النهائية، لا يطلب منك أن تُسابق الزمن أو أن تُثقل نفسك بالنتائج، بل أن تتوقف، أن تتنفس، أن تكون حاضراً في اللحظة، ككاتب وروائي، مثّلت فلسفته منعطفاً جوهرياً غيّر فهمي ليس فقط للكتابة كفن، ولكن أيضاً للحياة كرحلة، ففي كل كلمة من كتابه الشهير “الإتقان“(Mastery)، وجدتُ دعوة صادقة للتأمل، للصبر، ولإعادة تشكيل علاقتي مع الإبداع والحياة، الكتاب لم يكن مجرد دليل تقني لتطوير المهارات، بل كان دعوة للتواصل مع أعماق النفس، لفهم أنّ القيمة الحقيقية لا تكمن في النتيجة، بل في الحب الذي تسكبه في العمل نفسه، في الالتزام المستمر بالسير في الطريق حتى عندما لا تبدو نهاية الرحلة واضحة.
عندما أتأمل أفكار ليونارد، أراه يُعلّمنا فلسفة الحياة من منظور أبعد من الإنجاز، منظور يُقدّر التكرار، ويحتفي بالجهد اليومي العادي الذي يبدو بلا ضجيج، ككاتب، كنتُ أُثقل نفسي بأعباء التوقعات، أنتهي من فصل وأتساءل على الفور: ماذا بعد؟ لكن عندما قرأتُ كتاب “الإتقان”، تعلّمت أنّ الكتابة ليست معركة ضد الزمن، بل شراكة أبدية معه، كل جملة تُكتب بشغف وكل فكرة تُصقل بصبر تُصبح دليلاً على العيش بوعي، جورج ليونارد يُعلّمك أن تتعلّم حب اللحظات الصغيرة في مسارك نحو الإبداع، فلسفته كانت تذكرة بأنّ الكتابة، مثل الحياة، ليست سباقاً للوصول إلى خط النهاية، بل هي فن العيش وسَط كل صعود وهبوط، بكل إخلاص لما تحمله الرحلة من تحديات وكنوز.
ما تعلّمته عن الكتابة
الكتابة، فعل يومي أشبه برياضة روحية تحتاج إلى التدريب المستمر، تماماً كما كان ليونارد يتحدث عن الأيكيدو، عندما قرأت كتابه “الإتقان“، شعرتُ وكأنني أكتشف جانباً جديداً من علاقتي مع الكتابة، فكل كلمة فيه كانت دعوة لأن أنظر إلى مسيرتي ككاتب كأنها رحلة.
في إحدى أقوى مقاطع الكتاب، يذكر ليونارد: “الإتقان هو حبّك للطريق، وصولك إلى القمة ليس نهاية المطاف، بل خطوة أخرى في مسار لا ينتهي”، هذه الكلمات ضربت وتراً عميقاً بداخلي ككاتب، أدركتُ أنّ كل فصل أكتبه، وكل فكرة أتعثّر بها، هي جزء من هذا الطريق الطويل الذي يُبنى شيئاً فشيئاً، الانخراط في كل كلمة، وقبول الفترات التي يبدو فيها القلم خامداً، وكما هو الحال في الأيكيدو، يتعلق الأمر بالالتزام المستمر بمواجهة التحديات بشجاعة والاستمتاع بالرحلة مهما بدت شاقة.
أدركتُ أنّ الركود الظاهري ليس سوى انعكاس لحالة استيعاب داخلي، وأنّ الهدوء الذي يُخيّم على عملي هو الهدوء الذي يسبق ولادة شيء عظيم، في تلك اللحظات، أدركتُ أنّ النمو الحقيقي لا يحدث على السطح، بل في الجذور التي لا نراها مباشرة.
1- الهضبة: نعمة خفية في مسار الإتقان
يتحدث جورج ليونارد عن مفهوم “الهضبة” كجزء لا يتجزأ من رحلة الإتقان، ويُعيد صياغة فهمنا لهذه الفترات التي تبدو خالية من أي تقدم ملموس، ككاتب، لطالما شعرتُ بالإحباط في تلك اللحظات التي تتوقف فيها الكلمات عن التدفق، وتبدو الأفكار كما لو أنها تجمّدت في مكانها، لكن ليونارد يضيء هذا الجانب المظلم برؤية مختلفة: الهضبة ليست فشلاً، بل هي مرحلة نمو خفي.
هذه الفترات، التي تبدو بلا نتائج، هي في الواقع اللحظات التي تُبنى فيها أساسات التطوّر على مستوى أعمق، يُختبر العقل الباطن ويُعيد تنظيم المهارات والمعرفة لتصبح جزءاً من ذواتنا، هذا الفهم غيّر نظرتي تماماً للكتابة، أدركتُ أنّ الركود الظاهري ليس سوى انعكاس لحالة استيعاب داخلي، وأنّ الهدوء الذي يُخيّم على عملي هو الهدوء الذي يسبق ولادة شيء عظيم، في تلك اللحظات، أدركتُ أنّ النمو الحقيقي لا يحدث على السطح، بل في الجذور التي لا نراها مباشرة.
2- الإخلاص للرحلة، لا للنتيجة
في عصرٍ تسود فيه المقاييس الرقمية، مثل احصائيات عدد القرّاء، الإعجابات، والجوائز، قد يُخيل لنا أنّ الإتقان لا يتحقق إلا عندما تصل إلى النتيجة المثالية، إلا أنّ جورج ليونارد يذكّرنا بأنّ الإتقان الحقيقي ليس مرتبطاً بالنتائج النهائية فحسب، بل هو ارتباط وثيق بحب العملية نفسها، ورؤية الجمال في كل خطوة صغيرة نخطوها، كروائي، كانت هذه الفكرة بمثابة اكتشاف جديد، قد أكتبُ صفحاتٍ لا تصل إلى أي قارئ، وأحذف فصولاً كاملة كانت يوماً جزءاً من رؤيتي للقصّة، وأعيش كل كلمة أكتبها كأنها تجربة فريدة في ذاتها، بغض النظر عن ما إذا كانت ستصل إلى القارئ أم لا.
هنا يكمن جوهر الإخلاص الحقيقي في الكتابة: أن تكتب لأنك تحب الكتابة نفسها، وليس فقط لأنك تطارد التصفيق أو النجاح التجاري، هذا الإيمان العميق بالعملية الإبداعية يُحررني من أي رهبة متعلقة بالنتائج، ولهذا لم تكن الكتابة وسيلة للحصول على الجوائز أو الاطراء من الآخرين، بل هي رحلة أعيشها مع كل كلمة، وكل جُملة، وكل فكرة، من خلال هذه الفلسفة، أصبحت الكتابة جزءاً من حياتي اليومية، وهذا ما يجعل عملية الإتقان ممتعة بحق.
3- الروتين هو الحليف الخفي للإبداع
كان ليونارد يرى في الانضباط حجر الزاوية لعملية الإتقان، الانضباط هو المفتاح الذي يفتح الأبواب أمام الإبداع الحقيقي، تعلّمتُ أنّ الجلوس يومياً أمام الورقة البيضاء هو الذي يحفّز الإبداع، وليس انتظار اللحظات السحرية من الإلهام، في السابق، كنتُ أنتظر تلك اللحظات النادرة التي تأتي فيها الأفكار العميقة والملهمة، لكنني حين اكتشفتُ فلسفة ليونارد، بدأتُ ألاحظ أنّ الإبداع يأتي من العمل المستمر، ومن إصرار الكاتب على الكتابة كل يوم، حتى في الأوقات التي يبدو فيها الإلهام بعيداً.
تعلّمتُ أنّ الإبداع يولد عندما تُخضع نفسك لروتين يومي منتظم، كأنك تحرثُ الأرض منتظراً المطر، مع كل كلمة أكتبها، أزرع بذور الإبداع في تربة عقلي، وأنتظر لحظة تَفتّحها حينما تلتقي الفكرة بالإرادة، الروتين يساعد على استمرارية تدفق الأفكار ويُشجع العقل على العمل دون أن يشعر بالضغط، هذا الاكتشاف كان تحولاً حقيقياً في طريقة تعاملي مع الكتابة، أصبحتُ أرى الروتين اليومي كوسيلة لإطلاق العنان للإبداع الكامن بداخلي.
عندما تكتب أو تتعلّم مهارة جديدة، أو حتى تمارس هواية بسيطة، فإنك تدخل في هذه الرحلة اللامنتهية نحو الإتقان، تشمل أيضاً اللحظات التي تبدو فيها الأمور مكررة ومملة، في تلك اللحظات يتم اختبار إرادتك الحقيقية.
الإتقان كفلسفة حياتية
ما يميز جورج ليونارد في مفهومه للإتقان هو أنه اعتبره فلسفة حياة متكاملة، فهمتُ من هذه الفلسفة أنّ الكتابة هي جزء من عملية أعمق، جزء من رحلة مستمرة لا تتوقف عند فوز أو نجاح مؤقت، عندما تكتب أو تتعلّم مهارة جديدة، أو حتى تمارس هواية بسيطة، فإنك تدخل في هذه الرحلة اللامنتهية نحو الإتقان، تشمل أيضاً اللحظات التي تبدو فيها الأمور مكررة ومملة، في تلك اللحظات يتم اختبار إرادتك الحقيقية.
ليونارد يدعونا لأن نحب هذا التكرار، أن نعيشه بوعي كامل، وأن نكون متصالحين مع كل خطوة خلال الرحلة، أن تكون حاضراً في كل لحظة، ملتزماً بما تقوم به، ومتقبلاً لكل تجربة، سواء كانت ناجحة أو فاشلة، هذا هو جوهر ما يُفكر فيه ليونارد وهي فلسفة تجد صداها في كل جانب من جوانب الحياة، من الكتابة إلى التفاعل مع الآخرين.
أثر جورج ليونارد على حياتي ككاتب
في كل مرة أواجه عقبة في الكتابة، أعود إلى دروس جورج ليونارد التي تعلّمتها، وأجد نفسي أسترجع صوته الداخلي الذي يقول لي: “استمر في الطريق” عندما تصبح الفكرة صعبة، أو عندما أشعر بأنني لا أحقق تقدماً، يعيدني هذا التوجيه إلى جوهر الإتقان الذي تعلّمته، ويُذكّرني بأنّ النجاح الحقيقي لا يكمن في إنهاء رواية أو تحقيق مبيعات كبيرة، بل في قدرتي على الكتابة كل يوم بشغف، والالتزام طويل الأمد، والمثابرة في كل خطوة، بغض النظر عن النتائج اللحظية.
الإتقان هو الحياة
ربما يكون جورج ليونارد بعيداً عن عالم الرواية بشكل مباشر، لكنه غيّر الطريقة التي أرى بها الكتابة والحياة، كل صفحة أكتبها، كل كلمة أنحتها، هي شهادة على فلسفته التي تقول إنّ الحياة تُعاش عندما نلتزم بالرحلة.
كما قال ليونارد:
“الحياة، بكل ما فيها، هي فن نُمارسه يومياً، والإتقان هو أعظم إنجاز يمكن أن تُحققه، عندما لا تتوقف أبداً عن المحاولة”.
والآن، ما هي أعظم الأشياء التي التزمت بها، وكان لها تأثير على حياتك، شاركنا بالتعليقات؟




أضف تعليق