فن طرح الأسئلة الصحيحة: خلق مسارات جديدة

عبدالله عباس

يُقال إن الأجوبة توفّر الحلول، لكنها تبقى في كثير من الأحيان مقيدة بالمعلومات والمعارف المتاحة، في حين أنّ الأسئلة هي التي تحرّك عجلة الإبداع، وتفتح أمامنا آفاقاً جديدة لم يكن العقل البشري ليتصوّرها، ففي عالمنا المعاصر، تضج الحياة بالمعلومات وتتكاثر الأجوبة بين أيدينا بسرعة البرق، أصبحنا أكثر حاجة للأسئلة التي تُنير لنا الدروب المجهولة، والسؤال هو أداة لتوسيع مداركنا واختراق حدود التفكير المألوف، الأسئلة العميقة والجريئة تُعيد ترتيب طريقة فهمنا للعالم، وهي الجسر الذي يصل بين ما نعرفه وما يمكن أن نصبح قادرين على اكتشافه، ولعل هذا ما جعل كبار المبتكرين والعلماء يَرَوْن في الأسئلة القيمة الحقيقية، باعتبارها مفتاحاً للإبداع ومصدر الشرارة الأولى للابتكارات العظيمة.

برزت مهارة طرح الأسئلة الجيدة كأحد أهم أسلحة النجاح والتفوق، السؤال الجيد هو نقطة بداية للبحث أو حل مشكلة، ولإعادة النظر في الافتراضات الراسخة، وتفكيك الحدود التي يفرضها التفكير التقليدي، وعندما نطرح الأسئلة الصحيحة، فإننا نسعى إلى إيجاد الإجابة، واستكشاف الإمكانات التي تُخبّئها هذه الإجابة وتداعياتها على المستقبل، والقدرة على صياغة رؤى جديدة تقودنا نحو فهم أعمق للعالم، كيف يمكن لسؤال بسيط أن يكون بذرة لتغيير كبير؟ الإجابة تكمن في طريقة صياغته، وتوقيته، والأفق الذي يفتحه في عقل من يطرحه.

1- الأسئلة تفتح لنا الطريق

في عالم يفيض بالأجوبة ويزدحم بالمعرفة، يغدو السؤال جوهر وجودي يكشف عن أعماق المجهول، والشرارة الأولى التي تُشعل جذوة الإبداع، والبوابة التي تفتح أمامنا عوالم لم تكن لتظهر لولا شجاعتنا في طرحه، كما أنه صيغة أخرى للبحث عن معنى، عن إمكانية كامنة تنتظر أن تُرى، فحين أصبحت الأجوبة في متناول اليد، فقدت قيمتها كغاية، وارتقت الأسئلة لتكون هي الأصل، هي البداية التي تمنح الفكر اتجاهه، في السؤال يكمن التحدي، لأننا حين نسأل، نعلن رفضنا للركود، نكسر قيد المعرفة الجاهزة، ونمد أيدينا للبحث عن الحكمة، السؤال هو الذي يعلمنا كيف نرى، كيف نعيد تشكيل الحقائق، وكيف نمنح المعنى للفيض العشوائي من المعلومات حولنا، فنخلق من الفوضى نظاماً، ومن النظام إمكانية لم تكن يوماً مرئية.

2- الأسئلة تحفز البحث الفضولي

البحث الفضولي الذي يبدأ دائماً بأسئلة بديهية، قد تكون غريبة في ظاهرها لكنها تحمل في طياتها إمكانيات غير محدودة، مثل سؤال الطفل عن سبب نمو شجرة في مكان دون آخر، والذي قد يبدو سؤالاً بسيطاً، إلا أنه في جوهره قد يؤدي إلى اكتشافات علمية تُحسّن من طرق الزراعة وتفتح أبواباً جديدة للابتكار، هذا النوع من الأسئلة لا يتعلق دائماً بالنتيجة الفورية، وإنما بالفضول الذي يطلقه هذا السؤال في عقولنا، وهو ما يؤدي إلى اكتشافات قد تكون بعيدة عن متناول أيدينا في البداية.

النظام التعليمي غالباً ما يعزز من قيمة الإجابة الصحيحة باعتبارها المقياس الوحيد للنجاح، بينما تُهمَّش الأسئلة التي تثير خيال الطالب وتدفعه لاستكشاف العالم بعمق أكبر، ونتيجة لذلك، يتراجع الإبداع والقدرة على التفكير الحر

3- الأسئلة وحاجة التعليم إلى إعادة النظر

في النظام التعليمي، يظهر تراجع واضح في الاهتمام بتشجيع الطلاب على طرح الأسئلة كلما تقدموا في المراحل الدراسية، رغم أنّ الأطفال في سنواتهم الأولى يمتازون بشغفهم الفطري للاستفهام، ويطرحون مئات الأسئلة يومياً بدافع الفضول والاستكشاف، لكن، مع مرور الوقت، يتحوّل هذا الفضول إلى حالة خاملة، بسبب تركيز المناهج الدراسية على تلقين الأجوبة وتحقيق أهداف الامتحانات أكثر من تحفيز العقول على التفكير النقدي، النظام التعليمي غالباً ما يعزز من قيمة الإجابة الصحيحة باعتبارها المقياس الوحيد للنجاح، بينما تُهمَّش الأسئلة التي تثير خيال الطالب وتدفعه لاستكشاف العالم بعمق أكبر، ونتيجة لذلك، يتراجع الإبداع والقدرة على التفكير الحر، مما يضعف من قدرة الطلاب على صياغة رؤى جديدة أو حل مشكلات معقدة، ومع إدراك خطورة هذه المشكلة، بدأت بعض المدارس بتبني أساليب تعليمية جديدة تُعيد للأسئلة مكانتها، باعتبارها الأساس لتطوير العقل وتغذية الخيال. (نماذج التمارين المقترحة)

4- قوة الأسئلة البسيطة في توليد الأفكار الإبداعية

طرح الأسئلة البسيطة، تلك التي تبدو أحياناً سخيفة أو غير منطقية، يحمل في طياته قوة عميقة قد لا ندركها للوهلة الأولى، فهذه الأسئلة، التي تنطلق من التساؤل حول الأمور الأساسية والبديهية، تعمل كنافذة تتيح لنا النظر إلى العالم من منظور مختلف وغير مألوف، فسؤال بسيط مثل: “لماذا تطير الطيور بينما لا نفعل نحن؟” ربما بدا هذا السؤال في يوم من الأيام فكرة خيالية، لكنه فتح المجال أمام اختراع الطائرات، هذا النوع من التساؤلات لا يلتزم بالحدود التقليدية للعقلانية، بل يكسر القوالب ويُحرر الفكر من قيود النمطية، ويشجع على التفكير الإبداعي، كما يمكن لفكرة صغيرة أن تتحوّل إلى اكتشاف كبير يحمل إمكانيات عملية قابلة للتطبيق، تلك الأسئلة، التي يظنها البعض غريبة أو غير جديرة بالاهتمام، هي في الحقيقة البذور الأولى التي تُنبت أعظم الابتكارات التي غيّرت مجرى التاريخ.

5- الأسئلة مفتاح للابتكار في عالم يتّسم بالتغيّر السريع

الأسئلة تمثل مهارة أساسية لا غنى عنها في عصرنا الحالي، ويعكس هذا التغيّر المستمر والابتكار على مختلف مجالات الحياة، في ميادين مثل التكنولوجيا والأعمال، يُعد طرح الأسئلة غير التقليدية حجر الزاوية في عملية الابتكار والإبداع، السؤال هو شرارة تُطلق العنان للتفكير في احتمالات جديدة وحلول إبداعية لمشكلات تبدو مستعصية في البداية، فسؤال بسيط كـ “كيف يمكننا تقليل الزمن اللازم لإنجاز هذا العمل؟” قد يقود إلى تطوير تقنيات أو منهجيات تغيّر من طبيعة العمل بأكمله، وفي عالم يتغيّر بسرعة هائلة، تصبح الأسئلة أدوات تساعدنا على فهم الواقع، والتكيّف مع التحديات المستجدة واغتنام الفرص التي قد تكون خفية، والمفتاح لإعادة صياغة العلاقة بيننا وبين العالم، ويمكّننا من أن نكون جزءاً من صُناع المستقبل بدلاً من مجرد متلقين للتغيير.

6- كيف يمكن للأسئلة السخيفة أن تؤدي إلى نجاحات غير متوقعة؟

تُظهر تجارب الأفراد الناجحين كيف أنّ الأسئلة التي يُنظر إليها غالباً على أنها سخيفة أو غير لائقة قد تكون البوابة لاكتشافات وتحوّلات كبرى، ابن الهيثم، الذي طرح سؤالاً بسيطاً ولكنه محوري: “كيف نرى الأشياء؟” في وقت كان فيه الجميع يكتفون بالمسلّمات القديمة بأنّ الرؤية تحدث عبر انبعاث أشعة من العين، هذا السؤال “الساذج” ظاهرياً، كان بدايةً لانقلاب علمي، قاده إلى اختراع الكاميرا البدائية وإرساء أسس علم البصريات الحديث، وبطريقة مشابهة، نجد أمثلة معاصرة، الدكتور السعودي عبدالله الربيعة، الجرّاح المتخصص في فصل التوائم السيامية، عندما كان طالباً في الطب، طرح على نفسه سؤالاً محورياً: “لماذا يُعتبر فصل التوائم السيامية من أكثر العمليات تعقيداً، وكيف يمكننا تحسين فرص نجاحها؟” ربما يكون هذا السؤال فضول علمي، لكنه شكّل تحدياً كرّس لأجله سنوات من البحث والدراسة لتطوير تقنيات جراحية مبتكرة، وأثبت أنّ الأسئلة البسيطة التي تفتح آفاق التفكير يمكن أن تقود إلى إنجازات كبرى.

هذه الأسئلة التي يعتبرها البعض “غبية” أو “بديهية” غالباً ما تكسر القيود الفكرية التي تفرضها التقاليد والمناهج التقليدية، التفكير خارج الصندوق يبدأ بطرح أسئلة تبدو عبثية لكنها تمتلك القدرة على تحفيز الإبداع والابتكار

7- الأسئلة السخيفة مصدر للإبداع الجماعي

الكاتب والمفكر ريتشارد فاينمان، الفيزيائي الشهير الحائز على جائزة نوبل، يُظهر كيف يمكن للأسئلة التي تبدو “سخيفة” أن تصبح أدوات خارقة لفهم العالم بطريقة غير مسبوقة، فاينمان كان يُعرف بقدرته على التفكير البسيط والعميق في الوقت ذاته، وكان كثيراً ما يطرح أسئلة يراها البعض طفولية، لكنها كانت تنُم عن فضول حقيقي وقدرة على رؤية الأمور من زوايا مختلفة، تساءل في إحدى المرات: “لماذا تتحرك كرة عند وضعها في وعاء ماء؟” قد يبدو السؤال بسيطاً وربما تافهاً، لكنه قاد إلى استكشاف قوانين الديناميكا المائية، هذا النمط من التفكير دفعه إلى صياغة مفاهيم جديدة في الفيزياء ساهمت في تغيير طريقة فهمنا للعالم.

هذه الأسئلة التي يعتبرها البعض “غبية” أو “بديهية” غالباً ما تكسر القيود الفكرية التي تفرضها التقاليد والمناهج التقليدية، التفكير خارج الصندوق يبدأ بطرح أسئلة تبدو عبثية لكنها تمتلك القدرة على تحفيز الإبداع والابتكار، إذا نظرنا إلى حياتنا اليومية أو المهنية، يمكننا تبنّي هذا النهج عبر التساؤل حول الأشياء التي نأخذها كمسلّمات، مثل: “لماذا نتبع هذه الطريقة في العمل؟” أو “ماذا سيحدث إذا قلبنا القواعد رأساً على عقب؟”، هذه الأسئلة هي دعوة لاستكشاف آفاق جديدة تتجاوز المألوف.

8- الإجابة على الأسئلة: عملية مستمرة تستدعي الملاحظة اليومية

بجانب طرح الأسئلة، يصبح تدوين الأفكار وتوثيقها جزءاً أساسياً من عملية الإبداع، يذكر تيم فيريس مؤلف كتاب “أدوات العمالقة”، أنّ عملية الكتابة الحرة (مثل الكتابة الصباحية) تساعد في إخراج الأفكار التي قد تكون غير واضحة أو مشوشة، لكن عندما تُكتب وتنقح، يمكن أن تصبح أساساً لأفكار إبداعية جديدة، لذا، لا تقتصر القوة في طرح الأسئلة فحسب، بل في الاستمرار في البحث عن الإجابات من خلال الملاحظة اليومية والتوثيق المتواصل.

9- الأسئلة قد تكون السر وراء النجاح الفائق

في عالمٍ يعجُّ بالتحديات التي تتكاثر كالأمواج المتلاطمة، تصبح الأسئلة بمثابة المنارات التي تضيء لنا الطريق، الأسئلة هي دعوة إلى اكتشاف ما هو غير مرئي للعقل التقليدي، كما أنّ القدرة على طرح الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى “ساذجة” أو “غير مألوفة” هي التي تفصل بين من يسير على خُطى الآخرين ومن يُمهد طريقاً جديداً لم يُطأ من قبل، عالِم الرياضيات البريطاني ألان تورينغ، الذي يُعتبر الأب الروحي لعلوم الحاسوب، طرح في أربعينيات القرن الماضي سؤالاً بسيطاً ولكنه ثوري في جوهره: “هل يمكن للآلات أن تفكر؟” في وقت كان فيه مفهوم “الآلة” لا يتجاوز الآلات الصناعية الثقيلة، هذا السؤال الذي بدا غريباً وغير عملي وقتها كان الأساس الذي قاده لتصميم أول آلة حاسوبية يمكنها تنفيذ التعليمات البرمجية، وأسس هذا السؤال الطريق لعصر الذكاء الاصطناعي كما نعرفه اليوم، وكشف عن إمكانيات لم تكن لتُرى إذا ظل العقل الإنساني حبيس التفكير التقليدي.

الأسئلة أداة قوية للتفكير العميق، والابتكار، والتغيير، سواء كانت أسئلة بديهية، سخيفة، أو حتى غير تقليدية، فهي في النهاية تُشكّل الأساس الذي يبني عليه الإنسان فكره ويُطلق إبداعه، وفي عالمنا الذي يغمره الكم الهائل من المعلومات، لا بد من العودة إلى الأسئلة، لأنها هي التي تحدد الطريق الذي يجب أن نسلكه.

والآن، إذا كان سؤال بسيط قد غيّر مجرى التاريخ، فما هو السؤال الذي تخشى أن تطرحه على نفسك أو على العالم من حولك، ويحمل بداخله بذرة التغيير؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.