محمد البلوشي
لطالما وَجَدت الكتابة نفسها في قلب صراع داخلي عميق بين التقليد والابتكار، بين احترام القواعد وتحديها، يُنظر إليها من جهة على أنها فن قائم على أسس ثابتة وضرورية لضمان أن تكون النصوص مقروءة وفعّالة، ولكن من جهة أخرى، هي مجال يزدهر في الأساس من خلال التجربة والتمرد على هذه الأسس، خاصة عندما تصبح القواعد نفسها حاجزاً أمام التجديد، هذا التناقض يظهر بوضوح في فنون السرد، نجد أنّ كتابة الرواية أو القصة تعكس هذا الصراع بشدة؛ تفرض على الكاتب إتقان تقنيات معينة مثل الحفاظ على تحديد عناصر الحبكة بشكل تقليدي، والالتزام بمقاييس معينة للشخصيات والتطوير الزمني للأحداث، وهذه القواعد تساهم في توجيه القارئ وخلق توازن داخل النص، لكن، في الوقت ذاته، قد تتحوّل هذه القواعد إلى قيود إذا أُخذت بحرفية شديدة، مما يحد من حرية الإبداع ويُقيد قدرة الكاتب على الابتكار والاختراق في أساليب السرد، هذه الثنائية بين اتباع القواعد والانطلاق خارجها هي ما يجعل الكتابة مغامرة مستمرة، بحيث يسعى الكاتب إلى إيجاد التوازن بين احترام ما هو مُتفق عليه وبين الخروج على المألوف في سبيل خلق نص يتفرّد بأصالته ويثير تفكير القارئ.
القواعد الأدبية ليست إرشادات عابرة أو نصائح يمكن تجاهلها بسهولة؛ بل هي أسس جوهرية تشكّل جزءاً أساسياً من التوقعات التي يضعها القراء ودور النشر على حد سواء، فعندما يبدأ الكاتب في كتابة رواية أو قصة، يُتوقع منه أن يحترم عدة مبادئ وأسس سردية محورية، مثل الحفاظ على زاوية السرد بشكل ثابت، والالتزام بالمنحنيات التقليدية للحبكة التي تعكس تطور الأحداث بشكل منطقي، إضافة إلى القدرة على توجيه القارئ بخفة عبر التلميحات الذكية وبناء التصعيد الدرامي الذي يؤدي إلى ذروات متوقعة.
الالتزام بهذه القواعد يشكّل جزءاً من لعبة التوازن بين تقديم قصة مثيرة ومشوقة وبين الحفاظ على تناغمها المنطقي الذي لا يُفاجئ القارئ بشكل غير مقبول، وفي الوقت ذاته، فإنّ خرق هذه القواعد بشكل غير واعٍ قد يؤدي إلى نتائج عكسية، يُفقد الكاتب القدرة على جذب القارئ وقد يواجه غضب الناشر الذي قد يشعر بأنّ الكاتب قد خالف المعايير التي يتوقع أن تُلزمها الصناعة الأدبية، مما يؤثر على فرصة استمرار دعمه المهني، ويظل السؤال الأهم قائماً: هل يجب أن نلتزم تماماً بهذه القواعد؟ أم أنّ الفعل الإبداعي الحقيقي يتجسّد في الخروج عن هذه القيود وتجديدها، محققاً بذلك تحولاً يعكس أبعاداً جديدة في أسلوب الكتابة وفكرها؟
ما يجعل الأمر مثيراً للاهتمام هو أنّ هؤلاء الكتّاب عاشوا في أزمنة لم تكن تعُج بالكتيبات الإرشادية أو الورش الكتابية التي تُملي عليهم ما يفعلونه، لقد كتبوا بناءً على إدراكهم الفطري ما يجعل القصة جذابة، وهذا ربما يثير سؤالاً مهماً: هل يمكن أن يؤدي الالتزام الأعمى بالقواعد إلى تقييد الإبداع؟
لماذا يجب عليك كسر القواعد؟
على مر التاريخ، لم تكن القواعد هي العنصر الحاسم في صناعة الكاتب العظيم، بل إنّ العديد من كبار الكُتاب تجاوزه بشكلٍ مبتكر، وهو ما مكّنهم من خلق أعمال خالدة، تأمّل في أسماء مثل تشارلز ديكنز، ميغيل دي سرفانتس، والأخوات برونتي، وكذلك الكُتاب الحديثين مثل جوزيف كونراد وآرثر كونان دويل، هؤلاء الكتاب، رغم دراستهم الدقيقة لفن الكتابة، لم يكونوا أسرى للقواعد المتعارف عليها، بل كان التجاوز لها هو ما منحهم القدرة على تطوير أساليب جديدة وأصيلة في السرد، وفي الأدب العربي، يمكننا أن نجد مثالاً مشابهاً في أعمال مثل “الشحاذ” للكاتب محمود تيمور، الذي تجاوز القوالب التقليدية في الأدب القصصي وقدم سرداً إنسانياً متجدداً يعكس قضايا اجتماعية وسياسية.
ما يجعل الأمر مثيراً للاهتمام هو أنّ هؤلاء الكتّاب عاشوا في أزمنة لم تكن تعُج بالكتيبات الإرشادية أو الورش الكتابية التي تُملي عليهم ما يفعلونه، لقد كتبوا بناءً على إدراكهم الفطري ما يجعل القصة جذابة، وهذا ربما يثير سؤالاً مهماً: هل يمكن أن يؤدي الالتزام الأعمى بالقواعد إلى تقييد الإبداع؟
لماذا لا يجب عليك كسر القواعد؟
ورغم كل ما قيل عن أهمية تجاوز القواعد أحياناً لتحقيق الإبداع، لا ينبغي أن نقع في فخ الفوضوية الأدبية، فالكتابة حالة من التدفق الحر للأفكار، وهي بناء محكم يحتاج إلى أعمدة قوية تدعمه، القواعد ليست قيوداً تكبّل الكاتب، بل هي أدوات دقيقة تهدف إلى تنظيم النصوص وضمان وضوحها، من علامات الترقيم التي تضبط إيقاع الجُمل وتحدد معانيها، إلى هيكلة الحبكة التي تمنح القصة مسارها المنطقي وتشد انتباه القارئ، كل قاعدة وُجدت لتؤدي وظيفة جوهرية في تسهيل فهم النصوص وتفاعل الجمهور معها، غياب هذه القواعد يجعل النصوص عُرضة للفوضى، بحيث تتداخل الأفكار وتفقد الرسائل وضوحها، ويُحرم القارئ من الاستمتاع بتجربة قراءة متماسكة وممتعة، تماماً كما يحتاج البناء المعماري إلى أساس متين ليصمد أمام الزمن، فإنّ الكتابة تحتاج إلى قواعد تؤطّرها، لتكون قادرة على الوقوف في وجه النقد والزمن، وتحقق في الوقت ذاته الإبداع المنشود.
شخصياً، لا أنسى أول مرة قرأتُ فيها كتاباً يشرح قواعد الكتابة، كنتُ أكتب بناءً على حدسي ومخزون قراءاتي، مما منحني بعض العادات الجيدة، لكن فهم القواعد غيّر كل شيء بالنسبة لي، عندما بدأتُ أتعلم عن تقنيات السرد، وبناء الشخصيات، وتطوير الحبكة، شعرتُ وكأنني أمتلك أخيراً الخريطة التي كنتُ أبحث عنها.
لكي تكسر قاعدة، عليك أولاً أن تفهمها بعُمق، كسر القواعد دون وعي بما تفعله ليس إبداعاً؛ إنه جهل، أما كسر القواعد عن قصد ومعرفة، فهو ابتكار، لكن كن حذراً، فالابتكار طريق محفوف بالمخاطر، ليس كل قارئ سيُقدّر هذا التحدي، وقد تُقابَل محاولاتك بالرفض أو الانتقاد.
التوازن بين القواعد والفوضى
ولكن هنا بالتحديد يتجلى التحدي الأكبر الذي يواجه الكاتب، فالقواعد، رغم أهميتها المحورية في تنظيم النصوص وضمان تماسكها، ليست قوانين صارمة أو قيود حديدية يجب الالتزام بها دون تفكير أو نقاش، الكتابة، قبل كل شيء، هي فنّ يتنفس من خلال التجربة ويزدهر بالابتكار، ورحلة تستلهم من القواعد لتبني أساساً متيناً، لكنها لا تتوقف عند حدودها، القواعد في الأدب أشبه بالخريطة التي تُوجه الكاتب في بداية الطريق، لكنها لا تُلزمه بالبقاء على مسار محدد، بل تمنحه حرية اختيار الالتفاف أو السير عكس الاتجاه إذا استدعت القصة ذلك، القاعدة الذهبية التي تحكم هذا الفن هي: “كل القواعد وُجدت لتُكسر، ولكن بحذر وذكاء” هذا يعني أنّ الكاتب يجب أن يمتلك فهماً عميقاً للقواعد قبل أن يتجاوزها، وأن يكسرها فقط حين يكون لديه هدف واضح ومُبرر إبداعي قوي، كسر القواعد دون وعي أو مهارة قد يؤدي إلى نصوص مشوشة وغير مفهومة، بينما كسرها بذكاء يمكن أن يُنتج أعمالاً أدبية مبتكرة، مثلما فعل عمالقة الأدب الذين تحدوا التقاليد وأعادوا تعريف ما يمكن أن تكون عليه الكتابة، الفن الحقيقي في الكتابة لا يكمن في الالتزام الأعمى بالقواعد ولا في كسرها العشوائي، بل في تحقيق التوازن بين الاثنين بأسلوب يُثري النص ويضيف إليه لمسة فريدة تنبض بالحياة.
لكي تكسر قاعدة، عليك أولاً أن تفهمها بعُمق، كسر القواعد دون وعي بما تفعله ليس إبداعاً؛ إنه جهل، أما كسر القواعد عن قصد ومعرفة، فهو ابتكار، لكن كن حذراً، فالابتكار طريق محفوف بالمخاطر، ليس كل قارئ سيُقدّر هذا التحدي، وقد تُقابَل محاولاتك بالرفض أو الانتقاد.
حتى أكثر الكُتاب جرأة لا يتحدُون القواعد بلا تفكير، وعلى الرغم من أنني أتفهم جاذبية كسر القواعد، إلا أنني أعتقد أنّ التحدي الحقيقي يكمن في معرفة اللحظة المناسبة لفعل ذلك، الكاتب الذي يستطيع كسر القاعدة بحكمة هو ذلك الذي يفهم قاعدتها جيداً.
إلى أين تأخذنا القواعد؟
في نهاية المطاف، الكتابة في جوهرها لعبة دقيقة تجمع بين الفهم العميق للأساسيات والقدرة على التلاعب بها بذكاء وإبداع، يمكننا أن نتخيّل الكتابة مثل لعبة الشطرنج، حيث تُمثل القواعد الحدود التي تُنظم حركة القِطع وتحدد إطار اللعبة، لكنها لا تُملي على اللاعب كيف يُدير استراتيجيته، فبينما تمنح القواعد هيكلاً، يُولد الإبداع من قدرة الكاتب على استغلال هذا الإطار لصُنع تحركات غير متوقعة ومبتكرة تُبهر القارئ، الكاتب الماهر هو من يُتقن القواعد إلى درجة تُتيح له الالتفاف عليها عندما يفرض النص ذلك، دون أن يُشعر القارئ بفوضى أو خلل، مثل لاعب شطرنج بارع، يُخطط الكاتب خطواته بدقة، يعرف متى يلتزم بالقواعد لتحقيق التوازن ومتى يغامر بتجاوزها لإحداث تأثير عميق أو تحقيق انتصار إبداعي، الكتابة، إذن، هي مزيج متناغم من التقييد والحرية، من النظام والفوضى، ومن المنطق والخيال، وكلما استطاع الكاتب تحقيق هذا التوازن، أصبح عمله أكثر تميزاً وجاذبية.
وربما، في تلك اللحظة التي تجد فيها نفسك قادراً على كسر قاعدة بطريقة تُعزز من قوة قصتك بدلاً من إضعافها، تكون قد وصلت إلى مرحلة النضج الأدبي، لذا، سواء كنتَ ممن يُقدّسون القواعد أو ممن يرونها مجرد إرشادات مرنة، لا تنسَ أنّ الهدف الأسمى دائماً هو خلق نص يُبقي القارئ مشدوداً للقراءة.
ما رأيك؟ هل كسرتَ يوماً قاعدة في كتاباتك؟ وهل نجَحت؟


أضف تعليق