توقف عن انتظار “الوقت المناسب” – ما الذي سيحدث عندما تبدأ الآن؟

هديل حسين

الحياة أشبه بسيمفونية مليئة باللحظات المتنوعة، بعضها يمر سريعاً دون أن نلاحظه، وبعضها يترك أثراً في نفوسنا، ومع ذلك، كثيراً ما نقف مترددين، أسرى لعبة الانتظار، مُتشبثين بفكرة “الوقت المناسب”، تلك اللحظة المثالية التي نعتقد أنها ستأتي يوماً، وتمنحنا إشارة بأنّ الآن هو الوقت الأمثل، نؤجل أحلامنا، ونضع طموحاتنا على الرف، متوهمين أنّ المستقبل يحمل لحظة سحرية تكون فيها الأمور أكثر سهولة ووضوحاً، لكن الحقيقة التي نتجاهلها هي أنّ “الوقت المناسب” ليس سوى سراب، وعندما نتخذ قرار البدء، رغم العوائق والخوف، فإننا نفتح باباً لتحوّلات مذهلة واستثنائية.

نحن نعيش في عالم لا يتوقف عن الحركة، يتغيّر كل شيء من حولنا باستمرار، الوقت لا ينتظر، والزمن لا يتوقف حتى نلحق به، ومع ذلك، نجد أنفسنا على هامش الحياة، نراقبها تمُر، معتقدين أنّ غداً سيكون اليوم المثالي، لكن ماذا لو كان “الغد” وهماً؟ ماذا لو كان اليوم هو الفرصة الحقيقية التي يجب أن نغتنمها؟

ربما يكون أكبر عائق يقف في طريق أحلامنا هو ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس: “ليس الآن”، إنه صوتُ الشك والخوف، صوتٌ يقنعنا بأنّ الظروف ليست مثالية أو أننا لسنا مستعدين بعد، لكن الحقيقة هي أن لا أحد يبدأ مستعداً بالكامل، الاستعداد هو نتيجة الفعل، وليس شرطه المسبق، عندما ننتظر “الوقت المناسب”، فإننا نسمح لهذا الصوت بأن يتحكم في حياتنا.

الحياة ليست عن المثالية، بل عن المغامرة، عن الوقوف في وجه الخوف والقول: “أنا مستعد للمحاولة، حتى لو لم أكن مستعداً بالكامل،” عندما تبدأ الآن، تفتح الباب أمام إمكانيات لا نهائية، تكتشف قوتك الداخلية، وتختبر مرونتك، وتبدأ في رؤية الحياة من منظور جديد تماماً.

انتظار الجاهزية يُشبه التحديق في بذرة، على أمل أن تُنبت دون زراعتها، الفعل هو ما يغذي النمو، ويعزز المرونة، ويبني الزخم، الجاهزية، تولد من العمل، وليس من ترقُب حدوث الأشياء.

خرافة الجاهزية

تَم تلقيننا الاعتقاد بأنّ الجاهزية شرط مسبق لأي عمل، هذا الاعتقاد، رغم أنه مريح، غالباً ما يكون عائقاً، يقنعنا أننا بحاجة إلى مزيد من التحضير، أو المزيد من الموارد، أو المزيد من الثقة قبل اتخاذ الخطوة الأولى، ولكن الجاهزية ليست حالة من الوجود؛ إنها نتيجة الفعل، لن تشعر أبداً أنك مستعد لكتابة رواية حتى تكتب الجُملة الأولى، لن تشعر أبداً أنك مستعد للجري في ماراثون حتى تخطو الخطوة الأولى، وبالتأكيد، لن تشعر أبداً أنك مستعد لتغيير حياتك حتى تبدأ في العيش بشكل مختلف.

انتظار الجاهزية يُشبه التحديق في بذرة، على أمل أن تُنبت دون زراعتها، الفعل هو ما يغذي النمو، ويعزز المرونة، ويبني الزخم، الجاهزية، تولد من العمل، وليس من ترقُب حدوث الأشياء.

ماذا يحدث عندما تبدأ الآن

1- الوضوح ينبثق من العمل

غالباً ما يبدو البدء بشيء جديد وكأنه السير في ضباب، المسار أمامك غير واضح، والوجهة محجوبة، ولكن بمجرد أن تخطو خطوة واحدة، ثم أخرى، يبدأ الضباب في الانقشاع، الوضوح لا يسبق الفعل؛ إنه يتبعه، من خلال البدء، تكتشف ما يجب عليك فعله، وما لا يجب، يصبح الفعل عملية اكتشاف، لا يمكن للتخطيط وحده أن يوفرها.

فكر في الأمر بهذه الطريقة: لا يمكنك توجيه سيارة متوقفة، لا يمكن لأي قَدر من تحريك عجلة القيادة أن يُغير اتجاهك حتى تتحرك السيارة، وبالمثل، تظل أحلامك ثابتة حتى تعمل عليها.

2- الخوف يفقد قوته

الخوف ينمو في عالم المجهول، يهمس بالشكوك، ويُضخم المخاطر، ويُقنعك بأنّ الفشل أمر حتمي، لكن الخوف قوة متناقضة: يتضاءل لحظة مواجهته، عندما تبدأ، تتلاشى قبضة الخوف، وتُقلص كل خطوة صغيرة قوته، وتستبدلها بالثقة والشجاعة.

الفعل هو الترياق للخوف، من خلال اتخاذ تلك الخطوة الأولى – بغض النظر عن صغرها أو عدم كمالها – تُثبت لنفسك أنك قادر، وبمجرد أن يبدأ الخوف في التلاشي، يحِل محَله شعور بالقدرة.

3- الزخم يتراكم

البداية هي الجزء الأصعب، تتطلّب منك التغلب على الجمود ودفع نفسك ضد الجاذبية التي تشُدك إلى الراحة والألفة، ولكن بمجرد أن تبدأ، يتولى الزخم المهمة، كل نجاح صغير يغذي الآخر، مُحدثاً تأثيراً متراكماً، التقدم، مهما كان طفيفاً، فإنه يتضاعف ليصبح شيئاً جوهرياً.

فكر في تأثير التموّج: قطرة ماء واحدة تخلق أمواجاً تمتد بعيداً عن نقطة تأثيرها، وبالمثل، يرسل فعل البدء موجات في حياتك، تؤثر على مناطق لم تتوقعها.

4- الكمال غير ضروري

واحدة من أكثر العوائق التي تقف في طريقك هي السعي نحو الكمال، نقول لأنفسنا أننا لا نستطيع البدء حتى يكون كل شيء مثالياً، حتى نحصل على الخطة المثالية، أو المهارات المثالية، أو التوقيت المثالي، لكن الكمال هو وهم، غير قابل للتحقيق، والأهم من ذلك، غير ضروري.

عندما تبدأ الآن، تُدرك أنّ الكمال ليس عائقاً بل هدية، يسمح لك بالتعلّم، والتكيّف، والنمو، تصبح العيوب في رحلتك لبِنَات بناء قصتك الفريدة.

يُولّد الانتظار الندم، تتسع الفجوة بين مكانك الحالي ومكانك الذي تريد أن تكون فيه، وكلما طالت مدة الانتظار، أصبح سَد هذه الفجوة أصعب، ألمُ الندم يفوق بكثير عدم الراحة الناتجة عن البداية.

لماذا يكلفك الانتظار أكثر مما تعتقد؟

انتظار “الوقت المناسب” له تكلفة، غالباً ما تكون غير مرئية ولكنها عميقة العواقب، يتم قياس التكلفة ليس بالدولارات أو الساعات ولكن بالفرص الضائعة، والإمكانات غير المستغلة، والأحلام غير المُحققة، كل لحظة تقضيها في الانتظار هي لحظة لا يمكنك استردادها أبداً، وهي فصل من حياتك لم يُكتب، ولحن لم يُغنَ، وتحفة لم تُبدع.

علاوة على ذلك، يُولّد الانتظار الندم، تتسع الفجوة بين مكانك الحالي ومكانك الذي تريد أن تكون فيه، وكلما طالت مدة الانتظار، أصبح سَد هذه الفجوة أصعب، ألمُ الندم يفوق بكثير عدم الراحة الناتجة عن البداية.

منظور جديد عن الوقت

الوقت ليس شيئاً نمتلكه أو نتحكم به؛ إنه النهر الذي نسير داخله، الوسيط الذي تُبنى فيه أحلامنا وتُختبر فيه قناعاتنا، انتظار “الوقت المناسب” يُشبه وَهْم انتظار محيطٍ هادئ تماماً قبل أن تغامر بالغوص فيه، لكنه وَهْم يخدعنا بأننا بحاجة إلى ظروف مثالية كي نبدأ، الأمواج كانت وستظل دائماً هناك، لا تتغير، بينما التغير الوحيد الذي يحدث هو في استعدادك لمواجهتها، الحياة هي بروفة نستعد فيها للعرض الكبير؛ بل هي العرض ذاته، اللحظة الوحيدة التي تمتلكها وتستطيع تشكيلها، عندما تدرك أنّ “الوقت المناسب” ليس محطة مستقبلية، بل حاضر ينبض أمامك الآن، تتجاوز مخاوفك وتُفسح المجال لتحركك الأول.

الحياة، بكل ما تحمل من تناقضات وجمال وفوضى، هي دعوة مفتوحة لأن تعيشها بكل ما فيها، انتظار “اللحظة المثالية” لا يؤدي إلا إلى اختزال وجودك إلى حالة من الترقُب الدائم، ويحرمك من جوهر الحياة الحقيقي، “الوقت المناسب” لا يأتي من الخارج، بل قرار ينبع من داخلك، عندما تختار أن تبدأ الآن، دون انتظار اكتمال الظروف، تُعيد تشكيل سرد حياتك، تستعيد سلطتك، وتُعلن أنك لم تعد أسيراً للشك والخوف، البداية خطوة نحو الأمام، وفعل يُعبّر عن إيمانك بأنك الكاتب الوحيد لقصة حياتك، القادر على تحويل كل لحظة إلى نقطة انطلاق نحو إمكاناتك غير المحدودة.

تأثير البدء

عندما تختار البدء الآن، فإنك لا تُعيد تشكيل حياتك فحسب؛ بل تُصبح شرارةً تنير الطريق للآخرين الذين ما زالوا أسرى الانتظار، شجاعتك تتحوّل إلى بوصلة، ترشد أولئك الذين يبحثون عن دليل وسط غياهب التردد والخوف، كل فِعل صغير تقوم به يخلق موجة، تتجاوز حدود رؤيتك، لتصل إلى أماكن وأرواح لم تتوقعها، حاملة معها رسالة: التغيير ممكن، والبداية الآن.

التوقف عن الانتظار هو إعلان عن إيمانك بقُدسية اللحظة الحاضرة، “الوقت المناسب” ليس سوى وَهْم نُطارده، بينما الحقيقة تكمُن هنا، بين يديك، في هذه اللحظة التي تراها الآن، عندما تخطو الخطوة الأولى، يتآمر العالم كله لأجلك، كما لو أنّ الحياة نفسها تُكافئ شجاعتك، البداية ثورة داخلية، تُذكّرنا جميعاً بأنّ التغيير يبدأ دائماً من الداخل، عندما تتخذ القرار بأن تكون أنتَ البطل في قصتك.

والآن، ما الخطوة الصغيرة التي يمكنك اتخاذها في هذه اللحظة، لتُشعل شرارة التغيير في حياتك وتُعيد كتابة قصتك؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.