أيمن زيدان
حين يكتب الكاتب، فإنه لا يضع كلمات على الورق فحسب، بل يبعث الحياة في ما كان خفياً وغير مرئي، يُنادي روحاً عميقة تختبئ في صميم الوجود، وهي ذلك الجسر الذي لا تراه العين، ولكنه يمتد بين عالم محسوس تحكمه قوانين ثابتة وأطر مألوفة، وعوالم لا وجود لها إلا في أروقة الخيال الإنساني، وفي لحظة الكتابة، يتحوّل الكاتب إلى مبدع للكون، صانع لحكايات وكائنات ما كانت لتُولد لولا تلك اللمسة التي تحمل في طياتها شيئاً من السحر، وشيئاً من اللامحدود، إنها لحظة يتجاوز فيها الكاتب ذاته، عابراً الزمان والمكان ليخاطب أرواحاً لا يعرفها، قد تكون في ماضٍ بعيد أو مستقبل لم يأتِ بعد.
والكتابة هي مغامرة داخل الحاضر، يُعاد تشكيل الزمان والمكان ليُصبحا جزءاً من حكاية أبدية، الكاتب يرسم بخياله خيوطاً تجمع بين الماضي والمستقبل، لتصبح كتاباته أشبه بلوحة لا تنتهي تفاصيلها، وتجربة ممتعة وفلسفية في آنٍ معاً؛ تنبعث من قلب الإنسان وتتسع لتحتضن الكون كله، وهي قصة تُروى، وحياة تُعاد صياغتها برؤية جديدة، وتجربة تدفعنا للتأمل في ما كنا عليه وما يمكن أن نصبحه.
الكاتب الحقيقي يسعى إلى أن يترك بصمة خالدة تحمل صوته وروحه عبر الزمن، وكأنّ كلماته سفينة أبدية تُبحر بلا توقف في محيط التاريخ، وهي وسيلة يتحدى بها الفناء، فهي تمنحه امتداداً يتجاوز حدود جسده وفناء حياته، عندما نقرأ عبارات مثل “أن تكون أو لا تكون”، فإننا لا نسمع فقط كلمات شكسبير، بل نشعر بنبضه، بِحَيرتهِ الوجودية، وصراعه الداخلي الذي عبر العصور ليصل إلينا، والكتابة هي فعل مقاومة للموت، وجسر يربط الكاتب بالعالم في حاضر دائم، يمنحه فرصة للوجود المستمر في ذاكرة الإنسانية، وشكل من أشكال الخلود الذي يحافظ على حضور الكاتب، رغم غياب الجسد، ويجعله شاهداً دائماً على الحياة من خلال كلماته التي لا تمحى.
والكاتب هو كائن يعيش في حالة صراع مستمر، صراع خفي لكنه عميق، بين ذاته الداخلية والعالم الخارجي الذي يحيط به، فهو يتساءل دوماً: هل أكتب لأشرح للآخرين أفكاري وأُعرّفهم بعالمي الخاص؟ أم أنني أكتب لأكتشف نفسي وسط هذا الضجيج الذي لا يهدأ؟ الكتابة بالنسبة للكاتب نافذة يُطل منها على أعماق ذاته المجهولة، رحلة داخلية بحثاً عن تلك الأجزاء الضائعة منه، ومحاولة لفك رموز أسئلة دفينة لم تُطرح حتى الآن، وربما لن تُطرح إلا على الورق، ومساحة مقدسة يلتقي فيها الكاتب بإنسانيته الحقيقية، تنزع عنه أقنعة الحياة اليومية، ليواجه ذاته بصراحة لا ترحم، تتجاوز حدود الجسد الزائل واللغة المحدودة، لتخلق عوالم لا نهائية تعكس أحلامه، مخاوفه، ورغباته، إنها فعل تحرير يجمع بين الألم والشفاء، بين الكشف والإخفاء، وبين الصمت والصراخ، وهي الطريقة التي يصبح بها الكاتب أقرب إلى جوهره، وأكثر فهماً لعلاقته بالعالم الذي يعيش فيه.
نجيب محفوظ اتخذ من شوارع القاهرة مسرحاً رمزياً، حوّل فيه الأزقة والحارات إلى شخصيات تنبضُ بالصراع الإنساني، تحمل في تفاصيلها هموم الفرد وأحلامه، متشابكة مع قضايا أعمق تعكس صراع الطبقات، وتحدٍّ للواقع المفروض، وسعي دائم لصياغة عالم جديد يُمكن أن يجد فيه الكاتب والقارئ على حد سواء معنى وسط الفوضى، ونافذة تتيح للإنسان مواجهة المجهول بسلاح الفكر والخيال.
وفي عالم مليء بالفوضى، يبدو المنطق غائباً والعدالة مفهوماً بعيد المنال، تصبح الكتابة أداة قوية للمقاومة، وسلاحاً يُمكّن الكاتب من استعادة السيطرة على واقع يبدو أنه يفلت من قبضته، والفضاء الذي يستطيع فيه أن يخلق نظامه الخاص، عالم متماسك يحكمه بقوانينه ورؤيته، ويُعيد تشكيله وتفكيكه لإظهار تناقضاته وفضح مكامن العبث فيه، كافكا، على سبيل المثال، استخدم الكتابة كمرآة للبيروقراطية التي حوّلها إلى وحش غريب يبتلع الإنسان ويُقيده بأغلال غير مرئية، كاشفاً عن عبثية النظام الذي يدّعي النظامية، ومن جهة أخرى، نجيب محفوظ اتخذ من شوارع القاهرة مسرحاً رمزياً، حوّل فيه الأزقة والحارات إلى شخصيات تنبضُ بالصراع الإنساني، تحمل في تفاصيلها هموم الفرد وأحلامه، متشابكة مع قضايا أعمق تعكس صراع الطبقات، وتحدٍّ للواقع المفروض، وسعي دائم لصياغة عالم جديد يُمكن أن يجد فيه الكاتب والقارئ على حد سواء معنى وسط الفوضى، ونافذة تتيح للإنسان مواجهة المجهول بسلاح الفكر والخيال.
فالعلاقة بين الكاتب واللغة علاقة معقدة ومتعددة الطبقات، تتجاوز كونها أداة للتعبير أو وسيلة لنقل الأفكار، فاللغة بالنسبة للكاتب تشبه آلة موسيقية دقيقة، كل كلمة فيها نغمة، وكل جُملة لحن يُعيد تشكيله بطريقته الفريدة، ليصنع مقطوعة تعكس رؤيته للعالم، وتُعيده إلى جذوره، إلى ذاكرته الفردية والجماعية، وإلى تاريخه الثقافي وهويته التي تتجلى في كل كلمة يختارها، وفي الوقت الذي يمكن أن تبدو فيه اللغة محدودة، حبيسة القواعد والنحو والمفردات المتاحة، فإنها تتحوّل بين يدي الكاتب إلى فضاء لا متناهٍ للإبداع، يُعيد تشكيل الكلمات، يكسر القواعد، ويبتكر تعبيرات جديدة تحمل أبعاداً غير متوقعة، هذه الازدواجية بين التقييد والتحرر تجعل اللغة ساحة تحدٍّ مستمر، يُظهر فيها الكاتب مهارته في التحليق داخل هذا القفص اللانهائي، حيث يمكنه أن يصوغ عوالم جديدة تماماً باستخدام أدوات تبدو مألوفة، اللغة هي صوت الكاتب، جزء من هويته، مرآة لروحه، ونافذة تُطل على آفاق لا حدود لها من الاحتمالات.
وبعض من أعظم النصوص الأدبية في تاريخ الإنسانية وُلدت من أعماق قلوب مكسورة وأرواح تحمل ندوب الألم، فالكاتب الذي عايش الألم الحقيقي، سواء كان فقداناً، خيبة أمل، أو صراعاً داخلياً، يمتلك قدرة فريدة على استحضار أعماق المشاعر الإنسانية في كتاباته، وكأنّ كلماته تأتي مباشرة من جوهر التجربة البشرية، الألم هنا يُصبح معلماً قاسياً يفتح أبواباً جديدة لفهم الذات والعالم، ويفرض على الكاتب أن ينظر بعُمق في نفسه وفي الآخرين، ليكتشف ما لا يمكن رؤيته إلا من خلال عدسة المعاناة، في حضرة الألم، يتعلّم الكاتب كيف يجعل النص ينبضُ بالحياة، كيف يُلبس الكلمات جسداً وروحاً، ليخلق عوالم تعكس الصدق العاطفي الذي يصل إلى القارئ دون حواجز، تلك النصوص لا تصبح فقط شهادة على معاناة شخصية، بل تتحوّل إلى مرآة تعكس تجارب إنسانية شاملة، بحيث يجد القارئ نفسه بين السطور، وكأنّ الكاتب كتب له ومن أجله، وهكذا، يصبح الألم قوة دافعة تُعيد تشكيل رؤيته للعالم، وتصقل موهبته، لتنتج نصوصاً تتجاوز الزمان والمكان وتظل خالدة في الذاكرة.
والكتابة تتطلّب أحياناً حالة من الصمت والعزلة، لكن هذه العزلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها هروب من العالم أو محاولة للابتعاد عن الآخرين، بل هي في الحقيقة عودة إلى الذات، إلى ذلك العالم الداخلي الذي غالباً ما يغمُره ضجيج الحياة اليومية، في تلك اللحظات من الوحدة، يجد الكاتب نفسه في حالة من الصفاء الذهني الذي يُمكّنه من الاستماع لصوته الداخلي بوضوح، وهو الصوت الذي غالباً ما يُخنق وسط فوضى الحياة وتداخل الأحداث، هذه العزلة تخلق للكاتب مساحة حرة، مساحة لا تشوبها العوامل الخارجية، ليتنفس فيها أفكاره ويُعيد ترتيب مشاعره وأفكاره المبعثرة، ولحظة التقاء مع ذاته، يكتشف أولاً كيف يشعر، ثم يبدأ في فهم لماذا يشعر هكذا، ليتمكّن من صبّ هذه التجارب والمشاعر في كلمات متناسقة ومُعبرة، وفي هذا الفضاء الهادئ، تتسنى للكاتب الفرصة للاختلاء بعقله وروحه، بعيداً عن أي ضغوط، ليمنح نفسه الوقت والمساحة الضرورية لبناء الأفكار الكبيرة، العميقة، التي لا يمكن لها أن تظهر إلا في هدوء هذه اللحظات المقدسة من العزلة، في هذا السياق تصبح الكتابة عملية فنية بحتة، تتطلب تفرغاً داخلياً لاكتشاف الأسئلة التي تستحق أن تُطرح والإجابات التي تستحق أن تُكتب.
أن تكون كاتباً يعني أن تصبح شاهداً على روح العالم، وأن تجعل من الكلمات وسيلتك لفهم الكون وإعادة تشكيله، والكتابة هي القصة التي لا تنتهي، لأنها تعكس عمق الروح البشرية التي تبحث عن الخلود في كل نص يُكتب.
والكتابة هي رحلة طويلة ومعقدة لا تنتهي لفهم الحياة بكل جوانبها وتعقيداتها، فالكاتب في كل مرة يلتقط قلمه ليكتب، لا يكتفي بتسجيل الأحداث أو الأفكار، بل يسعى لاكتشاف المعنى الأعمق في التفاصيل التي قد يراها الآخرون عابرة أو غير مهمة، من خلال الكلمات، يبدأ الكاتب في فتح أبواب جديدة لفهم تلك التفاصيل الصغيرة التي تُشكّل نسيج الحياة، مثل لحظة ابتسامة عابرة، أو تأمل في مشهد طبيعي بسيط، أو حتى تجربة إنسانية يومية قد تمر دون أن ينتبه لها الكثيرون، كما تتيح للكاتب أن يلاحظ ما يغفل عنه الآخرون، وتمنحه القدرة على الغوص في أعماق هذه التفاصيل الصغيرة ليكتشف كيف أنّ لها معاني عميقة تربطنا بالعالم وتحدد مكاننا فيه، ولكن، في خضم هذه الرحلة، قد يُدرك الكاتب في النهاية أنّ المعنى الحقيقي للحياة لا يكمن في الوصول إلى إجابات نهائية أو حتى في التوصل إلى حقائق ثابتة، بل في الفعل ذاته – فعل الكتابة الذي يُمكِّن الكاتب من أن يتواصل مع نفسه والعالم من حوله، لتُصبح تجربة مستمرة من البحث عن المعنى، بحيث لا يُختتم النص أبداً بنهاية، بل يظل مفتوحاً على الاحتمالات، ليبقى الكاتب في حالة اكتشاف دائمة لعالمه الداخلي وعلاقته بالعالم الخارجي.
وحتى في اللحظة التي يضع فيها الكاتب النقطة الأخيرة على ورقته، وتكتمل الجملة الأخيرة من نصه، تبقى القصة حية نابضة، لم تنتهِ بعد، لأنّ الكتابة، في جوهرها، ليست سرداً يقف عند الكلمات المكتوبة، بل هي دعوة للقارئ للمشاركة في إتمام العمل بشكل دائم، عبر إعادة قراءة النص وفهمه من زوايا مختلفة، ومع كل قراءة، يُعيد القارئ صياغة النص في ذهنه، يُعيد ترتيب الأحداث، وقد يكتشف معاني جديدة، أو يلتقط إشارات كانت غائبة عن المرة الأولى، وهذا التفاعل المستمر بين النص والقارئ يجعل من القصة كائناً حياً، يتنفّس ويتغيّر بتغيّر كل من يقرأه، كل قارئ يجلب معه رؤيته الخاصة، تجربته الشخصية، ومفرداته اللغوية، ليُعيد كتابة القصة بطريقته، مما يعيد تشكيل العمل الأدبي في كل مرة يُقرأ فيها، لذلك، لا تنتهي القصة مع آخر كلمة يكتبها الكاتب، بل هي جزء من رحلة مستمرة تسعى للبحث عن الحقيقة والجمال في كل مرحلة، وفي كل لحظة، الكتابة بذلك لا تعني النهاية، هي نقطة انطلاق لمزيد من الاكتشافات؛ قصة تتفتح أبعادها مع مرور الزمن ومع التفاعل المستمر بين القارئ والعمل الأدبي، ويظل البحث عن المعنى والجمال مستمراً بلا توقف.
أن تكون كاتباً يعني أن تصبح شاهداً على روح العالم، وأن تجعل من الكلمات وسيلتك لفهم الكون وإعادة تشكيله، والكتابة هي القصة التي لا تنتهي، لأنها تعكس عمق الروح البشرية التي تبحث عن الخلود في كل نص يُكتب.
والآن، ماذا لو كانت كل قصة، وكل فكرة، وكل كلمة تكتبها هي بداية لرحلة جديدة نحو اكتشاف الحقيقة والجمال بداخلك؟


أضف تعليق