العادات الخفية: المحرك الصامت لحياتنا

هديل حسين

غالباً ما نعيش حياتنا مدفوعين بعادات يومية صغيرة ومتكررة، عادات قد تبدو للوهلة الأولى غير ذات أهمية، لكن تأثيرها في حياتنا أعظم مما نعتقد، فالعادات التي نقوم بها بشكل شبه تلقائي، تُشكّل الأساس الذي نبني عليه سلوكياتنا وأفعالنا، مثلاً، قد يكون من السهل عليك تذكّر آخر مرة جلستَ فيها للكتابة، لكن إذا طلبتُ منك أن تتذكر بالتفصيل كيف بدأتَ تلك الجلسة، فقد تجد صعوبة في تذكّر الأمور الدقيقة: هل بدأتَ بفتح الكمبيوتر أولاً، أم جلستَ لترتيب أفكارك على الورق؟ أي يد استخدمتها أولاً للكتابة على الكيبورد؟ ربما لا تكون هذه الأسئلة واضحة لك، لكنها تكشف عن مدى تأثير الروتين اليومي في عملك ككاتب، ما قد يبدو كتفاصيل عابرة قد يصبح ركيزة لآلية عمل مبرمجة في ذهنك، تتكرر العادات اليومية دون أن تفكر فيها، مما يساهم في اختصار الوقت والجهد اللازمين لاتخاذ القرارات، ولكن هذه العادات المتكررة قد تحمل أيضاً تساؤلات عميقة حول مدى وعيك بما تفعله، وهل بالفعل أنّ هذه الأفعال تدعمك في مسيرتك الكتابية، أم أنها تقيدك في حلقة مغلقة من الروتين الذي قد لا يخدم تطورك؟

التفاصيل الصغيرة التي تمر دون أن نلتفت إليها هي في الواقع صورة دقيقة للعادات غير المرئية التي تتحكم في حياتنا وتوجه أفعالنا بشكل يفوق إدراكنا الواعي، بدءاً من الاستيقاظ وتنظيف الأسنان صباحاً، إلى المهام اليومية وصنع فنجان القهوة الذي أصبح رمزاً لروتين الصباح، تعمل هذه العادات كنظام آلي يُخفف عن عقولنا عبء التفكير المستمر في كل خطوة صغيرة نقوم بها، وأداة تطوّر فعّالة تجعل الحياة أكثر سهولة وسلاسة، إذ تسمح لنا بالتعامل مع العالم بشكل تلقائي ومريح دون استنزاف طاقتنا الذهنية، هذا ما وصفه عالم النفس الشهير ويليام جيمس بدقة في عام 1890، عندما قال إنّ الكائنات الحية ليست إلا “حُزماً من العادات”، فقد أدرك جيمس أنّ العادات هي أنظمة مترسخة في عمق أدمغتنا تجعل أفعالنا تسير بوتيرة منتظمة، وتحوّل العمليات اليومية إلى أنماط شبه تلقائية، ومع ذلك، فإنّ هذه “الحُزم من العادات” تُعد قوة خفية قد تقودنا في اتجاهات غير مدروسة، مما يجعل من الضروري التوقف والتساؤل: هل هذه العادات تخدمنا فعلاً أم أنها تُحكم قبضتها على حياتنا بطرق غير مرئية؟

تعمل العادات على جعل حياتنا أكثر كفاءة؛ وتختصر الكثير من القرارات اليومية لتُصبح الأفعال التي نقوم بها تلقائية، مما يوفر الوقت والجهد للتركيز على أمور أخرى أكثر أهمية، لكن من ناحية أخرى، هذه العادات قد تجعلنا نمضي حياتنا في وضع “محلّك سر”

العادات هي نوع من الصفقة المزدوجة التي تجلب فوائدها ومخاطرها في آن واحد، من ناحية، تعمل العادات على جعل حياتنا أكثر كفاءة؛ وتختصر الكثير من القرارات اليومية لتُصبح الأفعال التي نقوم بها تلقائية، مما يوفر الوقت والجهد للتركيز على أمور أخرى أكثر أهمية، لكن من ناحية أخرى، هذه العادات قد تجعلنا نمضي حياتنا في وضع “محلّك سر”، نُكرر نفس السلوكيات يوماً بعد يوم دون أن نتوقف للتفكير في الدوافع الكامنة وراءها، أو مدى رضانا عما نقوم به، وعندما تتحوّل الأفعال اليومية إلى عادات، قد نصبح في حالة من اللاوعي تجاه التفاصيل الصغيرة التي قد تضيف لذّة أو تحسّن تجربتنا، على سبيل المثال، كم مرة فكرت في تغيير طريقة تحضير قهوتك الصباحية؟ ربما لو جربت إضافة مكونات جديدة أو طريقة جديدة في التحضير، لكانت التجربة أكثر إثارة، لكن من السهل أن نستمر في نفس الطريقة التي نعرفها فقط لأنها مألوفة، مما يتركنا في دائرة من الروتين الذي يُشعرنا بالراحة، لكنه يفتقر إلى التنوّع والتجديد.

اقرأ: ما الذي يحدث عندما تقرأ كلّ يوم؟ 

اقرأ: تحويل فكرة إلى كتاب: رحلة الكاتب إلى النص

اقرأ: بناء عادة كتابة المذكرات الشخصية اليومية: تجربة شخصية

مع بداية كل عام جديد، يمتلئ الكثيرون بالأمل والعزيمة لتغيير عاداتهم السيئة واستبدالها بأخرى أكثر إيجابية، في محاولة لتحسين جوانب حياتهم المختلفة، إلا أنّ الحقيقة التي يكشفها علم العادات هي أنّ تغيير السلوكيات لا يتم بسهولة، لأنّ هذه العادات في الغالب ليست تحت سيطرتنا الواعية كما نعتقد، على الرغم من أننا نميل إلى الاعتقاد بأنّ أفعالنا محكومة بأهدافنا الشخصية، لكن الواقع غالباً ما يكون مختلفاً، كما أشارت الباحثة في علم العادات، الدكتورة ويندي وود: “نحب أن نعتقد أنّ أفعالنا مدفوعة بأهدافنا، لكن الحقيقة أنّ العادات أقوى وأكثر تأثيراً مما ندرك”، ورغم أننا قد نراها سلوكيات يومية بسيطة، فإنها تلعب دوراً أكبر في حياتنا مما نتصوّر، فهي تعمل كأنها “إعدادات مسبقة” في أدمغتنا، تؤثر على قراراتنا وتصرفاتنا بشكل تلقائي، حتى من دون أن ندرك ذلك، لهذا السبب، عندما نعزم على تغيير عاداتنا مع بداية السنة الجديدة، نجد أنّ الانتقال من العادات القديمة إلى الجديدة ليس أمراً يسيراً، ويتطلب وعي عميق بطريقة تشكيل هذه العادات والعمل على تغيير المحفزات والبيئة التي تدعمها.

كيف تتكون العادات؟

أثبتت الأبحاث الحديثة أنّ العادات هي استجابات تلقائية للعديد من المحفزات البيئية التي نواجهها يومياً، عندما يتكرر فعل معين في سياق محدد، يرتبط هذا الفعل بالمحفزات المحيطة بشكل تدريجي، حتى يصبح جزءاً من الروتين اليومي الذي لا يتطلب وعياً أو تفكيراً مستمراً، لنأخذ مثالاً عن الكتابة: إذا كنتَ تبدأ يومك بكتابة بضع جُمل لتدوين أفكارك أو للتخطيط ليومك، ثم قررتَ أن تُضيف عادة الكتابة لمدة عشر دقائق بعد كل جلسة قراءة تقوم بها، فإنّ المحفزات نفسها – مثل إتمام قراءة فصل من كتاب ما – ستصبح إشارة تدفعك للانتقال إلى الكتابة، وبتكرار هذا الفعل في نفس السياق بشكل يومي، يبدأ عقلك في أتمتة هذه العادة، بحيث لا تحتاج إلى تذكير دائم للجلوس والكتابة، ستصبح الكتابة عادة راسخة لديك، تجذبك إليها بشكل طبيعي دون الحاجة إلى بذل جهد واعي أو تذكير.

ويوضح ديفيد نيل، عالم النفس المتخصص في تغيير السلوك، أنّ هذا لا يعني أنّ الأشخاص يَنسوْن ما يفعلونه، بل على العكس، هم يتذكرون تماماً أفعالهم، لكن الفرق يكمن في أنّ العقول الواعية لم تعد بحاجة للمشاركة الفعالة في عملية بدء أو تنفيذ هذا السلوك، ببساطة، يصبح الفعل التلقائي جزءاً من اللاوعي، بحيث أنك قد تقوم به دون تفكير أو تذكّر، على سبيل المثال، إذا كنتَ قد بدأتَ بتخصيص وقت كل يوم لكتابة بضعة أسطر في دفتر ملاحظاتك، فقد تجد نفسك بعد فترة تقوم بذلك بشكل تلقائي، قد لا تتذكر بدقة ما إذا كنتَ قد كتبت في اليوم السابق أم لا، لأنّ الكتابة قد أصبحت جزءاً طبيعياً من روتينك اليومي، العقل الواعي لم يعد بحاجة للتدخل أو التذكير؛ فقط تبدأ الكتابة بمجرد أن تشعر باللحظة المناسبة، فتعمل العادة بآلية تامة كما لو كانت جزءاً من روتينك اليومي.

لكن، العادات التي بدأت عن وعي يمكن أن تفقد ارتباطها بالأهداف التي حفّزتها، إذا تغيّرت أهدافنا، قد تستمر العادات القديمة بالتحكّم في سلوكياتنا بسبب المحفزات المرتبطة بها، على سبيل المثال، قد تستمر في زيارة مكان معين لمجرد أنه مألوف، حتى لو لم يعد يتماشى مع احتياجاتك، تتميز العادات بأنها لا تعتمد دائماً على المكافآت لتستمر، حتى إذا لم تعُد النتائج مرضية، قد تبدأ عادة الكتابة اليومية بهدف تحسين مهاراتك أو إتمام مشروع أدبي معين، لكن مع مرور الوقت، قد تجد نفسك تكتب يومياً لمجرد أنّ هذا الفعل أصبح جزءاً من روتينك، حتى وإن كانت أهدافك قد تغيّرت، قد تستمر في كتابة نفس النوع من المقالات أو القصص، رغم أنك لم تعد تشعر بنفس الحافز أو المتعة كما في البداية، العادة قد تستمر ببساطة لأنها مرتبطة بسياق معين، مثل الجلوس في نفس المكان أو الكتابة في نفس الوقت كل يوم، على الرغم من أنك لم تعد تجد نفس القيمة أو الدافع وراء الكتابة كما كانت الحال في البداية.

اقرأ: 8 تقنيات يابانية فعّالة للتغلب على الكسل: كيف تتبنى الانضباط الياباني في حياتك؟

كيف نتحرر من سيطرة العادات؟

عندما نواجه العادات غير المرئية التي تتحكّم في حياتنا بشكل غير واعٍ، يصبح الوعي هو السلاح الأقوى الذي يمكننا استخدامه للسيطرة عليها وتوجيهها نحو التغيير الإيجابي، تبدأ عملية هذا الوعي بتقييم العادات اليومية التي تمارسها بشكل روتيني، سواء كانت بسيطة أو معقدة، من خلال أداة قوية يقترحها جيمس كلير، مؤلف الكتاب الشهير “العادات الذرية”، هذه الأداة هي ما يُطلق عليه “بطاقة أداء العادات”، وهي وسيلة لتوثيق وتسجيل كل عادة يومية تمارسها، ومن ثم تقييم تأثير كل منها على حياتك، من خلال هذه البطاقة، يمكنك تحديد العادات التي تؤثر بشكل إيجابي على حياتك، وكذلك تلك التي لها تأثير سلبي أو محايد.

قد يكون من السهل أن نتجاهل هذه العادات، خاصة عندما تكون غير مؤذية بشكل مباشر، ولكن إذا كانت تُسهل الحياة دون أن تُضيف قيمة حقيقية أو تطوّر نحو الأفضل، فقد حان الوقت لإعادة النظر فيها

قد تبدو بعض العادات المحايدة التي نمارسها بشكل يومي غير ضارة، بل وأحياناً تكون جزءاً من الروتين الذي يساعدنا في أداء المهام اليومية، لكنها تستحق التقييم والتحليل بشكل دوري، قد يكون من السهل أن نتجاهل هذه العادات، خاصة عندما تكون غير مؤذية بشكل مباشر، ولكن إذا كانت تُسهل الحياة دون أن تُضيف قيمة حقيقية أو تطوّر نحو الأفضل، فقد حان الوقت لإعادة النظر فيها، هذه العادات قد تأخذ مكاناً في حياتنا دون أن تساهم في تحسين الأداء، لذلك، تقييم هذه العادات بين الحين والآخر يتيح لك فرصة اتخاذ قرارات أكثر وعياً بشأنها، ويفتح المجال للتخلص من العادات غير الفعّالة أو المحايدة وإيجاد بدائل تعود عليك بفوائد حقيقية في حياتك اليومية.

العادات غير المرئية تُشكّل القوة الخفية التي تقود حياتنا بشكل يومي، تعمل كالمحرك الصامت الذي يوجه سلوكياتنا وأفعالنا من دون أن نشعر أو نولي اهتماماً لها، هذه العادات تتسلل إلى حياتنا تدريجياً وتصبح جزءاً من روتيننا اليومي، إلى درجة أنّ تأثيرها يصبح غير مرئي في كثير من الأحيان، ومع ذلك، لا يجب أن نعتقد أنّ هذه العادات هي قدر محتوم أو أمر لا يمكن تغييره، على العكس، فهمنا العميق لتكوّن العادات وطريقة عملها، بالإضافة إلى إدراكنا لتأثيراتها الخفية على حياتنا اليومية، يمكن أن يكون المفتاح الذي نحتاجه للعيش بطريقة أكثر وعياً، ومن خلال هذا الفهم، يمكننا اتخاذ خطوات عملية لتحديد العادات التي تدعم أهدافنا وقيمنا الشخصية، وتعديل أو التخلص من تلك التي تقيّدنا أو لا تتماشى مع مسيرتنا في الحياة، ونتخذ خيارات واعية ومدروسة تنبع من وعي داخلي يُوجهنا نحو حياة أكثر توازناً.

والآن، هل أنت مستعد لتحدي عاداتك اليومية واكتشاف كيف يمكن لتغيير بسيط أن يقودك نحو حياة أكثر وعياً لأهدافك؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.