كيف يمكن لـ 60 دقيقة يومياً أن تغيّر حياتك؟

عبدالله عباس

الالتزام البسيط، الذي يبدو للكثيرين مجرد خطوة صغيرة يمكن تجاهلها، هو في الواقع سر النجاح المستدام، قد يبدو هذا الالتزام وكأنه أمر يسير لا يتطلب جهداً كبيراً أو تضحيات عظيمة، لكنه يحمل في طياته القدرة على إحداث تغييرات جوهرية في حياتنا، ورغم بساطته، فإنّ الكثير من الناس يتجنّبونه، إما بسبب قلة الإيمان بفعاليته أو بسبب الانشغال الدائم بالأشياء الأخرى التي تبدو أكثر إلحاحاً، ومع ذلك، فإنّ هذا الالتزام الصغير قد يكون هو العامل الفاصل بين الركود والتقدم، بين حلم بعيد المنال وواقع ملموس، مثل بذرة تُزرع في تربة صغيرة، ومع مرور الوقت، تنمو هذه البذرة لتصبح شجرة قوية، تُثمر ثماراً طيبة في كل جانب من جوانب الحياة.

ساعة واحدة، 60 دقيقة، 3600 ثانية، جميعنا نمتلك 24 ساعة في اليوم، ولكن بطريقة ما، تبدو فكرة تخصيص ساعة واحدة فقط يومياً للكتابة أمراً شاقاً بالنسبة لمعظم الناس.

من المثير للاهتمام أنّ ساعة واحدة فقط من وقتنا اليومي هي ذاتها التي نقضيها دون تفكير في متابعة حلقة من مسلسل مفضل، نستغرقها عبر شاشات وسائل التواصل الاجتماعي باحثين عن لحظات من الترفيه السريع، أو نستهلكها في حوارات عابرة، غالباً بلا هدف واضح سوى قتل الوقت، هذه الساعة التي تمر علينا تبدو كأنها جزء طبيعي من يومنا، مألوف ولا يحتاج إلى تفسير، لكنها تأخذ طابعاً مختلفاً تماماً عندما نفكر في استثمارها في شيء منتج مثل الكتابة، فجأة، تتحوّل الساعة نفسها إلى مهمة صعبة ومعقدة، وتبدأ الأعذار بالتكاثر كأنها سحابة ثقيلة تحجب الفكرة ذاتها، “لا أملك الوقت”، “لستُ مستعداً بعد”، أو “يمكنني القيام بذلك غداً”؛ كلها عبارات تتردد في أذهاننا، كأنّ عقولنا تسعى لتجنب مواجهة التحدي، الغريب أنّ هذه الساعة نفسها، التي نتعامل معها وكأنها ليست ذات قيمة في روتيننا العابر، يمكن أن تكون المفتاح لتغيير حياتنا بالكامل إذا ما قررنا أن نمنحها لغرض يستحق، كأن نكتب أفكارنا، نطوّر شغفنا، أو حتى نخلق من خلالها شيئاً جديداً يعكس ذواتنا الحقيقية.

اقرأ: 10 دروس من 10 سنوات من الكتابة

اقرأ: رحلة نحو الإتقان: كيف تعلّمتُ أن أعيش حياة الوعي والإبداع؟

لماذا؟

السبب في شعورنا بأنّ ساعة واحدة تبدو كأنها “اختيارية” يعود إلى كونها لا تندرج ضمن الأولويات الحتمية التي لا يمكننا الاستغناء عنها مثل الأكل أو النوم أو الالتزامات العملية اليومية، تلك المساحة الرمادية التي لا تبدو ملحّة، ولهذا السبب نتعامل معها بخِفة، معتقدين أنها مجرد وقت إضافي يمكننا استخدامه أو تركه دون تأثير يُذكر، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك التصوّر السطحي، فهذه الساعة، التي نميل إلى التقليل من شأنها، ليست “اختيارية” بالمعنى الحقيقي؛ بل هي اللحظة الكامنة التي يمكن أن تكون الجسر بين حياة عادية تتكرر تفاصيلها يوماً بعد يوم، وبين مسيرة مليئة بالإبداع والإنجازات الأدبية، تلك الساعة، إذا ما استثمرناها بوعي وتخطيط، يمكنها أن تتحوّل إلى الوقت الذي نكتشف فيه صوتنا الكتابي، نبتكر فيه فكرة جديدة، أو نُحدث تغييراً في مسارنا الإبداعي، وهي المفتاح الذي قد يُطلق إمكاناتنا الكامنة ويجعل من أحلامنا الأدبية واقعاً ملموساً.

إذا كنت تؤمن بمفهوم أنّ الكتابة هي مزيج من الموهبة والممارسة، فإنّ هذه الساعات المتراكمة ستكون بمثابة استثمار فِعلي في تحسين مهارتك وإنتاج أعمال أدبية تستحق التقدير.

قد تبدو ساعة واحدة يومياً صغيرة، لكن حين نجمعها على مدى أسابيع وشهور، تصبح شيئاً عظيماً:

7 ساعات في الأسبوع: ما يعادل يوم عمل كامل يمكنك تخصيصه لكتابة مقال، أو تخطيط رواية جديدة.

30 ساعة في الشهر: هذا كافٍ لإنهاء كتابة فصول كاملة لرواية أو مجموعة قصصية.

365 ساعة في العام: أكثر من 15 يوماً متواصلة من الإبداع، وهي مدة كافية لإنهاء رواية كاملة.

إذا كنت تؤمن بمفهوم أنّ الكتابة هي مزيج من الموهبة والممارسة، فإنّ هذه الساعات المتراكمة ستكون بمثابة استثمار فِعلي في تحسين مهارتك وإنتاج أعمال أدبية تستحق التقدير.

كيف غيّرت ساعة واحدة يومياً حياتي ككاتب؟

قبل سنوات، كنت أقف في نفس المكان الذي وقف فيه الكثيرون من عُشاق الكتابة، أولئك الذين يَرون الكتابة حلماً، يلمع في الأفق كنجمة ولكنها بعيدة جداً عن متناول اليد، كنتُ أعيش في دوامة من التمنيات المؤجلة، أقول لنفسي: “سيأتي يومٌ ما أمتلك فيه الوقت الكافي لأكتب”، كانت تلك العبارة تتردد في داخلي وكأنها وعد صادق، لكنها كانت في حقيقتها، مجرد وَهْم أعلّق عليه أحلامي، كنتُ أبحث دائماً عن “الوقت المثالي”، عن تلك اللحظة السحرية التي سأجلس فيها بلا انشغالات، وأمسك القلم أو أفتح الحاسوب لأكتبَ شيئاً يستحق أن يُقرأ، لكن الحقيقة القاسية كانت أنّ هذا “اليوم” الذي انتظرته لم يأتِ أبداً، كنت أُسكتُ صوت الإلهام بداخلي بتبريرات واهية، وأدع الأيام تمر دون أن أخطو خطوة واحدة نحو تحقيق هذا الحلم، كنتُ غارقاً في وَهْم أنّ الظروف المثالية ستأتي من تلقاء نفسها، ولم أدرك حينها أنّ الكتابة ليست لحظة تنتظرها، بل قرار تصنعه.

ثم قررت تجربة شيء بسيط: أن أكتب لمدة ساعة واحدة يومياً.

الأسبوع الأول: بدأتُ بمحاولة الكتابة الحرّة، كتبتُ كل ما يخطر على بالي دون التفكير في الجودة، في البداية شعرتُ بالإحباط، لأنّ كلماتي بدَت مُتعثرة وغير مترابطة، لكنني واصلت.

الشهر الأول: بدأت الأمور تأخذ منحى أكثر تنظيماً، قمتُ بوضع مخطط لمجموعة من الأفكار وبدأتُ أكتبُ يومياً بناءً على خطة واضحة، الساعة التي كنتُ أخصصها كل يوم لم تعُد تُشعرني بالقلق؛ بل أصبحت شيئاً ممتعاً.

بعد ثلاثة أشهر: كنتُ قد كتبت مسودة لرواية قصيرة، وتعلمتُ الكثير عن نفسي ككاتب، اكتشفتُ أسلوبي الخاص، وطوّرتُ صوتي الأدبي، وشعرتُ بمتعة الإنجاز التي كانت تفوق أي شعور آخر.

تلك الساعة اليومية غيّرت حياتي، أصبحتُ أكثر انضباطاً وتركيزاً، والأهم من ذلك، أصبحتُ مؤمناً بقدرتي على تحقيق أحلامي الأدبية.

الكتابة، بطبيعتها، عملية تراكمية، تحتاج إلى صبر وثبات، ومع ذلك، يتوقف الكثيرون عن المحاولة لأنهم لا يَرون نتائج فورية، متجاهلين أنّ كل كلمة تُكتب تُضيف لبنة إلى بناء أكبر.

لماذا يتجنب الناس هذا الالتزام البسيط؟

على الرغم من أنّ تخصيص ساعة واحدة يومياً للكتابة يبدو بسيطاً، إلا أنّ العديد من الأشخاص يجدون صعوبة كبيرة في الالتزام بذلك، هذه الصعوبة لا تأتي من نقص الوقت بقدر ما تأتي من العوائق النفسية والعادات التي نعتمدها، والتي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط أساسية.

أولاً: هناك الشك في قيمة الخطوات الصغيرة، نحن نعيش في عصر مهووس بالنتائج السريعة، يُنظر إلى التقدم البطيء على أنه غير كافٍ أو غير ذي جدوى، لكن الكتابة، بطبيعتها، عملية تراكمية، تحتاج إلى صبر وثبات، ومع ذلك، يتوقف الكثيرون عن المحاولة لأنهم لا يَرون نتائج فورية، متجاهلين أنّ كل كلمة تُكتب تُضيف لبنة إلى بناء أكبر.

ثانياً: هناك الخوف من الفشل، وهو ما يجعلنا نتردد قبل أن نبدأ، الكتابة تعني مواجهة عيوبنا وعرض أفكارنا للآخرين، ما يجعل الكثيرين يخشون أن تكون كلماتهم غير جيدة بما يكفي أو أن تُقابل كتاباتهم بالنقد أو الرفض، لكن الحقيقة البسيطة هي أنّ كل كاتب مرموق كان يوماً ما مبتدئاً مليئاً بالعيوب والشكوك.

ثالثاً: هناك مشكلة إدارة الوقت أو الشعور بعدم وجوده، العبارة الشهيرة “أنا مشغول جداً” تصبح العذر المثالي لتجنّب الكتابة، لكن إذا نظرنا بصِدق إلى يومنا، سنجد أننا نُضيّع ساعات في التمرير العشوائي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاهدة التلفاز، التخلي عن ساعة واحدة من هذه الأنشطة يمكن أن يفتح لنا باباً لتحقيق إنجازات أدبية لا تُقدر بثمن.

اقرأ: لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب

اقرأ: كيف غيّرت الكتابة اليومية حياتي في شهر؟

اقرأ: كيف تكتب 1000 كلمة في 30 دقيقة؟

أين يمكن أن تكون بعد عام من الآن؟

تخيّل لو أنك قررت تخصيص ساعة واحدة يومياً للكتابة، فقط ساعة واحدة تُكرّسها بصدق لهذا الفن، كيف يمكن أن يبدو شكل حياتك بعد عام من الالتزام؟ إذا كنتَ مبتدئاً في عالم الكتابة، فإنّ تلك الساعة اليومية ستُتيح لك فرصة بناء أساس قوي؛ ستتمكّن من خلق قصص قصيرة مليئة بالشخصيات المفعمة بالحياة والمواقف الآسرة التي قد تفاجئك أنتَ قبل أن تُفاجئ القارئ، أما إذا كنتَ كاتباً متوسط المستوى، فسيصبح بإمكانك إنجاز ما يبدو اليوم مستحيلاً: مسودة رواية كاملة، تحكي قصتك وبإسلوبك الخاص، هذه الرواية قد تكون الخطوة الأولى نحو بناء اسمك الأدبي، وإذا كنتَ كاتباً يسعى لتطوير أسلوبه وتحسين أدواته، فإنّ ساعة واحدة يومياً ستأخذك في رحلة عميقة نحو اكتشاف صوتك الأدبي الفريد، ذلك الصوت الذي يُميّزك عن غيرك ويُبهر من يقرأ كلماتك، ستتعلّم صقل مهاراتك، وتجربة أساليب سرد جديدة، ومواجهة نقاط ضعفك الإبداعي، وفي نهاية العام، لن تكون مجرد كاتب أفضل؛ ستكون نسخة أكثر إبداعاً وإصراراً من نفسك، وستكون قد حققتَ ما كنتَ تراه حلماً بعيد المنال.

وعد صغير لنفسك

كل ما يتطلّبه الأمر هو قرار بسيط: ساعة واحدة يومياً، أحضر دفتر وقلم، أو افتح صفحة على جهازك، وابدأ، اكتب هدفك الذي لن تتخلى عنه وستلتزم بتحقيقه، وخصص ساعة واحدة لأجله، لا تخف من أن تُخطيء أو أن يُصيبك الإحباط، التقدم قد يكون بطيئاً في البداية، لكنه مع الوقت يتحوّل إلى زخم قوي يدفعك نحو تحقيق أهدافك.

قد تكون ساعة يومياً هي كل ما تحتاجه لتغيّر حياتك وتصبح الكاتب الذي لطالما أردتَ أن تكونه.

والآن، ما الذي ستكتبه في الـ60 دقيقة القادمة؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق