كيف تثق بنفسك ككاتب؟

محمد البلوشي

في عالم الكتابة الثقة هي الشيء الذي لا يمكن رؤيته، لكن تأثيره يكون واضحاً، وكلما حاولت تجاهله، شعرت أن بُنيانك يتمايل، وكأنك تسير على أرض تهتز، والثقة هي كيان يتشكّل ببطء، أشبه ببذرة تُزرع في تُربة من الشكوك، ويُسقى بعرق الصبر وتأمّل النفس، وتُولد في اللحظة التي ينظر فيها الكاتب إلى ورقته البيضاء لا كعدوٍّ صامت بل كمرآة تعكس أعماقه، فكل كلمة هي قرار يواجه به الكاتب خوفه من الفشل، وجرأته على أن يكون حقيقياً، لكن، في عالم يغص بالنصائح المتناقضة، والقواعد التي تبدو كأقفالٍ تُوصد أبواب الإبداع، يكمن التحدي الأعظم: كيف يمكن للكاتب أن يثق بصوته الخاص وسط صخبِ الأصوات التي تحاول أن تصوغ تجربته بدلاً عنه؟ والثقة استعداد للسير في ظلام الأسئلة دون خوف من السقوط، ولحظة يتصالح فيها الكاتب مع هشاشته، فيدرك أنّ الشك ذاته ليس عدواً بل جزء من الرحلة، وأنّ الثقة هي خطوات بطيئة نحو الذات، رغم العثرات والصمت، وكل الشكوك التي تحيط بالطريق.

الكتابة في جوهرها فن عظيم، تتناغم مع العقل في رقصة معقدة تتطلّب تعلّم مستمر وانضباط صارم، وتتأرجح بين العاطفة والتقنية، بين الاندفاع الفطري نحو الإبداع وبين الحاجة إلى تقويم الكلمة وتنظيمها، هناك لحظات يتدفق فيها النص كما لو كان ينبع من أعماق القلب، من شعور عميق ورغبة مُلحة في التعبير عن التجربة الإنسانية بكل ما فيها من فرح وحزن، ومن تساؤلاتٍ حائرة تبحث عن إجابة في غياهب الفكر، لكن وراء كل تلك اللحظات الملهمة، هناك جانب آخر يتطلّب منك أن تكون حريصاً على صقل مهارتك، وتطوير أدواتك الكتابية، وأن تتحلى بالقدرة على الاستفادة من التقنيات والطرق التي تُحوّل الأفكار العفوية إلى عمل فني مكتمل، وفي هذه المسافة الدقيقة بين القلب والعقل، يكمن التحدي الحقيقي للكاتب: أن يكتب قصة تمثل روحاً حية، تحمل بصمته الخاصة، بينما يلتزم في الوقت ذاته بقواعد اللعبة، تلك القواعد التي قد تبدو وكأنها تُقيّد الخيال لكنها في الواقع تمنحه إطاراً يسمح له بالتحليق بحُرية دون أن يفقد بوصلة الهدف، الكتابة هي معركة مستمرة بين الرغبة في التحرر من القيود والإصرار على الانضباط، بين حرية التعبير وضرورة الشكل، وفي هذه المساحة بين الفوضى والنظام يتولّد الفن الحقيقي.

اقرأ أيضاً:

رحلة الكاتب: من النقد إلى الإبداع، كيف تنمو ككاتب رغم التحديات؟

كيف يمكن لـ 60 دقيقة يومياً أن تغيّر حياتك؟

القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتباً؟

عندما تبدأ رحلتك في عالم الكتابة، ستجد نفسك محاطاً ببحرٍ واسع من النصائح المتناقضة، بحر مليء بالكائنات الذي تصرخ: “اتبع القواعد!” وأخرى تهتف بنبرة متفائلة: “اكسرها!” وبين هذا الصخب الفوضوي وتلك الأصوات المتعددة، تبدأ في البحث عن بصيص من النور يدُلك على الطريق الصحيح، ومع مرور الوقت، تكتشف أنّ الصوت الذي ينبغي أن تُنصت إليه هو الصوت العميق الذي ينبع من داخلك، الصوت الذي يُعرّفك على نفسك، صوتك أنت، قد تكون تلك النصائح التي تتلقاها مفيدة في بعض الأحيان، وتحمل دروساً قد تساعدك على تحسين تقنياتك الكتابية وصقل مهاراتك، ولكن يجب عليك أن تكون حذراً، ألا تتحوّل هذه النصائح إلى قيدٍ يسلبك القدرة على التعبير بحُرية، فإتقان الحبكة أو ضبط الإيقاع قد يكون جزءاً من الحِرفة، لكنه ليس جوهر الكتابة، ولا هدفها الأسمى، الكتابة في عمقها، انعكاس حقيقي لما نحمله في دواخلنا، لما يُشكّل وجودنا ويجعلنا نُدرك من نحن في هذا العالم، هي الكلمة التي تنبضُ بحياة القلب، الفكرة التي تُشرق من الوعي، والمشاعر التي تتنفس على الورق، الكتابة هي مرآة لما نعيشه، للألم، للفرح، وللتساؤلات التي لا نجد لها إجابة إلا عبر الحروف، وفي خضم هذا الزخم من النصائح المتضاربة، يجب عليك أن تسعى لتكتشف صوتك الشخصي، ذلك الصوت الذي يُحاكي حقيقتك، ويمنحك القوة لتبني عالمك الخاص على الورق، بعيداً عن أي قيد أو إطار قد يحُد من خيالك.

لم تكن القصة مجرد حكاية، بل كانت جزءاً من كياننا، نَمت فينا كما ينمو الجذر في الأرض، تُغذي روحنا وتسكُنها، وأضحت دليلاً قوياً على أنّ القصة هي لغة أزلية تتناغم مع الفطرة الإنسانية.

كل إنسان، سواء كان كاتب أو قارئ، يحمل في أعماقه فهم غريزي عميق للقصة، يمتد إلى ما هو أبعد من الكلمات والجُمل التي تُقال، هذا الفهم ليس وليد اللحظة، بل هو موروث، متجذر فينا منذ أيام الطفولة، حين كنا نروي الحكايات لأنفسنا أو نستمع إليها من أمهاتنا وجداتنا، وتغرق عقولنا في عوالمها المليئة بالأبطال والمغامرات، كنا نعيش تلك القصص بكل تفاصيلها، وكان ذلك الارتباط العاطفي هو أصدق وأقوى أشكال الفهم، ففي تلك اللحظات، لم تكن القصة مجرد حكاية، بل كانت جزءاً من كياننا، نَمت فينا كما ينمو الجذر في الأرض، تُغذي روحنا وتسكُنها، وأضحت دليلاً قوياً على أنّ القصة هي لغة أزلية تتناغم مع الفطرة الإنسانية.

وعندما تبدأ في الكتابة، وتصل إلى نقطة تشعر فيها بأنّ شيئاً ما في نصك يبدو صائباً أو خاطئاً، يجب أن تستمع إلى تلك المشاعر التي تنبع من أعماقك، لأنّ هذه المشاعر هي بوصلة الروح التي تهديك إلى الطريق الصحيح، لا تتسرع في التساؤل: “هل هذا يتماشى مع القواعد؟” لأنّ القواعد هي مجرد أدوات لتشكيل الهيكل، الأهم من ذلك، هو أن تسأل: “هل هذا يعكس حقيقتي؟” لأنّ الكتابة في جوهرها هي عملية اكتشاف للذات، عملية تقليب للأعماق ورؤية الكون من خلال عيونك، الكتابة لا تكون حقيقية إلا عندما تكون صادقة، وعندما تنبع من مكان عميق في نفسك، مكان يعكس الأمل، والخوف، والحُلم، والشك، كل تلك المكونات التي تجعلنا بشراً، فما تكتبه يجب أن يكون مرآة لوجودك، وأنت تكتب لا من أجل أن تلتزم بالقواعد الجافة، بل من أجل أن تُعبر عن حقيقة ما تعيشه، لتسمح لكلماتك بأن تفتح نوافذ للأفكار، وتغذي القلوب بعنفوان الإحساس وصدق التجربة.

والكتابة تمر بمراحل تطوّر شبيهة بمراحل النمو الإنساني، في البداية، يبدأ الكاتب من نقطة الجهل البسيط، يعتقد أنّ الكتابة مجرد كلمات على الورق، لكنه يدرك أنه مخطيء، فتبدأ رحلة البحث عن المعرفة، من الكتب، من المعلمين، ومن التجارب الشخصية، ثم تأتي مرحلة التنفيذ الغريزي، حيث يعرف الكاتب دون وعي كامل بما يفعله، فيكتب بشكل تلقائي رغم أنه لا يدرك تماماً كيفية تكامل عناصر الكتابة، وفي النهاية، يصل إلى مرحلة الإتقان عندما يمتزج الوعي بالغريزة، ليصبح الكاتب على دراية تامة بما يكتب، فتتداخل معرفته مع إحساسه العميق ليخلق نصاً أصيلاً يعكس روحه، ويمتزج عقله وقلبه في سُطور حقيقية.

وغالباً ما يقع الكُتاب في فخ صراع داخلي بين الجهل والكمال، وبين ما يعرفونه وما يجب أن يعرفوه، فالجهل في ذاته ليس عيباً، بل هو نقطة الانطلاق الحقيقية التي تدفعك للتعلّم والنمو، والفضاء الذي تنمو فيه الأسئلة، وتُولد فيه الأفكار، وتبدأ فيه رحلة البحث عن الحقيقة، أما طلب الكمال، فيصبح فخ يتحوّل إلى عبء، وتهديد للحرية الإبداعية، ويزرع في داخل الكاتب خوف مُزمن من الفشل ويجعل منه سجناً، كما يخشى الكاتب من ارتكاب الأخطاء التي هي في الحقيقة، المصدر الأصيل للنضوج، فالإبداع يتطلب انفتاحاً على الفوضى، والتجربة، والانكسار، ويجب أن ترى الجهل كرفيقٍ يقودك نحو اكتشافات جديدة، وأن تتعلّم من أخطائك لا لتُثبت لنفسك أنك على صواب، بل لكي تُعزز قدرتك على طرح الأسئلة التي تفتح أمامك أبواب الإبداع، استخدم فضولك وجرأتك على الفشل لتستكشف، وتتحرّر من الخوف الذي يقف عائقاً أمام تقدمك.

اقرأ أيضاً:

9 دروس تعلّمتها من الفشل في الكتابة

لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب

وبدلاً من استسلام الكُتاب لهذا الخوف الذي يستنزفهم، يمكنهم أن يوجهوا طاقتهم إلى شيء أسمى: الفضول، الفضول هو القوة التي تقودهم إلى أبعد مما يرونه أمامهم، وهو المفتاح الذي يسمح لهم بالانفتاح على تجارب وأفكار جديدة، والمحرك الذي يفتح لهم الأبواب المغلقة، ويمنحهم القدرة على اكتشاف أنفسهم بشكل أعمق، على نحو لا يتوقف عند حدود المألوف أو المسموح به، بالفضول، يصبحون أكثر قدرة على بناء قصصهم من خلال عدسة جديدة، خالية من قيود الخوف.

تبدأ رحلة الثقة بالنفس بالسؤال: “كيف أثق بنفسي ككاتب؟” وتنتهي بأن تتعلّم من الآخرين، دون أن تفقد صوتك، اعتمد على حدسك، اسمح لقصتك أن تكون انعكاساً حقيقياً لما تؤمن به.

والآن، هل أنت مستعد لاكتشاف الصوت الحقيقي داخل كل كلمة تكتبها؟ ولفضولك بأن يقودك إلى آفاق جديدة من الإبداع؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.