يوسف الخطيب
في تلك اللحظات التي يعجز فيها القلم وتغرق الكلمات في بحرٍ من الصمت، تنسحب الروح إلى عالم آخر، عالم القراءة، الذي يتحول فيه النص إلى مرآة تلتقط همسات الذات وتُعيد ترتيب شظايا الأفكار المتناثرة، حينما يصبح التعبير المكتوب عبئاً ثقيلاً، وتنهار الجسور التي تربط بين القلب والحرف، يكون للقراءة دور السحر الذي يوقظ في النفس بريقاً من الإلهام ويُعيد لها حيويتها.
في مقهى قديم على زاوية شارعٍ ضيق، يجلس الكاتب مستسلماً لغياب الكلمات، تتداخل أشعة الشمس الخافتة مع رائحة القهوة المُرة، وتصبح اللحظة بمثابة محطة انتظار لعودة الشغف الذي ضاع بين تقلبات الأيام، هناك، بعيداً عن صخب الأفكار والهموم اليومية، ينفتح الكتاب كنافذة لعالمٍ آخر؛ عالمٌ لا تحتاج فيه الكلمات إلى صقل أو تلميع، بل تُدعَى الأحاسيس لتسكن بين دفتيه، في هذا الركن الهادئ، يصبح القارئ عابراً إلى عوالم الماضي والحاضر، إلى ذكريات مُفعمة بالأمل وحكايات تروي معاناة الإنسان في صراع دائم مع ذاته.
حين يعجز الكاتب عن تركيب جُمل جديدة، تتبدل القراءة إلى ملاذٍ من الترانيم الصامتة التي تنطقُ بمعانٍ لا يُمكن للكلمات أن تصوغها، ففي صفحات الكُتب تجد الأرواح المتعبة ملاذها، وتنمو البذور الخفية للإبداع في تربةٍ خصبة من التأمل والحنين.
ليس من النادر أن يمرّ الإنسان بلحظاتٍ يشوبها شعورٌ عميق بأنّ التعبير المكتوب لم يعد قادراً على مجاراة عواطفه، وأنّ الكلمات باتت غير قادرة على حمل أثقال الحياة دون الإلهام، في مثل هذه الأوقات، تلجأ الروح إلى القراءة لتستجمع شتات نفسها، فتتحوّل إلى رحلة تأملية غامرة تمتد بين طيّات الكتب القديمة والمعاصرة على حد سواء.
هناك في زوايا القصص وروايات المغامرة والفنتازيا، تتراقص الأفكار في انسجامٍ رقيق مع صور الطبيعة والذكريات، تُقرأ الروايات كما لو كانت أوراقاً من مفكرة الزمن، تسرد حكايات منسية تعيد للروح حماسها وتلهمها بأملٍ جديد، يصبح النص عند القراءة أكثر من مجرد سرد للأحداث، ويتحوّل إلى محيطٍ واسعٍ تسبح فيه الروح بحثاً عن تلك القِطع المفقودة من ذاتها، التي لا يقدر عليها إلا صمت الكتب وروعة السرد.
وفي كل صفحةٍ تُفتح، يُسمح للعقل بأن ينطلق في رحلةٍ لا حدود لها؛ رحلة تقوده عبر ذكريات الطفولة، وأحلام الشباب، وألم الفراق، وفرح اللقاء، فتلك اللحظات التي تبدو فيها الكتابة ميتةً باردة، تجد فيها القراءة نبض الحياة الذي لا ينضب، يُحيي المعاني ويمحو أثر الإحباط.
حوارٌ صامت بين الكاتب القديم والروح المعاصرة، في كل كتاب تنقضي سطوره، يُخَبِّرنا الزمن عن حكايات لم تُروَ بعد، وعن أسرارٍ مخفيةٍ لا يفصح عنها إلا من يعرف كيف يستمع لصوت الصمت، حينما تتوقف الكتابة وتخلو الأوقات من ضجيج التعبير، يصبح للقارئ موعدٌ مع ذاكرتنا الجمعية، مع كل ما شغفنا به في أيام مضت، ومع كل تجربة أدبية قد رسمت على صفحة الروح خطوطًا من الفخر والحنين.
يتحوّل القارئ في هذه اللحظات إلى مستكشفٍ لعوالم مجهولة، تتقاطع خلاله الخطوط بين الواقع والخيال، وينساب الحلم كجدولٍ من المياه العذبة بين ثنايا الفكر، كل نص، وكل جملة، تحمل في طياتها آثار الزمن ورائحة ورق الكتب العتيق، لتصبح بذلك بمثابة جسرٍ يعبُر به الإنسان من حالة اليأس إلى وئام الروح مع ذاته.
في أروقة الأدب، يلتقي الكاتب مع أناسٍ عاشوا لحظاتٍ مماثلة، وعبّروا عن ألمهم وسرورهم بطريقةٍ جعلت من كل نصٍ درساً في الحياة، ومن خلال قراءة تلك النصوص، يبدأ القلم في التوق إلى العودة، مستمداً من قوة الحكايات وعذوبة العبارات ما يُشعل له فتيل الإبداع، ففي هذا التقاطع بين القراءة والكتابة، نجد أنّ كلاً منهما يُثري الآخر؛ فالقراءة تُغذي الفكر، والكتابة تُعيد تنسيق الأفكار في سيمفونية من الكلمات.
ورحلةٌ تتخللها تساؤلات عميقة: ما الذي يجعلنا نختار القراءة حين تنطفئ مشاعل الإبداع؟ وهل القراءة بمثابة انعكاسٍ لذاتنا، أم أنها مفتاحٌ لإعادة اكتشاف ذاك الشغف المدفون؟ في هذا الحوار الداخلي، يصبح الكتاب رفيقاً حميماً، وشاهداً على التجارب التي خاضتها الروح في صمتها.
لا يُمكن إنكار أنّ القراءة تحمل قوةً خارقةً؛ فهي تلك الشرارة التي قد تُعيد للقلم روعته، وتفتح له آفاق جديدة بعد أن ظن أنه فقد القدرة على التعبير، فكلما انخرط القارئ في عمق نصٍ مؤثر، تنساب فيه لمحاتُ من الإلهام، فتبدأ الأفكار تنسج خيوطها في فضاء العقل، وتعود الكلمة لتُطل من جديد، كما لو أنها كانت مجرد قسطٍ من سكونٍ مؤقت.
في أروقة الأدب، يلتقي الكاتب مع أناسٍ عاشوا لحظاتٍ مماثلة، وعبّروا عن ألمهم وسرورهم بطريقةٍ جعلت من كل نصٍ درساً في الحياة، ومن خلال قراءة تلك النصوص، يبدأ القلم في التوق إلى العودة، مستمداً من قوة الحكايات وعذوبة العبارات ما يُشعل له فتيل الإبداع، ففي هذا التقاطع بين القراءة والكتابة، نجد أنّ كلاً منهما يُثري الآخر؛ فالقراءة تُغذي الفكر، والكتابة تُعيد تنسيق الأفكار في سيمفونية من الكلمات.
إنه عالمٌ تتشابك فيه الأحاسيس وتتلاقى الأفكار مع الذكريات، ويصبح النص بمثابة علاجٍ للأرواح المتعبة، ونافذةً يُطل منها الإنسان على مشاهد من عالمه الداخلي الغني، هنا، يُسمح للخيال بأن يسرح بحرية، وللعاطفة أن تنبض بقوة، حتى يعود الشغف بالكتابة متألقاً كما كان في أيام الشباب.
اقرأ أيضاً
لماذا تُعد كتابة المقالات أداة التعلّم الأفضل في التاريخ؟
رحلة نحو الإتقان: كيف تعلّمتُ أن أعيش حياة الوعي والإبداع؟
لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب
قواعد الكتابة؟ نحن لا نحتاج إلى قواعد!
قد يتساءل البعض: “ماذا تقرأ حين يتوقف الحبر عن السرد؟” الإجابة تكمن في أنّ القراءة في مثل هذه اللحظات تُعيد للروح صفاءها وتُثبّت أقدامها على أرض الهوية، وتنطلق في رحلة تأملية تُعيد للمرء وعيه بذاته، وتجعله يسترجع ذكريات دفينة لم تعد تسمح لها الأيام بالظهور.
تتراقص الصور في ذهن القارئ، ويبدأ الماضي في التمازج مع الحاضر في مشهدٍ سينمائيٍ يحرك أوتار الوجدان، من خلال قراءة الروايات والشعر والنصوص الأدبية، يستعيد الإنسان جوانب من ذاته، وتُعيد البناء على أسسٍ متينة من المعرفة والحس الإنساني، فيصبح كل كتابٍ يُقرأ صفحةً من صفحات السيرة الذاتية التي تُلهم الحياة، وتُعيد صياغة قصة الإنسان كقصة تستحق أن تُروى بحبٍ وشجنٍ، ورحلةٌ حميميةٌ مع الزمن، تُعلمنا أنّ لكل مرحلةٍ في حياتنا طعمها الخاص، وأنّ كل كلمة تُقرأ تُعيدنا إلى جزءٍ من ذواتنا المفقودة.
وفي نهاية هذه الرحلة الأدبية، نُدرك أنّ القراءة ليست مهرباً من الواقع، بل هي لقاءٌ صادق مع الذات، ويكون للقراءة فيها ذلك الدور السحري الذي يُعيد ترتيب الأوراق المبعثرة في دفتر الحياة، ويُضفي على الأيام رائحة من عبق الماضي وإشراقة المستقبل.
يصبح السؤال “ماذا تقرأ حين لا تريد الكتابة؟” ليس مجرد سؤال دار في الخاطر، بل هو تأملٌ في حالة الوجود، وحوارٌ مع الذات التي تبحث عن معاني أعمق في كل صفحة، تعود من خلالها الروح لتستمد قوتها من كلمات الماضي، وتتنفس أمل الحاضر، حينها، يعود القلم متلهفاً ليُحاكي نبض القلب، ويكتب من جديد حكايات عاشها الإنسان في صمتٍ مديد، حكايات تستحق أن تُروى لأنفسنا قبل أن تُكتب للعالم، فالقراءة هي البذرة، والكتابة هي الزهرة التي تنمو من رحم تلك البذور، لتضيء لنا طرق الحياة في كل فصل جديد من فصولها.
وتبقى القراءة رفيقنا الأمين حين يسكن الإبداع، وتظل النافذة التي نُطل منها على عوالم لا حصر لها، لتُذكّرنا دوماً بأنّ لكل حالةٍ فينا لونها الخاص، ولكل فترةٍ في حياتنا صوتٌ يتحدث بلغة الروح قبل أن يتحوّل إلى كلمات على الورق، وحين يذوب الحبر في نسيج الذكريات، نستعيد معناها من خلال قراءة تأملية تغذي القلب والعقل، وتعيد للقلم شغفه الذي طالما كان مرآة للروح، هنا، في هذه اللحظات الممطرة بالأحاسيس، نستشعر أنّ لكل نهاية بداية، وأنّ لكل صمتٍ حكاية تنتظر أن تُروى في يومٍ من الأيام.
ما رأيك، كيف تتعامل مع الكتابة عندما تتلاشى الكلمات؟ نرحب بمشاركتكم في التعليقات.


أضف تعليق