هديل حسين
هل فكرت يوماً ما الذي يجعل الكاتب الحقيقي متميزاً عن شخص يمسك بقلم أو ينقر على لوحة المفاتيح، وهل يخطر ببالك أنّ السر يكمن في موهبة فطرية، أو في قدرته على سكب آلاف الكلمات في جلسة واحدة، أو ربما في عدد الكتب التي يخلدها باسمه؟ دعني أشاركك حقيقة قد تغير نظرتك، يا صديقي الكاتب: الكتابة هي عقلية – نسيج معقد من التفكير والشعور والعيش يتشكّل ببطء عبر الزمن بالممارسة والانفتاح، فإذا كنتَ تشعر أنك بعيد عن هذا العالم، وتتكبد المشقة لتجعل الكتابة جزءاً من نسيج حياتك اليومية، فاعلم أنك لست وحيداً، فكثيرون يصطدمون بجدار الشك أو الإرهاق، لكن الجميل في الأمر أنّ هذه العقلية يمكنك بناؤها خطوة خطوة، كما يبني النحل خليته خليةً تلو الأخرى، متسلحاً بالوعي والجهد ونفحة من الصبر، فهل أنت مستعد لخوض هذه الرحلة واستكشاف كيف يمكن لعدسة الكاتب أن تكشف لك العالم من جديد؟
للكتابة عدسة سحرية تمنحك القدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة التي يغفلها الآخرون، فإذا شعرتَ أنّ أفكارك أصبحت كأوراق مبعثرة في ريح خريفية، أو أنّ الكتابة تحوّلت من متعة تنعش القلب إلى عبء ثقيل، فقد آن الأوان لتعيد النظر في طريقة تعاملك مع الكتابة، بأن تُمعن النظر في عقليتك الحالية، تكتشف الشقوق الخفية فيها وتعمل على ترميمها بلطف وحكمة، مستلهماً خطوات عملية من دروب الكُتاب الناجحين الذين شقوا طريقهم عبر الفوضى والصمت.
الخطوة الأولى: احتضن فضولك الداخلي
الكُتاب العظماء، في جوهرهم، يتميزون بفضول فطري يتدفق في أعماقهم، فضول يدفعهم لاستجواب العالم من حولهم، يطرحون أسئلة: لماذا يتصرف هذا الشخص بهذه الطريقة المميزة، ربما بدافع من أشواق خفية، أو ندم مدفون، أو أحلام لم ترى النور؟ ما القصة غير المروية التي تختبئ ضمن طيّات لحظة تبدو تافهة – نظرة عابرة من مارٍ، أو حفيف أوراق في حديقة خالية، أو ظل يلقيه مصباح شارع؟ كيف يمكن لفكرة واحدة هشة، كشرارة في الظلام، أن تشتعل وتنبسط لتصبح حكاية مترامية الأطراف تأسر القلب والعقل؟ لتشكيل عقلية الكاتب، يجب عليك أولاً أن توقظ ذلك الفضول الكامن الذي يغفو بداخلك، تُحركه من سباته حتى يتوهج بنور ساطع، يحثك على النظر إلى العالم بعيني طفل يراه للمرة الأولى – مفتوناً بانحناء نهر يشق طريقه عبر وادٍ، أو دموع طفل فقد والده في الحرب – وتتبنى كل فرصة لتهمس لنفسك “ماذا لو؟”، سواء كنتَ تتساءل إن كانت الريح تحمل همسات من ماضٍ بعيد، أو إن كان فنجان شاي يحمل ثقل حب ضائع، أو إن كانت خطوات عابر متعجلة تتبع مساراً نحو مصير غير مرئي، إلى لوحة لا حدود لها تنتظر فيها القصص أن تولد وتتنفس الحياة.
فكر في آخر مرة لاحظت فيها شيئ غريب أو مثير للاهتمام، هل كتبت عنه؟ إذا لم تفعل، فلماذا؟ احتضان الفضول يعني أن تُدرب نفسك على رؤية الإمكانيات في كل لحظة، وأن تثق بأنّ كل فكرة تستحق الاستكشاف، حتى لو لم تتحوّل إلى رواية كاملة.
ابدأ بممارسة بسيطة: خصص خمس دقائق يومياً لمراقبة محيطك وتدوين ما تلاحظه، لا تكتب جُملاً طويلة إذا لم تشأ، بل مجرد ملاحظات صغيرة، ومع الوقت، ستصبح هذه العادة جزءاً من طريقة تفكيرك، وتساعدك على جمع مادة خام لكتاباتك دون عناء.
الخطوة الثانية: راقب بدلاً من أن ترى فقط
الكاتب لا يرى العالم فحسب، بل يراقبه بعين ناقدة وحساسة، فتلك القهوة المسكوبة على حافة الطاولة الخشبية البالية قد لا تكون مجرد بقعة عشوائية، بل ربما شهادة صامتة على يوم عصيب عاشه شخص ما – رجل أعمال أرهقه اجتماع فاشل، أو أم أنهكها بكاء طفلها طوال الليل – وتلك الابتسامة الخافتة التي ارتسمت للحظة على وجه غريب، أو خسارة لروح غادرت تاركة فراغاً لا يُملأ، وهكذا فإنّ المراقبة مهارة دقيقة يمكن صقلها مع الزمن كما يصقل الصائغ جوهرة نادرة، لكن جذورها تكمن في الانتباه الواعي، تلك القدرة على النظر بعمق إلى الأشياء التي تمر أمامك، سواء كان ذلك صوت خطوات متعثرة على رصيف مبلل، أو رائحة خبز طازج تتسرب من نافذة، أو حتى تلك النظرة الضائعة في عيني بائع متجول، لتحويل كل ذلك إلى خيوط ذهبية تبني عوالم من الكلمات.
ابدأ بممارسة بسيطة: خصص خمس دقائق يومياً لمراقبة محيطك وتدوين ما تلاحظه، لا تكتب جُملاً طويلة إذا لم تشأ، بل مجرد ملاحظات صغيرة، ومع الوقت، ستصبح هذه العادة جزءاً من طريقة تفكيرك، وتساعدك على جمع مادة خام لكتاباتك دون عناء.
الخطوة الثالثة: تقبّل الفوضى الإبداعية
يميل الناس عادةً إلى الاعتقاد بأنّ الكتابة عملية منظمة ومنطقية تتبع خطوات واضحة كرسم خريطة طريق محددة المعالم، لكن الحقيقة تكشف عن وجه آخر أكثر تعقيداً وجمالاً، وتظهر الكتابة كعملية فوضوية وغير متوقعة تشبه عاصفة من الأفكار تهب دون سابق إنذار، وعقلية الكاتب لا تهرب من هذا الاضطراب أو تخشاه كما قد يفعل البعض، بل تستقبله بذراعين مفتوحتين، فتلك الأفكار المتناثرة التي تتطاير كأوراق الخريف في مهب الريح، والمسودات غير المكتملة التي تتراكم كأطلال مدينة قديمة تنتظر من يكتشفها، والجُمل التي تبدو في ظاهرها غير مترابطة كحبات لؤلؤ مبعثرة على الرمال، كل هذه العناصر هي لبنات أساسية في بناء العملية الإبداعية، كأنها فسيفساء تحتاج إلى صبر ونظرة ثاقبة لتجميعها، فالكاتب يعلم أنّ في قلب هذه الفوضى قد تولد قصة عظيمة، وأن الجمال الحقيقي للكتابة يكمن في قدرتها على احتضان اللامتوقع، سواء كان ذلك فكرة تطرق الباب في منتصف الليل، أو جُملة تتشكّل فجأة وسط ضجيج النهار، لتتحوّل تدريجياً إلى عالم كامل ينبض بالحياة على الورق.
إذا كنتَ تنتظر اللحظة المثالية لتبدأ الكتابة، أو تعتقد أنّ كل كلمة يجب أن تكون مثالية من المرة الأولى، فقد حان الوقت لتغيير هذا التفكير، تقبّل أنّ الكتابة رحلة مليئة بالتجارب والأخطاء، وأنّ الفوضى هي التربة التي تنمو فيها الأفكار العظيمة.
فكر في الأمر كالتزام بعلاقة: إذا أهملتها، ستذبل، لكن إذا منحتها وقتاً واهتماماً، ستنمو وتزدهر، اجعل الكتابة عادة، حتى في الأيام التي تشعر فيها أنك لا تملك ما تقوله.
الخطوة الرابعة: التزم بالممارسة اليومية
لا تتبلور عقلية الكاتب فجأة، هي أشبه بعضلة تحتاج إلى تمرين دؤوب ومنتظم لتنمو ويشتد عودها، وليس المقصود هنا أن تجلس كل يوم لتكتب رواية ضخمة بمئات الصفحات في جلسة واحدة كما يفعل بطل أسطوري في ملحمة خيالية، بل أن تجعل الكتابة جزءاً طبيعياً وحيوياً من نسيج حياتك اليومية، كما تشرب الماء أو تتنفس الهواء، فربما تكتفي بكتابة فقرة قصيرة تلتقط فيها لحظة عابرة – مثل وميض ضوء الشمس على نافذة مغبرة أو صوت مطر خفيف يطرق السقف – أو تسجل فكرة خطرت ببالك وأنت تمشي في الشارع، كأن تتخيل قصة عجوز يجلس وحيداً على مقعد في الحديقة، أو ربما تأخذ جُملة قديمة كتبتها في وقت مضى وتعيد صياغتها بلمسة جديدة، تضيف إليها نفساً مختلفاً كأنك تُعيد إحياء زهرة ذابلة بلطف، والسر يكمن في الاستمرارية، تلك القوة الهادئة التي تبني الجسور كحجر فوق حجر، يدرك الكاتب أنّ كل كلمة صغيرة تُضاف إلى روتينه هي خطوة نحو تقوية تلك العضلة الإبداعية، حتى تصبح الكتابة حالة وجود تنبض في كل لحظة، ومهما كانت الظروف أو التحديات التي تعترض الطريق.
فكر في الأمر كالتزام بعلاقة: إذا أهملتها، ستذبل، لكن إذا منحتها وقتاً واهتماماً، ستنمو وتزدهر، اجعل الكتابة عادة، حتى في الأيام التي تشعر فيها أنك لا تملك ما تقوله.
اقرأ أيضاً
لماذا يجب أن تُكمل ما بدأت؟ كيف يؤثر ترك الكتابة على روح الكاتب
قواعد الكتابة؟ نحن لا نحتاج إلى قواعد!
القصة التي لا تنتهي: ما معنى أن تكون كاتباً؟
كيف يمكن لـ 60 دقيقة يومياً أن تغيّر حياتك؟
الخطوة الخامسة: استثمر في نموك
لا يتوقف الكاتب عن التعلّم، لأنّ عقلية الكاتب الحقيقية لا تكتفي بما تعرفه، بل تتوق إلى المعرفة بنهم، كعاشق يطارد حبيباً بعيد المنال، سواء كان ذلك من خلال الغوص في صفحات الكتب القديمة التي تحمل أسرار العقول العظيمة، حيث يجد في كل سطر درساً أو فكرة تتوهج كنجمة في سماء ذهنه، أو عبر حضور وِرش العمل التي تفتح أمامه أبواباً جديدة للتقنيات والأساليب، كأنها مفاتيح تُطلق العنان لإمكانيات كامنة لم يكن يعرفها، أو حتى بالجلوس للاستماع إلى تجارب الآخرين – قصص حياة الناس، أو حكاية مغامرة صديق، أو همسة عابرة من طفل يصف حلمه ببراءة، ومع كل خبرة جديدة يستقبلها بقلب مفتوح وعقل متيقظ، تنمو أفكاره لتصبح أكثر عمقاً كبئر لا تنضب مياهه، فالكاتب يعي أنّ المعرفة هي الوقود الذي يُشعل شرارة الإبداع، والنسيج الذي يحيك منه عوالم لم تكن موجودة من قبل، وكلما شرب من هذا النبع، كلما أصبح صوته أقوى، وقلمه أكثر جرأة، وحكاياته أقرب إلى الخلود في ذاكرة من يقرأها.
لا تكتفِ بما تعرفه الآن، تحدى نفسك بتجربة أساليب جديدة، أو اكتشاف أنواع أدبية لم تكتبها من قبل، الاستثمار في نفسك ككاتب هو ما يحافظ على عقليتك حية ومتجددة.
فما الذي ستفعله لإيقاظ الكاتب الكامن في أعماقك – هل ستُطلق العنان لفضولك ليطارد اللحظات العابرة، أم ستتوقف لتراقب العالم، هل ستحتضن فوضى أفكارك، أو هل ستغذي عقلك بنهر المعرفة الذي لا ينضب، متسائلاً ‘ماذا لو؟’


أضف تعليق