أن تعيشَ حُلمَ الكتابة…

أحمد يوسف

لا يُولد المرء كاتباً، لكن… يمكنه بعد الولادةِ أن يُصبح كاتباً، لو أراد.

كنتُ أتأمل الطريقة التي يُكتب بها الكِتاب، أيّ كِتاب، أتفحّصه، تدور في ذهني أسئلةٌ كثيرة، كيف كُتب؟ كم استغرق الوقت لكتابته؟ ما المصادر التي اعتمد عليها؟ وآلية البحث عنها؟

كانت توقفني الكلمات مُرغماً، لأتأمّلها، كيف يمكن لكلمة واحدة أن تُصبح جُملة، مفيدة، وغنيةً بالمعلومات، وهذه الجملة تُصبح فقرة، تشغل عدة أسطر، ثم صفحة، وأخرى، عجيبٌ ما تصنعهُ الكلمات، تجعل اللاشيء شيئاً، يستحقُ القراءة، والمتعة أيضاً.

كانت تأخذني الأفكار أبعد مما أتصوّر، فأضعُ هالة من القداسة، على هذا الكاتب، الذي يلبسُ نظارة متواضعة، ويلبسُ من الثياب أبسطها، وتراه يسير سارحاً في الملكوت، هائماً في البحثِ عن كلمات، يُشعل بها وهجَ الحياة، لتستمر في العطاء.

بداية الحكاية

تبدأ الحكاية، بنظرة، تتبعها أخرى، تلتقطه، ويبدأ قلبُك بالخفقانِ بسرعة، إنه الحبّ من أوّل نظرة، تفتحه، تشمّ رائحة العطرِ بداخله، تُدرك أنك وقعتَ في الحبّ.

هكذا تبدأ الحكاية، ثم يستمر مشوارك مع الكِتاب، تتصفّح أوراقه، تستنشقُ عبيره اليومي، وتطير فرحاً، أصبحتَ شخصاً آخر، يبدأ عقلك التفكير في أشياء أخرى، غير تلك التي يُفكر بها أقرانك، وتتولّد مسارات عصبية جديدة، بنكهة حياة جديدة.

تتذكر أنّ هذا الطريق، سبقكَ إليه آخرون، بدأوا بقصةٍ مشابهة لقصتك، شدّهم سحر الكِتاب، وأن يكونوا كُتاباً يوماً ما، حتى غدا خُبزهم اليومي، وعطرهم، والهواء العليل الذي يطرق أرواحهم العطشى للمعرفة.

تتذكر أنّ هذا الطريق، سبقكَ إليه آخرون، بدأوا بقصةٍ مشابهة لقصتك، شدّهم سحر الكِتاب، وأن يكونوا كُتاباً يوماً ما، حتى غدا خُبزهم اليومي، وعطرهم، والهواء العليل الذي يطرق أرواحهم العطشى للمعرفة.

كانت مكتبة أبي، هي المحطة الأولى التي وقفتُ عندها طويلاً، تأمّلت كلّ كُتبها، كان كلّ كتاب يعني رفيق دربٍ سأصحبه في رحلة الحياة، سيعيشُ معي بكلماته، وبالمعاني التي تكمن من ورائه، سأكون ممتناً للكِتاب الذي قبِل أن يحتضنني، وقبِلني على علاتي وجهلي.

وقفت أمام كُتب الإمام الغزالي “إحياء علوم الدين”، كنتُ أقرأها في أوقاتِ الظهيرة، أجلس قِبالة المكتبة، وأقرأ ساعة، ساعتين، وربما ثلاث في جلسة واحدة، عن تزكية النفس والارتقاء بها عن سفاسف الأمور، ومعرفة طريق الحق، وسُبل السير فيه، والغوص في روح وجمال الإسلام.

اقرأ أيضاً
ماذا تقرأ عندما لا تريد الكتابة؟
أفضل 5 تقنيات لتحسين كتابة الأدب
هل يحتاج العالم إلى القصة؟

أعرجُ في موعد آخر لزيارة عباس محمود العقاد، في عبقرياته الفذة، التي لا مثيل لجمالها، تلمّستُ أسرار العظمة الحقيقية، ممثلة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسائر الخلفاء الراشدين، وبالسيد المسيح عيسى عليه السلام، لك أن تقف أمام كلّ واحد منهم، مشدوهاً، بما حباه الله من خِصال، تُعجبك سلاسة الكلمات المتدفقة من قلمه، ووضوح المعنى، وعمق ما يُثيره في مخيّلتك عن هؤلاء العظماء.

أتسلّق الجدار لأقتحم على أمير الشعراء خلوته، أحمد شوقي، اشتريتُ في ذلك الوقت “الشوقيات”، وقلّبتُ أجزائه الأربعة، كان صاحب موهبة شعرية فريدة، وقلم سيّال، لا يجد عناء في نظم الشعر، فكانت المعاني تتدفق عليه كالنهر الجاري، ولهذا كان من أخصب شعراء العربية، هكذا قيل عنه.

وهو صاحب الهمزة النبوية، والتي يقول فيها:

وُلد الهُدى فالكائناتُ ضياءُ               وفمُ الزمان تبسُّمٌ وثناءُ

الرُّوحُ والملأُ المَلائكُ حولَهُ               للدِّين والدنيا به بُشراءُ

والعرشُ يزهُو والحظيرةُ تَزدهي        والمُنتهى والسِّدرةُ العَصماءُ

وحديقةُ الفُرقان ضاحكةُ الرُّبا         بالترجمان شذيَّةٌ غنَّاءُ

والوحيُ يَقطر سلسلاً مِن سلسلٍ      واللَّوحُ والقلمُ البديع رُواءُ

نُظِمَت أسامي الرُّسْل فهْي صحيفةٌ     في اللَّوح واسمُ محمدٍ طُغراءُ

اسمُ الجلالة في بديع حروفهِ         ألِفٌ هنالك واسمُ «طه» الباءُ

ومن ثمّ يكون موعد آخر مع محمود درويش، شاعر الثورة والوطن، “إما أن نكون أو لا نكون”، كانت قصائده صوتاً هادراً لفلسطين، أحبّها كثيراً، وعندما أعلن عن حبّه لأمه بكلماتٍ ندية، كان كمن يعلن الولاء للأرض التي احتضنته، يشدو بها درراً من أجمل وأعذب الأشعار، تتيه طرباً عند قراءتها، تشدّك كلّ حروفها للأرض، لفلسطين، لعبقِ التاريخ، والمكان، والزمان، تشدّك كلّ حروفه للحياة، ما زلتُ أحفظها:

“أحنُّ إلى خُبز أُمّي

وقَهوةِ أُمّي

ولَمْسةِ أُمي..

وتَكبُر فيَّ الطفولةُ

يوماً على صدر يومِ

وأعشَقُ عمرِي لأنّي

إِذا مُتُّ،

أخجل من دمع أُمي!”

ما زالت عالقة في مخيلتي، يوم كتبها محمود درويش من وراء القضبان، كان شاباً يافعاً، قالها بكلّ مشاعره، تملّكته، وأصبح أسيراً للقصيدة، كما كان أسيراً للصهاينة.

أوّلُ شيء كتبته، هو الشعر، حالة شعورية نادرة، في ساعات الصباح الأولى، هدوءٌ يُحررك من كلّ قيد، فتنطلق الكلمات بلا توقف، مثل شلالٍ هادر، كان ينتظر اللحظة، لتكتبَ أجمل الكلمات، التي تدور في عقلك، وتُحررها من الأسر، وتسمح لها بكلّ حب، أن ترسم لوحتك الشعرية الزاهية.

أكتبُ صباحاً

منذ ذلك الوقت، أصبحتُ أكتبُ مع كلّ إشراقة شمسِ يوم جديد، ذات يوم، عثرتُ على كتابٍ، مُلقى على الأرض، ومُتسخ، التقطته، ومسحته جيداً، كان يحوي قرابة المائة صفحة فارغة، لم أكن أصدق عيني، وكأنني كنتُ على موعد مع القدر، موعد مع الكتابة، كان الكتاب أشبه بكُتب العصور القديمة، غلاف سميك وكأنه جلد حيوان، وأوراق صفراء باهتة وكأنها تروي لك حكاية، وكأنّ أحدهم وضعه لأجلي، ولهذا أحببته، وكتبتُ فيه أشياء كثيرة. أ

أوّلُ شيء كتبته، هو الشعر، حالة شعورية نادرة، في ساعات الصباح الأولى، هدوءٌ يُحررك من كلّ قيد، فتنطلق الكلمات بلا توقف، مثل شلالٍ هادر، كان ينتظر اللحظة، لتكتبَ أجمل الكلمات، التي تدور في عقلك، وتُحررها من الأسر، وتسمح لها بكلّ حب، أن ترسم لوحتك الشعرية الزاهية.

أتذكر تلك اللحظات الهادئة عندما كنتُ أجلس بجانب المكتبة، وأغلقُ الباب، لأخلق أجوائي الخاصة، للكتابة، كنتُ أقضي الساعتين، لأفرغَ كلّ ما في جعبتي، وأستكشف الكلمات بداخله، ذات مرة، كتبتُ مسرحية صغيرة، عن فلسطين، أبطالها “أبوالعبد وأبوسليم”، كان الإسمين في ذلك الوقت -وما زالا- أحد رموز التراث الفلسطيني، وكنتُ قد شاركتُ في أداء المسرحية أيضاً.

استمرت بي رحلة الكتابة، الصباحية، وأنا مُنتشٍ، تغمرني مشاعر الفخر، أنني أكتب، يومٌ في الشعر، وآخر خاطرة، ومقالة، وقصة قصيرة، ومسرحية، كنتُ أكتبُ أيّ شيء، تتجمّع الكلمات في مخيّلتي لتُشكّل جسراً للتواصل، مع الكتابة، كنتُ أتخيّل الكُتّاب العمالقة الذين أحببتهم، وكأنني أقوم بمحاكاتهم والغوص في عالمهم الفريد.

صدمة كبيرة

أخذتني نشوةُ النصر، لقد أنهيتُ جميع صفحاتِ الكتاب، كتبته بكلّ ما أملكُ من طاقة كامنة بداخلي، أحببته، لأنه صار جزءاً مني، وأسرعتُ، لتقديمه لأحد معارفي، تعرفون تلك المشاعر الزائفة، التي تدفعنا لارتكاب الحماقات، اندفاع، ورغبة في الحصول على جائزة، الشعور بالفوز، لكن، بعد وقت قصير، أكتشفُ الخطأ، للأسف، وقعتُ كثيراً في مثل هذه الأخطاء، وكنتُ دائماً ما أقول لنفسي: ومتى سأتعلّم الدرس، متى سأكبحُ جماح طيشي، وأتوقف قليلاً.

أحسستُ أنّ أحدهم تجرأ، ورفسني على مؤخرتي، فجأة، وسقطت من أعلى قمة جبل، على رأسي، مهشّماً، لقد قضى على حُلمي في أن أكون كاتباً، ودمرني، حرفياً، لم أتوقع مثل هذه الردود السلبية، الأدهى من ذلك، أنه لم يُكلّف نفسه النظر لما تحويهِ الصفحات، وأصدر حكمهُ الجائرِ بسرعةِ البرق، لم يقرأ شيئاً، فقط أصدر حكماً ومضى، ألقى به بعيداً، وتركني، لأوهامي التي تضخّمت مثل بركانٍ سينفجر، ولن يتوقف.

كانت القراءة مُلهمتي، كثيراً ما أتخيّل الكلمات، وكأنها تسبح في الفضاء، وأنّ عليّ التقطاها، لأضمّها إليّ، وأتشبّث بها، وأحيطها بالرعاية، حتى تكون احدى الجميلات التي تسكن فؤادي، أنا أعشقُ الكلمات، لأنها تمدّني بالحياة.

حُلم الكتابة

أن تعيشَ حُلم الكتابة، شيء جميل، وأن تبقى وفياً له، شيء أجمل، أن تُغرد الكلمات وتصدح بها، وتتغنّى بألحانها النابضة بالحياة، أن تعيشَ حياة، ليست كأيّ حياة أخرى على هذا الكوكب، أن تعيشَ تجربتكَ الخاصة، مع الكلمات، وأن تُشكّل عالمك، وتضعَ فيه لبِناتك الواحدة تِلو الأخرى، بصبرٍ وأناة، أن تتحمّل المصاعبَ لتصل إلى هناك، حيث تريدُ أن تصل، في مكانكِ الذي اخترتهُ لنفسك، وعالمكِ الفريد، أن تعيشَ لأجلِ الشخصِ الذي أحببته، وترغبهُ بشدة، يوماً ما، يعني أن تخطّ بأناملكَ أجملَ قصة، وأجملَ حكاية.

كانت القراءة مُلهمتي، كثيراً ما أتخيّل الكلمات، وكأنها تسبح في الفضاء، وأنّ عليّ التقطاها، لأضمّها إليّ، وأتشبّث بها، وأحيطها بالرعاية، حتى تكون احدى الجميلات التي تسكن فؤادي، أنا أعشقُ الكلمات، لأنها تمدّني بالحياة.

لا تحمل ضغينة

كن كريماً، وكريماً جداً، في مشاعر الحبّ للآخرين، امتلك قلباً كبيراً، وحافظ على علاقات وُد ما استطعت، فالضغينة ستحرقُ سُفنك، وتُغرقها، وستضيعُ كنوزك، في القاع، لا تحمل الضغينة على أحبابك، هكذا ببساطة، سامح لتستريح، من عناء معارك خاسرة، لن ينتصر فيها أحد.

بعد وقتٍ قصير، تداركَ الأمر واعتذر -وإن كان قد فات الأوان- للترميم، لكنني، احتفظتُ له بهذا الجميل، ربما أخطأتُ عندما عرّضته لمثل هكذا اختبار، لم يكن مستعداً، لتقبّل الأمر، في البداية، وحتى لو لم يعتذر، كنتُ سأسامحه، وأُحبّه، من يكره نفسه!

اقرأ أيضاً
حجر كنعاني في البحر الميت
وصية رجل حالم

بعض النصائح

ابدأ بالكتابة
هناك رُهابٌ يصيبنا عندما نقرر الكتابة، أو حتى مجرد التفكير بعملية الكتابة ذاتها، ولهذا كثير من مشاريع الكتابة تتبخر في الهواء، فتغدو سراباً، ولهذا، نصيحتي أن تُخصص وقتاً للكتابة، أن تجلس لساعة، أو ساعتين، نصف ساعة أو حتى عشرة دقائق، يعود الأمر لك، ولكن لابد أن تكتب كلّ يوم لتصبح كاتباً حقيقياً.

اقرأ كثيراً
قد يُصيبك الضجر من تكرار هذه النصيحة، لا بأس، اسمعها دائماً وكأنك تسمعها لأوّل مرة، اقرأ كلّ يوم، ومهما كانت حالة الطقس لديك، اقرأ، كلما أدمنت القراءة، كلما فعلت خيراً لنفسك، القراءة هي الوسيلة الأكثر فاعلية لبناء قاموس كلماتك، وحتى يُصبح خيالك خصباً.

تعلّم من الآخرين
بالطبع، أنت لا تعيش في عالم مُنعزل، هناك كُتّاب سبقوك في هذا المضمار، ولديهم تجربتهم الفريدة في نقل المعلومة، أو كتابة الخيال، تستطيع أن تنضم إلى القافلة، وتُساهم أيضاً.

ابحث عن مراجع
عندما تُقرر العمل على مشروعك الكتابي الجديد، لا تُهمل عنصر البحث، فيما كُتب عن موضوعك، ابحث بجد، واقضِ وقتاً في اكتشاف الكنوز وتدوينها.

التحرير، التحرير، التحرير
الفرق بين الكاتب المحترف، وسواه من الكُتّاب الآخرين، أنه يعمل على مراجعة أعماله وتحريرها، لا تقبل أن تُرسل أعمالك بعد كتابتها مباشرة، تمهّل، راجعها مرة، وأخرى، وثالثة إذا اقتضى الأمر.

لا تستسلم
عندما لا يستيقظ المارد النائم في أعماقك، لا تستسلم، حاول أن توقظه، حتى لو رفسته بقدمك!، كي يستشيط غضباً وينفجر في وجهك، لا تستسلم، لمجرد أنك تجلس أمام الصفحة البيضاء الفارغة، ولا تجد الكلمات لتكتبها.

 والآن.. طالما أنك وصلت إلى هنا، فهذا يعني أنّ لديك قصة تستحق أن ترويها، شاركنا بالتعليقات.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق