د. بشار خليف – دمشق*

كاتب وباحث في التاريخ المشرقي

أربعون سنة من طقوس الغبار والورق، مِنَ المتَّهمِ الأوّل = السّؤال، وحتى انعدام الأجوبة، أن تأخذ القلم بين أصابعك بعيداً عن أقلام المدارس، فهذه أقلامُ الواجبِ والمسؤولية التي تُعلّمك صفَّ الحروف لكنها لن تجعلك تشم الورق الخارج عن واجبك المدرسيّ.

القصة مختلفة هنا، ثمة آفاق بعد أن امتلكتَ لغة الكتابة وأدواتِها، فهناك إلى الأعلى قليلاً ثمة دماغٌ يقودُك إلى البحث عن أسئلتِك الوجوديّة، الذّاتية، الغريبة أحياناً، عواطف، مشاعر، تساؤلات، وهدير من موج صاخب يَلفُّك في دوامةِ أن تكون، أن تَعبُرَ في برزخ الحياة مضيفاً إلى شجرة المعرفةِ غصناً جديداً أو حيرةً جديدة، لن تحصل على الجدوى، لكن الزمن سينبتُ من يديك.

هذه القصة المتداولة بين رأسٍ ويد، بين عقلٍ وقلم، وما بينهما كان الورقُ ينتظرُ الريشة الأولى التي سوف تأخذ بيدك.

في الساعة السادسة مساءً من سنة 1970 دخل طِفلٌ يبلغ من العمر 13 عاماً إلى عيادة أبيه، أبوه طبيب أطفال يغرق في الشعر العربي متماوجاً مع ملامح فرنكوفونية، الطفل يخبئ شيئاً في يده، يسأل والدَه: “أبي ما رأيك بكتاب (الأرواح المتمردة)؟”

انتباه الأب المثقف والعلمي والأخلاقي دفعَه للرّد: “يا ابني، هناك كتب سيئة تتضمن محتوى غير نظيف و …”

لم أفهم كثيراً، لكنني أخرجتُ ما خبأتُ في يدي ووضعته على الطاولة، تلقّفه الدكتور محمد، ابتسمَ، نظر إليّ قال: “جبران خليل جبران! لا، هذا كتاب جيد يا ولدي” (كان يستخدم تعابير فصيحة أحياناً).

شبيهُ غبطةٍ تلبّستْني، ثقةُ باختياري، بعقليَ البسيطُ آنذاك.

يسألني: “بكم اشتريتَه؟”

– “بخمسِ ليرات”

يُخْرِجُ من جيبِهِ عشرَ ليراتٍ ويقدّمها لي، ها أنا أفوز في الجولة الثانية.

المشهدُ قبل لحظات من هذا اللقاء، كان في ساحة المرجة في دمشق، ذاك الطفل، جذبَتهُ عربةٌ ممتلئةٌ بالكتب، يصرخ البائع التي تغطي ملامحه عباءة ثقافة تمزقتْ بالفقر: الكتاب بخمس ليرات، بحثتُ، لِمَ بحثتُ؟ وجدتُ، لِمَ وجدتُ؟ لكنني اشتريت الكتاب وعدتُ.

المشهد بعد ذلك بكثير، أن قرأتُ عن نظرية الدافع للنفساني ” ادلر”، علمتُ فيما بعد أن هناك دوافعَ جعلتني أرتبط بعالم الكتاب ثم الكتابة.

شخصية الأبِ القارئ والمثقف والذي يطلب كتب التراث من مصر ويضعها في مكتبة البيت جعلتني صديقاً للورق، لم أفهم تلك الكتب لجزالتها فهربتُ إلى جبران والمنفلوطي، مي زيادة والسياب، نازك الملائكة، مكسيم غوركي، ليو تولستوي، همنغواي، وفولتير، نجيب محفوظ أيضاً، عباس محمود العقاد، طه حسين، تشايخوف، تورجنيف وديوستوفسكي وآخرون.

اقرأ أيضاً:
أن تعيشَ حُلمَ الكتابة…
كيف تبني عقلية الكاتب؟
كيف تثق بنفسك ككاتب؟
كيف تصبح القارئ الموسوعي وتكتب بمقدار 10 أضعاف؟

ولأعترف! دافع القراءة كان تماهياً بشخصية أبٍ متميز لديّ، وحين أتاه الموت ذهبتُ لأول مرة إلى عالم الكتابة، كتبتُ: أحييتَ الورود ومتَّ، هذه هي طعنة القدر، كان ذلك في تمام الساعة صفر من أول عام 1974.

رجلٌ ترك كلمة سرّه في الحياة إليّ ومضى لا لأكون نسخة عنه، بل لأغرق أكثر في الزمن والمجتمع، في الحياة وما بعد الحياة ربما.

حين تنطفئ شمعتك فهذا يعني أن النور اختارك كي تصير دربه، هذا ما بحثت عنه أمام مكتبة قديمة ترقى لعصر جاهلي وحزمة من كتب بالفرنسية عن الطب والشعر والأدب.

كانت روح العصر لشاب صغير تطوف تساؤلاته حول ما يريد من الجواب وهو يعي أن السؤال لم يكن على قدِّ حمله، شيئاً فشيئاً حضرتْ إلى مكتبته شخوصٌ معاصرة: أدونيس، الماغوط، محمد بنيس، رياض الصالح حسين، يوسف الخال، أنسي الحاج، طلال حيدر، هيرمان هيسه، هنري ميلر، جوزيف كونراد، كازانتزاكي، آرثر ميلر، صموئيل بيكيت، شكسبير، بريخت، بودلير، بول ايلوار، أوسكار وايلد، ولن أنسى بالطبع الأساطير والديانات وكتبها.

ثم جاء الروائيون من كل حدب وصوب من قاراتهم الخمس، المسرحيون، الفنانون، دوريات ثقافية، وحلَّ الصخب مع الحرب الأهلية في لبنان لينفرز من ينفرز في صراع الفكر قبل السلاح.

تداخلَ الذاتيّ مع الموضوعيّ مع الوطنيّ، ثم اجتياحٌ إسرائيليّ للبنان، صار الكتاب قضيّة.

عالم زياد الرحباني، مخول قاصوف، مسرح اللامعقول، مهرجانات سينمائية ومسرحية.

كانت دمشق ترحب بكم.

بعمق التحريض في كل المحيط والذات جاءت الاستجابة لشاب بدأ يكتب ويراسل: مجلة النهار العربي والدولي في باريس، والموضوع قصة في ذكرى ولادة جبران.

اعتبرتُ ما نشر لي كأني قبضتُ على الريح بمعنى أني هنا، تسارعتْ قصصي في الصحف السورية ثم اللبنانية.

مع تخرجي من كلية طب الأسنان، مضيتُ في تجميع المال لطباعة كتابي القصصي \ الحفيدة \ على نفقتي.

فيما بعد طبعه السيد جورج قيصر في مؤسسة بدمشق، وُلدَ ابني العقلي الأول.

كانت محاولة لإثبات ذات نظرتْ إلى الخلف ثم الأمام، ولئلا يُستهان بي كأديب يريد أن يُؤكد حضوره، تكلّفتُ لغوياً حتى مطلق قاموس اللغة العربية.

في مواجهة عالم أشوه يقف بشار خليف كقط أجرب محشور في زاوية ضيقة تبيح له الدفاع عن ذاته فقط فينشب مخالبه في الدمامل المحيطة ناشراً صديدها “موسخاً” هذا العالم علّه يسعى إلى نظافة ما، لذا فقراءة نصوص مجموعة “الحفيدة” عذاب حقيقي وذلك على صعيدي اللغة والجو القصصي. فاللغة تركيب سلاسل تأمل مفجوع في بشاعة هذا العالم ودعوة لمشاركة مجنون اطلالة من نافذته عليها.

أحد النقاد توقفَ عند كتابي، صرّحَ:

“في مواجهة عالم أشوه يقف بشار خليف كقط أجرب محشور في زاوية ضيقة تبيح له الدفاع عن ذاته فقط فينشب مخالبه في الدمامل المحيطة ناشراً صديدها “موسخاً” هذا العالم علّه يسعى إلى نظافة ما، لذا فقراءة نصوص مجموعة “الحفيدة” عذاب حقيقي وذلك على صعيدي اللغة والجو القصصي. فاللغة تركيب سلاسل تأمل مفجوع في بشاعة هذا العالم ودعوة لمشاركة مجنون اطلالة من نافذته عليها.

قاموس وصفي يذكرنا بخطب الجمعة في المساجد. حيث يجود الخطيب بسلاسل من السجع والوصف حتى يغمر المعنى بركام كلمات تفقد التواصل مع المتن، ليصرخ ألماً في وجه الفكر والتاريخ والحب والحرب والخديعة والعلم وكلّ شيء. إنه محاولة صفع وبارقة أمل موجّهة إلى مسحوقي هذا العالم الثالث والأخير”.

إزاء هذا النقد، لم أكن سلبياً، هنا اكتشفتُ قدرتي على قبول الرأي المضاد والمخالف، حينها احترمتُ نفسي.

بعد حين سوف أُقدم كتاباً شعرياً بعنوان “كأنني لا”، ومضات شعرية وقصائد، سيتصل بي الشاعر فايز خضور لأذهب إليه، قال وهو مسؤول المخطوطات في اتحاد الكتاب العرب في دمشق: أحببتُ قصصك أكثر من الشعر، رغم أني وافقتُ على طبعه.

ابتسمتُ، شكرتُ، أمسكتُ بالمخطوط الموافَق عليه ومزقته ثم نحو سلة المهملات.

قال: ماذا فعلتَ يا مجنون؟

لم أقل شيئاً، فقط تمتمتُ: منكم نستفيد، وغادرتُ الشعر إلى التاريخ والآثار.

اختلاف المفاهيم:

صبيحة يومٍ من 1996، طريقي من البيت نحو العيادة، أراقب دمشق من بعيد، يكتبُ عقلي:

“باردٌ كدمشق في يومها الأخير، أرى: يبلع الرمل الماء ولا يشبع، أرى: أركض نحو أختي التي ماتت قبل أن تلدها أمي، كي أمنحها سري. أنا ابن آخر قطراتٍ من شتاء، كالضجيج أتصاعد حكاية بخار منفيِّ من إبريق جدي، وجدي رأسٌ لطربوشٍ أحمر وقنباز لسجادة صلاة تحت مئذنة، كان شكل جدي مئذنة.

ألفٌ لامٌ ميمٌ (ألم) ويصير جدي نوناً بين ركعتين ……. إلخ”

قلتُ: “سأنشر هذا النص في صحيفة رسمية. بعد حين، يتصل بي مسؤول الصفحة الثقافية، ليقول لي: “هذا نص مخروق!، ولكن سأنشره لك”.

النتيجة: نشر النص كما يلي: “حارٌ كدمشق، أرى: يبلع الرمل الماء ولا يشبع، أرى: أركض نحو أختي التي ماتت قبل أن تلدها أمي، كي أمنحها سري. أنا ابن آخر قطراتٍ من شتاء، كالضجيج أتصاعد حكاية بخار منفيِّ من إبريق جدي، وجدي رأسٌ لطربوشٍ أحمر وقنباز لسجادة صلاة تحت مئذنة، كان شكل جدي مئذنة، يبدأ صلاته”!!!، طارت ألف ولام ميم بجرّة قلم.

النتيجة الثانية: أني دُهشتُ وصُدمتُ مما جرى من تحوير في النص لغاياتٍ في الخطاب الثقافيّ الرسميّ!، وكان أن أرسلتُ النّص إلى منقذي في بيروت: صحيفة السفير، ليُنشر النص كاملاً بلا تحوير، لا بل وتدخلُ الصحيفة إلى سوريا.

النتيجةُ الأخيرة: لا تعوّل على مؤسساتٍ تراقبُك.

نظرَ عقلي إلى الوراء، فجاء تاريخ بلادي ضيفاً على دماغي، حفّزتني كتابات جبران على ذلك ثم أنطون سعادة في منحاه الفكري لا السياسي.

بابل وآشور، فينيقيا ودمشق، حلب وطريق الحرير، تدمر ومأساة سيدتها الملكة، مدنٌ تاريخية مترامية الحدود تتصارع فيما بينها على بقاءها كالضرائر تماماً.

وثائقٌ وأحداث، طرائف من وُجدوا ثم راحوا، أحياءهم، أمواتهم، كأنّ ذاك التاريخ راهن.

قادني التاريخ نحو علوم الاجتماع والإناسة، شيئاً فشيئاً حلتْ ومضات شعرية بأسلوب أكثر عفوية وسلاسة في دفتري.

قانون ماركس في أنّ التراكم الكمي يؤدي إلى التراكم النوعي والكيفي، لمستهُ بقوة، تراكمُ القراءات بإيجابياتها وسلبياتها أدى إلى غربلة، صار الطريق فكراً، شعراً، نصوصاً، وتاريخ المشرق.

في الخط الموازي، لعبتِ الصحافة وممارستها دوراً مهماً في التفاعل والحوار والأخذ والرد، مستنداً على مخزون فكري وثقافي لا بأس به، صحيفة الديار اللبنانية، مجلة صباح الخير البناء اللبنانية، صحيفة الحياة اللندنية، الصحف السورية.

مؤتمرات تاريخية وآثارية، حوارات مع علماء وباحثين من بقاع الأرض كافة.

كل هذا الصخب الثقافي والفكري وتداعياته والذي تمازج مع مَشرق يهتز جنوباً وشرقاً في العراق جعل التعبير عن الواقع وظيفة فكرية وثقافية.

كلما نظرتُ نحو الوراء، بانَ الحاضر أسوأ بالرغم من كل ما حصل، في الدماغ هنا استوعبتُ الصوفية والسريالية، الوجودية وفلسفات اليونان، الأساطير والأديان، ومن أجل الذات كان لابد من وعيها عبر مؤلفات علم النفس بمدارسه والغلبة كانت للنفساني أريك فروم ثم كارل يونغ.

كلما نظرتُ نحو الوراء، بانَ الحاضر أسوأ بالرغم من كل ما حصل، في الدماغ هنا استوعبتُ الصوفية والسريالية، الوجودية وفلسفات اليونان، الأساطير والأديان، ومن أجل الذات كان لابد من وعيها عبر مؤلفات علم النفس بمدارسه والغلبة كانت للنفساني أريك فروم ثم كارل يونغ.

غوته قال: المبادئ رمادية أما شجرة الحياة فخضراء. هذا ما قدّمته المعرفة لي على طبق من خبرة وحياة، وعي الزمن نقطة مهمة لا يتقنها إلا من اتسعتْ رؤيته وضاقت عبارته.

ثم كان لابد من العقل أن يُعبّر عن نفسه في انتاج ورقي:

“قال لها” شعراً، كأنه رد لا شعوريٌّ لموقفِ صديقي الذي فضّلَ قصصي على شعري.

“لا” مجموعة قصصية، غادرتُ بها أجواء الكتاب القصصي السابق وحتى أسلوبه ومواضيعه.

“نايا” ديوان شعري، أثبتَ ذاته في المشهد الشعري كما قالوا.

“دراسات في حضارة المشرق العربي القديم”

“العبرانيون في حضارة المشرق العربي القديم”

“حوارات في الحضارة السورية”

“مملكة ماري”

“نشوء فكرة الألوهة”

ثم “تاريخ المشرق من 12000 – القرن السادس الميلادي” الذي قيد الطبع.

اللعبة الدماغية لها دورها في هذا الصخب، المطالعات العلمية وحتى في علوم الأعصاب وضّحتْ مساري الكتابي.

دماغ بنصف مخين أيمن وأيسر، أيمن للشعر والدين والموسيقى وكذا، وأيسر للتفكيك، والتحليل، والجدل، والتركيب.

حينها علمتُ أني ضحية لعبة دماغية تقودها قشرتي الدماغية كمايسترو يُحقق رغباتي.

ما تبدّى حتى الآن، أني كنتُ أمارس عقلي كلاعب سيرك يقفز على الحبل \ على حد وصف نيتشه \، الأمر إذاً كان عنصر توازن في المستوى النفسي والعقلي، مقابل العلمية الصارمة في طب الأسنان.

التقنية واضحة الآن، نصف دماغ شعري أدبي، سيتدخل شقيقه الأيسر في قواعد النحو واللغة وإظهار العمل ممنهجاً، ثم في الدراسات العلمية التاريخية والفكرية سيكون النصف الأيسر بقواعده المُحكّمة والصارمة فلا مجال هنا للشطحات الشعرية والأدبية، لكن بالإمكان الاستعانة بموسيقا الأسلوب الأدبي من النصف الأيمن.

التقنية واضحة الآن، نصف دماغ شعري أدبي، سيتدخل شقيقه الأيسر في قواعد النحو واللغة وإظهار العمل ممنهجاً، ثم في الدراسات العلمية التاريخية والفكرية سيكون النصف الأيسر بقواعده المُحكّمة والصارمة فلا مجال هنا للشطحات الشعرية والأدبية، لكن بالإمكان الاستعانة بموسيقا الأسلوب الأدبي من النصف الأيمن.

المنهج التاريخي الذي اتبعتهُ في قراءاتي كان نقدياً، حتى أستطيع تصنيف الحقيقي عن المزيف، بعد أربعين عاماً يقول لي اعلامي في حوار تلفزيوني:

كيف استطعتَ الانسلال من القراءة الاستشراقية في أبحاثك المشرقية؟

شئتُ أن أقول له أني لا أتماهى كلياً مع ما أقرأ، تبقى مسافة للحقيقة المخفية في كل ما نقرأه.

لم يعد في تلك المسيرة اهتمام لديّ بالنقد، فللحوار حضور أكثر من مهم، فمثلاً ديوان نايا الشعري لم أنتظر نقداً له بوجهيه السلبي والإيجابي، فقط كنتُ ألمح تأثيره فيمن قرأه.

القارئ بطبعه ذكي، رادار يلتقط الذبذبات الحقيقية، كل ما غير حقيقي تستدير الوجوه والقلوب عنه.

أذكر الآن كتباً عديدة تصفحتُها ثم أطعمتها لسلة المهملات.

اقرأ أيضاً:
10 حقائق (صعبة!) يجب أن يعرفها كل كاتب 
رسالة إلى صديقي الكاتب

احترمتُ قارئي، رغم اعترافي الآن بأني مارستُ نوعاً من الفوقية عليه ليس استجابة لعقدة نفسية لدي، بل لأنتشله من السائد والممل إلى ما أبعد من التلقي، ما أبعد من التلقي هو مشاركتي التفكير ومحاولة أن يسبقني إليه.

القارئ يصافحني عندما يغلق الكتاب.

قاسياً كنتُ، حتى في المؤلفات الفكرية والعلمية، احترمتُ الحبر في تلك الكتب حتى سال عليّ.

لو شئتُ لقسمت عالم الكتابة إلى صنفين: الصنف الأدبي والآخر العلمي.

العمل الإبداعي الأدبي لا يكون مرسوماً وفق ناظم مسبق الصنع، أذكر في بداياتي أن كتابة القصة القصيرة كانت رافعة لحمل أفكاري وما أريد إيصاله، البدايات كانت مدروسة لكن الإيحاء وليد ما تحت الشعور، ومضة تأتي تدفع للكتابة، ولكن ماذا أكتب؟ كيف أكتب؟

أي رداء سألبس لهيكل عظمي يريد الدفء بالكلمات؟

تحوم الفكرة، تُحلق وتبحث عن صياغة ما، هنا الصعوبة الأولى وربما الأخيرة.

عند بدء الغفوة في الليل، تتمدد القشرة الدماغية \ سيدة الإدراك الإنساني \، تفسح مجالاً لأن تعوم أمواج العقل الباطن، الدماغ مساعد أول في سلك الكتابة.

تطفو الرموز، يمتلئ الطيف النائم بالصياغات الأدبية الغريبة عن حالة الشعور والإدراك، كثيراً ما نهضتُ لأكتب ما طاف وما فاض ثم حين أقرأ في الصباح ما جناه عقلي في الليل أستغرب فعلته، كأنّ آخر هو من كتب. القصة هنا تبدو قصة حلم لا أكثر.

هكذا مضت رحلتي القصصية ثم بدأتْ الومضات الشعرية تأخذ مكانها كعالم مستقطع من سطوة العقل.

أدركتُ فيما بعد أن الدماغ يسوق الإنسان في لعبة التوازن بين الروح والمادة، بين العلم والفن والشعر والموسيقا، تركتُ نفسي لعالم هذا الدماغ الذي يسوقني.

ولأعترف، الشعر أكثر صرامة في التصاقه بالعقل الباطن، لا قشرة دماغية تتدخل في الشعر المتدفق لا شعورياً، ولكن بعد انتهاء الجنون الأول، سوف يتدخل نصف المخ الأيسر بتشذيب ناتج النصف الأيمن لغوياً، نحوياً، تراجعاً، تقدماً، استبدالاً لبعض الكلمات، تمت المهمة الآن.

الكتابة الشعرية تمتلك فضاءها الأرحب، رقصة بين حروف وكلمات وجمل وألحان، كل شيء متاح للّعب على الأوتار حتى تمام الأغنيات.

الأكثر صعوبة من الومضات الشعرية كانت القصائد الطويلة، هذه تنتمي لعالم أكثر تقولباً وروائية وصوراً ودهشة، خضتها بعد حين من نشر كتاب يتضمن ومضات عُرفت آنذاك بالهايكو.

بقيتِ القصةُ حاضرةً، لكن الغلبة للقصائد الطويلة التي نضجت في ديوان “نايا” الذي كان شاهداً على دهشة الكلام عندما يراقص اللحن وترقص نايا كما قال النقاد.

في المنحى الآخر وأقصد المؤلفات العلمية التاريخية، هنا يتمتع نصف المخ الأيسر بوقته: علم، وثائق، محاكمات، أفكار تتلاطم والغلبة للزبد الجديد.

صرامة الجلسة، ترتيبها، أدواتها، اتزانها، عالم آخر من دهشة المعطيات وطفرة النتائج، قسوةٌ محكّمةٌ لكلّ تلك التراكمات الكمية والذهنية والفكرية التي سوف تؤدي إلى تراكمات كيفية ونوعية، ثمة عذابٌ ممتعٌ يشبه حالة مخاضٍ وولادة.

على هذا المنوال تم تأليف الكتب العلمية التاريخية، ويا طول ما أجلستُ القارئ قبالتي لأتلو عليه وأترصد ارتعاشة أجفانه إن كان ثمة ملل. كان المتلقي رفيق كتابتي لئلا يدير رأسه ويمضي حين يقرأ.

قلتُ إنّ الكتابة العلمية نتاج نصف المخ الأيسر من الدماغ، ولكوني أدبياً فقد كان النصف الأيمن يشاغب في الأسلوب من أجل جمال الفكرة فيه، وهذا ما كان وما سوف يكون.

الكتابة الأدبية تنشأ مما تحت الوعي لكن الكتابة الفكرية والعلمية هي الوعي الكامل.

بين حياةِ الكاتبِ وعالمهِ الكتابيّ علاقةٌ جدليةٌ متبادلة، لكن المايسترو هنا هو شخصيتُه على أقرب تقدير.

الشخصيةُ ونمطُها تلعبُ دورَها في حياة الكاتب، هناك الانبساطي والانطوائي والمتراوح بينهما، نماذج عديدة هي التي تتحكم في حياة الكاتب أكثر من كتابته، إن لم تتحكم فلسوف تنعدم المسافة بين الكاتب وشخصيته، هذا الخلل يُسمى جنون كما وجدناه عند نيتشه الكاتب وفان جوخ الرسام.

الشخصيةُ ونمطُها تلعبُ دورَها في حياة الكاتب، هناك الانبساطي والانطوائي والمتراوح بينهما، نماذج عديدة هي التي تتحكم في حياة الكاتب أكثر من كتابته، إن لم تتحكم فلسوف تنعدم المسافة بين الكاتب وشخصيته، هذا الخلل يُسمى جنون كما وجدناه عند نيتشه الكاتب وفان جوخ الرسام.

فالأساس إذاً نمط شخصية الكاتب التي هي من تُلبس حياتَه الرداء الذي يحبّ، الكتابة تتدخل جزئياً في هذه المعركة الشخصية.

ورغم كل هذا لا يمكن التغاضي عن تلك المسافة من الوحدة التي يعيشها الكاتب منفصلاً أو متصلاً مع المجتمع، ربما بصياغة جديدة اسمها: معكم على حِدى.

“أفضل اللحظات التي تمر بها، ككاتب، قبل وأثناء وبعد ممارسة الكتابة؟”

ربما الـ (قبل) خوف ورهبة، ومع الـ (أثناء) تبدأ السباحة بالتعرف على حرارة الماء ثم ربما يخاف البحر من السبّاح وفي النهاية سيخرج الكاتب مبللاً بحبره، ببعض أفكار أو صور أو تخيلات مازالت تنقّط من دماغه.

القبل كما حالة ما قبل صلاة، تطهير عقل وروح وقلم، ولكن مع الكتابة تبدأ الأفكار، الكلمات، الجُمل تتلاقى في المشهد الكلي من المعنى، ربما سماع سمفونية هو المُعبّر عما يحدث أثناء الكتابة حتماً.

ما بعد الكتابة حالةٌ من العطالة المخية، تفريغٌ تمَّ وحلَّ أوان الفراغ المؤقت من التفكير، لكن منجز الكتابة بحدِّ ذاتِه عالمٌ آخر من تحقيق الذات بين غلافين من روح.

حسناً، عليكَ أن ترتاح من الكتابة لأيام، لا تقرأ ما كتبت إلا بعد حينٍ وافٍ، لتعاوِدَ تحكيم العقل بمدركاتِه حول منجزك الكتابي.

هذه المسافة مهمة في معاودة المحاكمة العقلانية لمؤلفك.

هي ليست نصيحة لكنها طلبٌ حقيقيٌّ لختام الكتابة الحقيقية.

لكن النصيحة هنا لكل من أخذ بخط الكتابة، لا تكتب نتيجة ردة فعل عاطفية أو سواها، أو حالة لا تنتمي للسؤال، السؤال ابن الدهشة، السؤال هنا متنوع الحال، وجودي، فلسفي، جمالي، قدري، وهكذا. الكتابة لغاية الكتابة لا تمنح فضاءً يُعول عليه.

البحث عن الجواب هي مهمة الحياة وعقلها وليس الجواب بحد ذاته.

القاع الثقافية لأي إنسان يريد أن يصبح كاتباً مهمة جديدة، القراءات، المطالعات، أي كتاب تقع عينك عليه فيه جُملة مفيدة على الأقل، حالة تبادل منتجات الأدمغة مهمة، لتعرف أين مساحتك ومداها وجدواها.

إن تماهيت بكاتب في بداياتك فحسناً، ولكن إن كنت مبدعاً حقيقياً سوف تغادر مجلسه لتُظهر ما لديك المتطور والسابق إن سبق.

الغرور والاستعلاء موتان لكاتبٍ واحد، العفوية والطبيعية والانسياب أقدار جميلة في تفاعلات الكاتب الناشئ، الاستفادة من المجتمع، من حركة المجتمع وحيويته في صوغ رؤية جديدة.

في الاعتبار الأساسي أنّ مطلق قارئ هو إنسان ذكي يعرف ما يريد وماذا يريد لهذا احترمْه وقدّم لعقلِه جديدَك لأنه حتماً هو قارئٌ مثلُك قبل أن تصيرَ كاتباً.

وأنتَ، صرتَ في معترك الكتابة فلا تكرر، ولا تُقلّد، الابداع حالةُ خلق، طفرة في دهشة وجمال وربما قباحة ومعنى، لا تنتظر التصفيق، ربما على الكتابة كفعل خلق أن تُعاكس السائد الراكد من أجل ابتكار لحظة ولادة تضيف على الولادات السابقة فيضاً جديداً، ” فأجمل ما تكون أن تخلخل المدى، والآخرون بعضهم يظنك النداء، بعضهم يظنك الصدى”. هكذا قال أدونيس.

كنتُ أريد أن أقول ارتفق ذراع حبيبتك أو ارتفقي ذراع حبيبك وامضي، لكنني أفضل القول:

ارتفق الكتاب وامضِ إن شئت أن تكون، ثم أن تكون كاتباً.

*كاتب وباحث في التاريخ المشرقي


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق