هديل حسين
في قلب المأساة الإنسانية التي تعيشها غزة، هناك ضحايا صامتون يحملون في أعماقهم آلاماً لا توصف ومعاناة لا تُدرك، إنهم أطفال غزة، الذين تحولت طفولتهم إلى سلسلة من الفواجع والصدمات، وصارت أصواتهم حبيسة في بحار الصمت، غارقة بين ركام المنازل المدمرة وصدى القذائف المتلاحقة.
في هذه المقالة، نسلط الضوء على قصص حقيقية لأطفال غزة، بعضهم فقد القدرة على الكلام بفعل الصدمة، وبعضهم الآخر لا تزال كلماته محاصرة في أعماقه، تصارع لتخرج إلى العلن، بينما يصارع هو من أجل البقاء، هذه ليست مجرد أرقام تُذكر في نشرات الأخبار، بل هي أرواح بريئة تئن تحت وطأة معاناة تفوق قدرة البشر على التحمل.
صوت الشعر في زمن الموت
قبل أن نتعمق، لا بد من توقف عند كلمات الشاعر والأستاذ الفلسطيني رفعت العرعير، الذي استشهد في غارة إسرائيلية على قطاع غزة في السادس من ديسمبر 2023، مع أفراد من عائلته، تركت قصيدته “إن كنتُ سأموت” (If I Must Die) أثراً عميقاً في الوجدان العالمي، وترجمت لعشرات اللغات، لأنها تلخص معاناة الشعب الفلسطيني وأطفاله، وتحمل رسالة أمل:
إنْ كنتُ سأموت
فعليك أن تعيش
لتروي قصتي
لتبيع أغراضي
لتشتري قطعة قماش
وبعض الخيوط
(اجعلها بيضاء بذيل طويل)
حتى يرى طفلٌ، في مكانٍ ما في غزة
وهو ينظر إلى السماء
منتظراً أباه الذي رحل في لهيب
ولم يودّع أحداً
ولا حتى جسده
ولا حتى نفسه
يرى الطائرة الورقية، طائرتي التي صنَعتها أنت، تُحلّق في الأعلى
ويظن للحظة أن ملاكاً هناك
يُعيد الحب
إنْ كنتُ سأموت
فلتكن موتتي أملاً
فلتكن حكاية
تتجسد في هذه القصيدة معاناة أطفال غزة الذين ينتظرون عودة آبائهم الذين “رحلوا في لهيب”، وتحمل أيضاً رسالة الأمل التي تتمثل في الطائرة الورقية البيضاء التي تحلق في سماء غزة كملاك يعيد الحب، الشاعر رفعت العرعير، الذي كان يعمل أستاذاً في الجامعة الإسلامية بغزة، أصبح رمزاً للمقاومة الثقافية الفلسطينية وصوتاً للأجيال القادمة.
حين تعجز الكلمات عن وصف المأساة
في الساعات الأولى من فجر يوم دامٍ في أكتوبر، كان الطفل براء محمد أبو عرار، البالغ من العمر سبع سنوات، نائماً في غرفته عندما هز انفجار هائل المنطقة المحيطة، سقط ركام منزل جيرانهم على منزلهم جراء قصف إسرائيلي عنيف، نجا براء بأعجوبة من الموت، لكنه لم ينجُ من الصدمة النفسية العميقة التي أفقدته القدرة على النطق.
“قبل الحرب ليس كما بعدها”، هكذا يلخص والد براء حالة ابنه، كان الطفل قبل الحادثة طبيعياً، يتكلم ويلعب مع أقرانه، ويذهب إلى المدرسة كأي طفل في سنه، لكن بعد الصدمة، دخل براء في حالة من الصمت المطبق، وأصبح غير قادر على نطق كلمة واحدة، وكأن اللغة ذاتها فقدت معناها في عالم يسوده العنف والدمار.
والحال نفسها مع الطفل علي قاعود، الذي فقد القدرة على النطق بعد صدمة نفسية إثر غارة إسرائيلية بالقرب من خيمتهم، بعد أربعة أشهر من الصدمة، لا يزال علي يعاني من فقدان النطق وجزء من قدراته العقلية دون أن تتوافر له أي خدمات نفسية أو طبية متخصصة.
وفق شهادة معالجين نفسيين في غزة، فإن فقدان القدرة على الكلام يُعد أحد أشكال “البُكم الانتقائي” الناتج عن الصدمة، حيث يتوقف الدماغ عن إصدار أوامر للحنجرة والفم للتحدث كوسيلة دفاعية أمام صدمة تفوق قدرة الطفل على الاستيعاب والتعبير.

حينما تتحول الطفولة إلى ذكرى
“اشتهيت أن أموت”… بهذه الكلمات البسيطة المُحملة بألم عميق، عبّرت الطفلة شهد البالغة من العمر 12 عاماً عن مشاعرها بعد أن فقدت والديها وثلاثة من إخوتها في قصف إسرائيلي على منزلهم في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، نجت شهد من الموت بأعجوبة، لكنها تعيش الآن مع عمتها في خيمة للنازحين، تحاول أن تجد معنى لحياة فقدت كل مقوماتها.
تحكي شهد تفاصيل يوم القصف الذي لا تستطيع نسيانه، “كنت أقرأ القرآن بعد صلاة المغرب مع والدي، وفجأة انهارت الحجارة على رؤوسنا، لم أعد أذكر شيئاً سوى أنني استيقظت في المستشفى، وأخبروني أن عائلتي استشهدت”، تصمت شهد قليلاً ثم تكمل: “أتخيل أنهم سيعودون يوماً ما، أحدثهم في المنام، وأصحو وأنا أبكي”.
وفي قصة أخرى، يقف الطفل حذيفة، 10 سنوات، مرتجفاً وهو يحاول وصف ما حدث لعائلته، فجأة، يصرخ ويبكي بشكل هستيري عندما يتذكر لحظة انتشاله من تحت الأنقاض. “أمي وأبي وإخوتي الأربعة… كلهم ذهبوا… أريدهم… لقد وعدني أبي بشراء دراجة في العيد”، يقول بصوتٍ متقطع، ثم يصمت مجدداً، ويسمع صوت بكائه فقط.
وفق إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فقد ما لا يقل عن 17 ألف طفل في غزة أحد الوالدين أو كليهما خلال الحرب الحالية، حتى فبراير 2024، هؤلاء الأطفال أصبحوا إما أيتاماً بالكامل أو منفصلين عن عائلاتهم، مما يجعلهم من أكثر الفئات ضعفاً وعرضة للصدمات النفسية العميقة.
معاناة الأطفال الناجين
“عندما أستيقظ، أتحسس ساقي لأتأكد هل هي موجودة أم لا… ثم أتذكر أنها لم تعد جزءاً مني”، بهذه الكلمات، يصف الفتى محمود (12 عاماً) معاناته اليومية بعد بتر ساقه اليمنى في قصف استهدف منزلهم، يعيش محمود الآن محاصراً بين ألم جسدي حاد وألم نفسي أشد قسوة، وهو يحاول التأقلم مع وضعه الجديد وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
وفي مشهد مشابه، تجلس زينب (9 سنوات) على حافة سريرها في خيمة للنازحين، محاطة ببقايا ألعابها التي تمكنت من إنقاذها من تحت أنقاض منزلهم، فقدت زينب ذراعها اليسرى، وتعاني من حروق شديدة في وجهها ورقبتها، “كنت أريد أن أصبح طبيبة، لكن كيف سأصبح طبيبة الآن؟”، تتساءل الطفلة ببراءة مؤلمة.
وفق تقديرات جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، فقد نحو 5 آلاف طفل طرفاً أو أكثر بسبب الحرب في غزة، مما يعني أن آلاف الأطفال سيواجهون مستقبلاً مرهقاً من العمليات الجراحية وإعادة التأهيل، في ظل نظام صحي منهار ونقص حاد في المستلزمات الطبية.
الأسوأ من ذلك، أن هؤلاء الأطفال مضطرون للتعايش مع آلامهم الجسدية في ظروف قاسية من النزوح والحصار، يقول الدكتور أحمد، أحد الأطباء المتطوعين في مستشفى ميداني: “نجري عمليات البتر أحياناً بأدوات بدائية، ودون تخدير كافٍ، والأطفال يصرخون من الألم. ثم يعودون إلى خيام لا تقيهم من البرد أو المطر، ولا تتوفر فيها أدنى مقومات النظافة، مما يزيد من خطر الالتهابات وتدهور الحالة الصحية”.
هل ترى الرواية التي تنتظرك، تلك القصة الكامنة في عقلك، تبحث عن من يرسمها بالكلمات؟
“رحلة السرد في 90 يوماً”
ليست مجرد عنوان، هي وعد بأن تتحول فكرتك إلى عالمٍ ينبض بالحياة، وإلى رواية تترك أثرها في قلوب القرّاء.

أحلام مسروقة
“لا أستطيع النوم، أرى في المنام أشلاء أخي الصغير”، هكذا تصف ملك (13 عاماً) لياليها الطويلة المليئة بالكوابيس، تعاني ملك، كما آلاف الأطفال في غزة، من اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يتجلى في أعراض مختلفة كالقلق والخوف المستمر والأرق وفقدان الشهية والانطواء.
ووفق دراسة نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية، “يعاني أطفال غزة العديد من الأعراض التي تنم عن مشاكل نفسية، مثل التمسك بوالديهم ورفض الابتعاد عنهم، والقلق الشديد والخوف، والتبول اللاإرادي، وصعوبة في النوم”.
وتقول الطبيبة النفسية علا، التي عملت مع أطفال غزة لسنوات: “الأطفال الذين فقدوا آباءهم أو أمهاتهم أو إخوتهم أو بيوتهم غالباً ما يكونون عرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، يمكن أن يتجلى ذلك في سلوكيات مختلفة: بعض الأطفال يصبحون عدوانيين ويظهرون سلوكيات عنيفة، بينما يعاني آخرون من انطواء شديد وانسحاب من العالم المحيط”.
والملفت أن الأطفال في غزة، وخاصة صغار السن منهم، باتوا يرسمون فقط باللونين الأسود والأحمر، في إشارة واضحة للدم والدمار الذي أصبح جزءاً من حياتهم اليومية، وكما تلاحظ المعالجة النفسية سهام: “عندما نطلب من الأطفال الرسم، يرسمون طائرات حربية وصواريخ ومنازل مدمرة وجثثاً، وهذا مؤشر خطير على حجم الصدمة التي يعيشونها”.

عندما تصبح الطبيعة البشرية وسيلة للبقاء
ورغم كل المعاناة، يثبت أطفال غزة قدرة مذهلة على التكيف والصمود. في إحدى خيام النازحين في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة، صنع مجموعة من الأطفال ألعاباً من بقايا الركام وعلب المعونات الفارغة، أنشأوا عالمهم الخاص وسط الخراب، محاولين استعادة شيء من طفولتهم المسروقة.
الطفل عمر (11 عاماً)، الذي فقد والده وأخته الصغرى، تحول بشكل مفاجئ إلى “رجل البيت”، يقول: “أمي تحتاجني الآن، يجب أن أكون قوياً من أجلها ومن أجل أخواتي الصغار”، يذهب عمر يومياً إلى مراكز توزيع المساعدات، ويقف في طوابير طويلة للحصول على ما يسد رمق العائلة.
وفي قصة مؤثرة أخرى، تقوم الطفلة سلمى (10 سنوات) بتعليم أطفال أصغر منها في الخيمة، “لا يمكننا أن نترك التعليم، هذا ما كان يقوله والدي دائماً قبل استشهاده”، تقول سلمى بثقة غير متوقعة من طفلة في عمرها، تستخدم سلمى بقايا دفتر وقلماً لتعليم الأطفال الحروف والأرقام، في محاولة منها للحفاظ على شيء من الطبيعية وسط الفوضى.
هذه النماذج من المقاومة والتكيّف تعكس قدرة الروح الإنسانية على البقاء حتى في أحلك الظروف، كما تعكس الحاجة الملحة للدعم النفسي والاجتماعي لهؤلاء الأطفال، لمساعدتهم على تجاوز صدماتهم وبناء مستقبل أفضل.
أصوات أطفال غزة في العالم الرقمي
“عندما يصرخ الأطفال ألماً، يسمعهم العالم، ثم ينساهم”، هذه العبارة المؤلمة تلخص معاناة أطفال غزة الذين تتحول قصصهم أحياناً إلى مجرد منشورات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، سرعان ما تُطوى صفحتها وسط زحام الأخبار المتلاحقة.
من بين آلاف القصص، برزت قصة الطفلة حلا (8 سنوات) التي انتشر مقطع فيديو لها وهي تصرخ بين الأنقاض: “أين العالم؟ لماذا لا يرانا أحد؟”، لاقى المقطع تفاعلاً واسعاً لساعات، ثم أصبح مجرد ذكرى في عالم رقمي متسارع.
وفي حالة أخرى، فقد الطفل أحمد (5 سنوات) القدرة على الكلام بعد مشاهدة والديه وهما يموتان أمام عينيه، بعد أسابيع من الصمت المطبق، بدأ أحمد بالتواصل من خلال الرسم، رسم أحمد صورة لعائلته، وكتب أحد المعالجين النفسيين المتطوعين تعليقاً مصاحباً لها على وسائل التواصل الاجتماعي: “هذه هي اللغة الوحيدة التي يستطيع أحمد التعبير بها الآن”، انتشرت الصورة قليلاً، لكنها سرعان ما تلاشت وسط آلاف المنشورات اليومية.
يقول المدوّن والناشط الحقوقي مصطفى: “العالم الرقمي أصبح يعاني من ‘إرهاق التعاطف’، حيث تصبح مآسي الآخرين مجرد محتوى نستهلكه ثم ننتقل إلى غيره، هذا يجعل معاناة أطفال غزة أكثر قسوة، فهم يشعرون أن صرخاتهم تذهب سدى”.
غياب الدعم النفسي
“نحن نعالج الجروح الظاهرة، لكن من يعالج الجروح الخفية؟”، هذا السؤال طرحه طبيب ميداني في مستشفى الشفاء بغزة، وهو يشير إلى النقص الحاد في خدمات الدعم النفسي للأطفال.
قبل بدء الحرب الأخيرة، كان ثلث أطفال غزة بحاجة بالفعل إلى دعم نفسي بسبب الصدمات المتراكمة من النزاعات السابقة، أما الآن، فإن الحاجة أصبحت ملحة لدى الغالبية العظمى منهم، في ظل غياب شبه كامل للمتخصصين والموارد اللازمة.
تقول إيمان، المرشدة النفسية التي تطوعت للعمل مع الأطفال في مراكز الإيواء: “نحاول تقديم جلسات دعم نفسي جماعية للأطفال، لكن الموارد محدودة جداً، والاحتياجات هائلة، في كثير من الأحيان، لا نملك سوى الاستماع إليهم ومحاولة تشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم من خلال الرسم أو اللعب أو الحكايات”.
وتضيف: “الأطفال الذين فقدوا القدرة على الكلام نتيجة الصدمة يحتاجون إلى رعاية متخصصة ومكثفة، لكن هذا غير متوفر في ظل الظروف الحالية، قد تستمر حالات البُكم الانتقائي لديهم لفترات طويلة دون علاج مناسب”.

ما يريد أطفال غزة قوله للعالم
لو استطاع أطفال غزة التحدث بحرية إلى العالم، ماذا كانوا سيقولون؟ حاولنا جمع بعض الرسائل من الأطفال القادرين على التعبير، لتكون صوتاً لأقرانهم الغارقين في بحار الصمت.
“أريد فقط أن أنام ليلة كاملة دون أن أسمع أصوات القصف”، تقول رنا (11 عاماً).
“أتمنى أن أعود إلى مدرستي وأرى أصدقائي مرة أخرى، أتساءل كم منهم ما زال على قيد الحياة؟”، يتساءل محمد (13 عاماً).
“أريد أن يتوقف الموت، لماذا يموت الناس كل يوم؟ هل سنظل نموت هكذا إلى الأبد؟”، تسأل سمر (9 سنوات).
“أحلم بيوم أستطيع فيه اللعب في الشارع دون خوف من الطائرات”، يقول يوسف (8 سنوات).
“أتمنى أن يسمعنا العالم، نحن هنا، نموت كل يوم، ولا أحد يفعل شيئاً”، ترسل نور (12 عاماً) رسالتها بدموع حارقة.
في نهاية هذه الرحلة المؤلمة، تبقى الحقيقة الصارخة: هناك آلاف الأطفال الغارقين في الصمت، تختنق أصواتهم بين ركام المنازل المدمرة وأنقاض الأحلام المحطمة.
هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات الضحايا، ولا حالات دراسية في تقارير المنظمات الإنسانية، إنهم أرواح بريئة تحمل في أعماقها جراحاً غائرة قد لا تندمل أبداً، إنهم مستقبل شعب بأكمله، يتشكّل الآن في خضم نار الحرب ودخانها الخانق.
واجبنا الإنساني والأخلاقي يحتم علينا أن نكون صوتاً لهؤلاء الأطفال، أن نسمع صمتهم ونترجمه إلى صرخة مدوية في وجه العالم، واجبنا أن نذكّر العالم بأن هناك أطفالاً يموتون في صمت، ليس فقط بالقذائف والصواريخ، بل أيضاً بالصدمات النفسية التي تسرق منهم براءتهم وطفولتهم وأحلامهم.
وتبقى الحقيقة المرة: ما من كلمات يمكنها وصف معاناة طفل فقد عائلته وبيته ومستقبله، وما من كلمات يمكنها التعبير عن ألم طفل فقد القدرة على الكلام بفعل هول ما شاهدته عيناه البريئتان.



أضف تعليق