جون شتاينبِك
ترجمة: عبدالباسط شمسان
ربما تُراودك الأفكار: ماذا فعلت بي تلك الكلمات؟ كيف غيّرت نظرتي للعالم والإنسان؟ وهل جعلتني حقاً شخصاً أفضل؟ هذه الأسئلة تشغل بالي منذ سنوات طويلة، وأنا، ككاتب عاصر الكساد العظيم وشاهد صراع الإنسان مع قسوة الطبيعة وظلم المجتمع، أرى أنّ الأدب ليس مجرد حبر على ورق، بل هو امتداد للروح الإنسانية التي تبحث عن معنى في عالم قاسٍ ومتقلب.
يقول الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: “نحن نقرأ لنعرف أننا لسنا وحدنا”، هذه الكلمات تلخص جوهر تجربتي مع الأدب والكتابة، فمنذ نشأتي في ساليناس بكاليفورنيا، وعملي في مختلف المهن، من عامل زراعي إلى صيدلي وحارس، وجدتُ في الكتب ملاذاً وصديقاً ومعلماً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ما نقرأه يشكّل حقاً بوصلتنا الأخلاقية؟ وهل يمكن للأدب أن يجعلنا أشخاصاً أفضل؟
يعمل الأدب كمرآة تعكس القيم والمعتقدات والديناميكيات الاجتماعية لزمان ومكان معينين، من خلال قوة السرد، يلتقط الأدب جوهر التجارب الإنسانية، وينقل المشاعر والصراعات والانتصارات، لديه القدرة على تشكيل وجهات النظر، وتحدي الأعراف، وإلهام التغيير.
حين كتبت “عناقيد الغضب”، لم أكن أقصد فقط توثيق معاناة المزارعين خلال الكساد الكبير، بل أردتُ أن أثير في القارئ ذلك الإحساس بالظلم الذي يتطلّب فعلاً أخلاقياً، أردتُ أن أقول: انظروا، هؤلاء بشر مثلكم، يشعرون ويحلمون ويتألمون، لا يمكن أن نمر عليهم مرور الكرام.
يقول النقاد إنّ روايات شتاينبك يمكن تصنيفها جميعها باعتبارها “روايات اجتماعية تتناول المشاكل الاقتصادية التي تواجه العمالة الريفية”، لكنني أرى أنها أعمق من ذلك، إنها دعوة للتأمل في جوهر الإنسانية وفي الأسس الأخلاقية التي يجب أن تحكم العلاقات بين البشر.
لطالما آمنتُ بما أسميه “نظرية الكتائب”، التي تفسر كيفية تصرف الأفراد في مجموعة ما، تماماً كما تتصرف خلايا الكائن الحي؛ فكل خلية هي فردٌ له غرض، أو وظيفة، أما مجموع خلايا الكائن الحي، مجتمعةً، فلها غرض فريد ومختلف، هذه النظرية تتجلى في أعمالي الأدبية، حيث يتجاوز الأفراد أنانيتهم ليصبحوا جزءاً من كل أكبر، من “كتيبة” إنسانية تعمل معاً من أجل الخير العام، هذا التحوّل من الأنا إلى النحن هو جوهر الرحلة الأخلاقية التي يمكن للأدب أن يأخذنا فيها.
في “اللؤلؤة”، نرى كيف يمكن للطمع أن يدمر حياة إنسان بسيط مثل كينو، وكيف أنّ البحث عن الثروة المادية قد يؤدي إلى فقدان الثروة الحقيقية: العائلة والسلام والقناعة، هذه دروس أخلاقية عميقة تُنقل من خلال السرد، وتترك أثراً في نفس القارئ، دون وعظ مباشر، وأحد أهم الجوانب الأخلاقية للأدب هو قدرته على توسيع دائرة تعاطفنا، فعندما نقرأ، نعيش تجارب لا يمكننا عيشها في الواقع، ونتعرف على أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة، ونفهم دوافعهم وصراعاتهم.

تشير الدراسات الحديثة إلى أنّ قراءة الأدب الجيد تعزز قدرتنا على التعاطف وفهم مشاعر الآخرين، ففي دراسة أجراها باحثون في جامعة تورونتو، وجدوا أنّ الأشخاص الذين يقرأون الروايات الأدبية يُظهرون قدرة أكبر على فهم الحالات العقلية والعاطفية للآخرين مقارنة بالذين لا يقرأون، وتؤكد أيضاً أنّ انتشار القراءة والروايات أدى إلى تقليل العنف بين الناس، فعندما نقرأ عن معاناة شخص ما، حتى لو كان شخصية خيالية، فإننا نطور تعاطفاً معه قد ينتقل إلى حياتنا الواقعية.
في معظم أعمالي، طرحت الصراعات الأخلاقية كمحور رئيسي للقصة، في “الرجال والفئران”، نرى صراع جورج بين الولاء لصديقه ليني وبين ما يعتبره “الشيء الصحيح” في النهاية، هذه المعضلات الأخلاقية المعقدة تُجبر القارئ على التفكير في قيمه الخاصة وفي المواقف الصعبة التي قد يواجهها، وفي “شرق عدن”، استكشفتُ فكرة الخير والشر من خلال شخصيات متعددة الأبعاد، آمنتُ دائماً بالخير والشر، وكنتُ مقتنعاً بأنّ الأخلاق غالباً ما تكون متناسبة عكسياً مع حظك في الحياة، فأن تكون صالحاً يعني في كثير من الأحيان أن يكون لديك القليل لتظهره مقابل ذلك.
ومع ذلك، فإنّ الأعمال الأدبية لا تقدم إجابات جاهزة للأسئلة الأخلاقية، بل تضع القارئ في مواجهة مع نفسه، مع قيمه ومعتقداته، وتشجعه على التفكير النقدي وتحدي الافتراضات الراسخة، وتعزيز قدرته على إثارة الوعي بالظلم الاجتماعي ودفع القراء نحو العمل من أجل التغيير، سعيتُ في أعمالي إلى تسليط الضوء على معاناة المهمشين والفقراء والعمال.
عندما نُشرت “عناقيد الغضب”، أثارت غضب أصحاب الأراضي والمزارع الكبيرة في كاليفورنيا، واتهموني بالمغالطة وتبني مبادئ هدامة، لكن الكِتاب نجح في إثارة النقاش حول ظروف العمال المهاجرين وساهم في إصلاحات اجتماعية مهمة، هذه هي قوة الأدب في التأثير على الأخلاق العامة: فهو لا يكتفي بتوثيق الظلم، بل يجعلنا نشعر به، ويدفعنا للتساؤل عن دورنا في استمراره أو مواجهته.

ولا بد من الاعتراف بأنّ هناك أحياناً تناقضاً بين أخلاق الكاتب في أعماله وأخلاقه في حياته الشخصية، وقد أشار النقاد إلى هذا التناقض في حياتي أنا أيضاً، حيث وصفوا “شتاينبك الإنسان في مذكراته يناقض شتاينبك الروائي إلى درجة مريعة.. كل الظلم الذي فضحه في «عناقيد الغضب»، كان يمارسه في بيته الصغير”، هذا التناقض يثير سؤالاً مهماً: هل يمكن فصل العمل الأدبي عن صاحبه؟ وهل يؤثر سلوك الكاتب الشخصي على القيمة الأخلاقية لأعماله؟
أعتقد أنّ الأعمال الأدبية تتجاوز أحياناً مؤلفيها، وتحمل قيماً ورؤى قد لا يستطيع المؤلف نفسه الارتقاء إليها في حياته الشخصية، فالكاتب، مثل أي إنسان، يعاني من التناقضات والضعف، لكن أعماله قد تُعبر عن الجانب الأفضل فيه، عن تطلعاته وآماله في عالم أكثر عدلاً وإنسانية.
عندما نقرأ، نحن نخلق عالماً في مخيلتنا، نتفاعل مع الشخصيات، نفكر في خياراتهم، نتساءل عما كنا سنفعله لو كنا مكانهم، هذه العملية النشطة تشكّل ما يسميه بعض الفلاسفة “الخيال الأخلاقي” – القدرة على تخيل احتمالات أخلاقية متعددة وتداعيات أفعالنا، من خلال القراءة، نتدرب على هذا الخيال، نوسع آفاقنا الأخلاقية، ونصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية معقدة في حياتنا اليومية.
كما أنّ الأدب يساعدنا على تطوير مفاهيم الهوية والتخيل والتعاطف، وفي عالمنا الفوضوي، تعتبر هذه المهارات ذات أهمية كبيرة، ويصبح الأدب أكثر أهمية من أي وقت مضى، ويذكرنا بإنسانيتنا المشتركة في عالم متفكك ومجزأ.
عندما نقرأ، نحن نخلق عالماً في مخيلتنا، نتفاعل مع الشخصيات، نفكر في خياراتهم، نتساءل عما كنا سنفعله لو كنا مكانهم، هذه العملية النشطة تشكّل ما يسميه بعض الفلاسفة “الخيال الأخلاقي” – القدرة على تخيل احتمالات أخلاقية متعددة وتداعيات أفعالنا، من خلال القراءة، نتدرب على هذا الخيال، نوسع آفاقنا الأخلاقية، ونصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أخلاقية معقدة في حياتنا اليومية.
وأعتقد أنّ ما يميز الأدب الإنساني هو تلك اللمسة من الضعف والتناقض، تلك الصراعات الداخلية والأسئلة التي لا إجابات نهائية لها، الأدب الحقيقي لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يدعونا للتفكير والتساؤل والبحث المستمر عن المعنى، فقراءة الأدب هي رحلة أخلاقية، قد لا تجعلنا مثاليين أو قديسين، لكنها تساعدنا على أن نكون أكثر وعياً بتعقيدات الحياة الأخلاقية، أكثر تعاطفاً مع الآخرين، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية عن أفعالنا وخياراتنا، وعندما كتبت في خطاب نوبل عام 1962: “إنّ الأدب لا يكتبه القلة للقلة، وصناع الأدب عليهم مسؤوليات وواجبات كبرى”، كنتُ أؤمن بأنّ الأدب يحمل رسالة أخلاقية، وأنّ الكاتب يتحمل مسؤولية تجاه قرائه والمجتمع ككل.
وكما قلتُ يوماً: “نحن أعلى قليلاً من الوحوش المدربة”، فالأدب هو ما يساعدنا على الارتقاء فوق غرائزنا البدائية، ويذكرنا بإمكاناتنا الأخلاقية كبشر، في كل مرة نفتح فيها كتاباً، نفتح إمكانية لأن نصبح أفضل قليلاً، أكثر إنسانية، وأكثر اتصالاً بالعالم من حولنا.
* عبدالباسط شمسان مترجم يتميز بحس أدبي دقيق، يجيد نقل روح النص الأصلي بلغة عربية سلسة وأنيقة، مع حفاظه على وضوح المعنى وثراء الأسلوب.


أضف تعليق