وليم زنسر
ترجمة: عبدالباسط شمسان
قد تبدو هذه العبارة أنانية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع جوهر الكتابة الصادقة، عندما تكتب لنفسك، تنجح في إيجاد صوتك الحقيقي، ذلك الصوت الفريد الذي يُميّزك عن ملايين الكتّاب الآخرين في هذا العالم، إنه بصمتك التي تتركها في سجل الإنسانية، وكنت طيلة حياتي المهنية – من عملي كمحرر ومراسل في “نيويورك هيرالد تريبيون”، إلى تدريس فن الكتابة في جامعة ييل، وتأليف الكتب – قد اكتشفت أنّ الكتابة في جوهرها رحلة اكتشاف للذات، حين تكتب، فإنك لا تنقل فقط أفكارك للآخرين، بل تكشف نفسك لنفسك أيضاً.
تخيل معي أنك تقف أمام مرآة، المرآة لا تُجملك ولا تُشوهك، بل تعكس ما أنت عليه بالضبط، هكذا هي الكتابة، عندما تكتب بصدق، تصبح الكلمات مرآة لأفكارك وقيمك ومعتقداتك، قد لا تعجبك دائماً هذه الصورة، لكنها حقيقية، والكتابة الحقيقية هي التي تبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة.
عندما كتبت مقالاتي الأولى في الصحافة، كنت أحاول جاهداً إرضاء رؤسائي ومحرري الصحيفة، كنت أقلد أساليب الكتاب المشهورين وأحاول صياغة جمل معقدة لأبدو ذكياً ومثقفاً، النتيجة كانت كتابة متكلفة وخالية من الروح، لكن التحول الكبير في مسيرتي حدث عندما بدأت أكتب بصوتي الخاص – بلا تكلف، بلا محاولة لإرضاء الآخرين، بلا خوف من الأحكام.
“الكتابة فعل من أفعال الأنا، وعليك أن تعترف بذلك”، هذه إحدى العبارات التي أرددها دائماً في محاضراتي، الكتابة تتطلب شجاعة كبيرة، عليك أن تقف منفرداً وتقول: “هذا ما أفكر فيه، هذا ما أشعر به، هذا هو منظوري للعالم”، لا شيء أصعب من هذا، نحن كبشر، مبرمجون على البحث عن القبول الاجتماعي ومحاولة الانسجام مع الآخرين، لكن الكاتب الجيد يتجاوز هذا الميل الطبيعي ويستجمع شجاعته ليقول ما يؤمن به حقاً.
أتذكر عندما كنت أدرّس في ييل، كان طلابي يأتون إليّ بمقالات معقدة، مليئة بالمصطلحات الأكاديمية والجُمل الطويلة المتشابكة، كانوا يحاولون إثبات ذكائهم من خلال الغموض، كنت أقول لهم: “انسوا كل ذلك، اكتبوا بصوتكم الطبيعي، تخيلوا أنكم تشرحون الفكرة لصديق في مقهى، لا تحاولوا إثبات ذكائكم، حاولوا إيصال فكرتكم بوضوح”.
أعتقد أنّ الكثيرين يخلطون بين التعقيد والعمق، يظنون أنّ النص المعقد هو نص عميق بالضرورة، وأنّ استخدام كلمات غريبة ومصطلحات تخصصية يجعلهم يبدون أكثر ثقافة ومعرفة، لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً، فالقوة الحقيقية تكمن في البساطة والوضوح، الكاتب الماهر هو من يستطيع شرح أكثر الأفكار تعقيداً بلغة بسيطة يفهمها الجميع، لا يعني هذا تبسيط الفكرة نفسها أو تسطيحها، بل تقديمها بلغة واضحة وخالية من التكلف.
عندما كنت أعمل في الصحافة، كانت بعض أفضل المقالات التي قرأتها تلك التي تتناول موضوعات علمية أو اقتصادية معقدة، لكنها تشرحها بلغة يفهمها القارئ العادي، هذه هي قمة الإبداع في الكتابة – أن تزيل الحواجز بين القارئ والمعرفة.
قد يبدو مفهوم “أنت تكتب لنفسك” متناقضاً مع فكرة أنّ الكتابة وسيلة للتواصل مع الآخرين، لكن هذا التناقض سطحي فقط، عندما أقول إنك تكتب لنفسك، فأنا لا أعني أنك تتجاهل القارئ، بل إنك تكتب بصدق وأصالة، القراء ليسوا مجموعة مجردة، بل أشخاص حقيقيون بمشاعر وتجارب وآمال، وهم يبحثون في كتاباتك عن الصدق والإنسانية، يريدون أن يشعروا بوجود إنسان حقيقي خلف الكلمات، وليس آلة تنتج محتوى.
عندما كتبت كتابي “الكتابة الجيدة” (On Writing Well)، لم أكن أفكر في جعله كتاباً تعليمياً جافاً، بل أردت أن أنقل خبرتي الشخصية وشغفي بالكتابة، أردت أن أتحدث إلى القارئ كصديق، وأن أشاركه ما تعلمته خلال رحلتي، وهذا ما جعله يصل إلى الملايين حول العالم، ليس لأنه يحتوي على معلومات لا توجد في كتب أخرى، بل لأنه مكتوب بصوت إنساني صادق.

أحد أكبر الأوهام لدى الكتّاب المبتدئين هو أن الكتابة الجيدة تأتي من أول محاولة، يجلسون إلى أوراقهم منتظرين لحظة الإلهام العظيم، ثم يشعرون بالإحباط عندما لا تأتي الكلمات كما يتوقعون، الحقيقة هي أن الكتابة الجيدة تأتي من التنقيح المستمر، الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط، بل يعيد الكتابة مراراً وتكراراً، كما قلت مرة: “الكتابة عمل شاق، الجملة الواضحة ليست وليدة الصدفة، قليلة هي الجمل التي تأتي صحيحة من المرة الأولى، أو حتى الثالثة، تذكر هذا في لحظات اليأس، إذا وجدت أنّ الكتابة صعبة، فذلك لأنها صعبة بالفعل”.
أتذكر كيف كنت أراجع مقالاتي عندما كنت صحفياً، كنت أقضي وقتاً أطول في المراجعة والتنقيح مما أقضيه في الكتابة الأولية، كنت أزيل الكلمات الزائدة، أبسّط الجمل المعقدة، وأبحث عن كلمات أكثر دقة، هكذا تتحول المسودة الأولية الخام إلى نص متماسك ومصقول.
كثيراً ما يُقال إنّ الكتابة عمل عقلي بحت، لكن هذا غير صحيح، الكتابة الجيدة تنبع من الكيان بأكمله – العقل والقلب والروح، عندما تكتب، استخدم كل حواسك، استحضر الروائح والألوان والأصوات، اجعل القارئ يشعر ويرى ويسمع ما تشعر به وتراه وتسمعه.
لنأخذ مثالاً بسيطاً، إذا كنت تكتب عن زيارة لمدينة مراكش، فلا تقل فقط “كانت السوق مزدحمة”، بدلاً من ذلك، اجعل القارئ يشعر بالمكان: “كانت رائحة البهارات تملأ الهواء – القرفة والكمون والزعفران – بينما يتصاعد صوت الباعة المتداخل مع أنغام الناي المنبعثة من زاوية السوق، تدافعت الألوان أمام عيني: الأحمر الناري للفلفل المطحون، الأصفر الذهبي للكركم، الأخضر الزمردي للنعناع الطازج”.
أعتقد أنّ الكاتب، في جوهره، صائد للحقيقة، ليس الحقيقة المجردة والمطلقة التي يبحث عنها الفلاسفة، بل الحقيقة الإنسانية – حقيقة التجربة والشعور والإدراك، وعندما كنت أكتب عن الموسيقى (وهي من شغفي الكبير إلى جانب الكتابة)، لم أكن أسعى فقط لوصف النوتات والإيقاعات، بل كنت أحاول نقل تأثير الموسيقى على الروح، وكيف تتحول الأصوات إلى مشاعر وذكريات وأحلام، هذا البحث عن الحقيقة هو ما يجعل الكتابة رحلة مستمرة ومتجددة، كل نص جديد هو محاولة للاقتراب أكثر من الحقيقة، لفهم أعمق للعالم وللذات.
الكاتب الحقيقي يمتلك شجاعة أخلاقية تُمكنه من قول ما يؤمن به، حتى لو كان مخالفاً للسائد أو غير مرغوب فيه، كم من الكتّاب ضحوا بصدقهم الفكري من أجل المال أو الشهرة أو القبول الاجتماعي! يكتبون ما يعتقدون أنه سيروق للناشرين أو النقاد أو الجمهور، وليس ما يؤمنون به حقاً، النتيجة هي نصوص جوفاء، قد تحقق نجاحاً مؤقتاً، لكنها لن تبقى، الكتابة الجيدة هي تلك التي تنبع من صدق أخلاقي عميق، تأملوا كتابات غاندي أو مارتن لوثر كينج أو سيمون دو بوفوار، إنها تظل حية ومؤثرة لأنها نابعة من قناعات أخلاقية راسخة.
وأحد المبادئ الأساسية التي أؤمن بها هي أنّ الكتابة الجيدة تشبه المحادثة الجيدة، عندما تتحدث مع صديق، فإنك لا تستخدم جملاً معقدة أو كلمات غريبة لإثبات ذكائك، بل تتواصل معه بصدق وبساطة، تخيل أنك تتحدث إلى صديق ذكي مهتم بما تقوله، لا تحاول إبهاره بمفردات معقدة، بل اجذبه بصدقك وأفكارك ووضوحك.
عندما أراجع نصوصي، أسأل نفسي دائماً: “هل هذا ما كنت سأقوله بالضبط لو كنت أتحدث بدلاً من أن أكتب؟” إذا كان الجواب بالنفي، فأعيد كتابة النص ليصبح أكثر طبيعية وأصالة، هناك مفهوم خاطئ سائد بأنّ البساطة والعمق لا يجتمعان، وأنّ النص البسيط هو نص سطحي بالضرورة، هذه خرافة يجب تحطيمها، فأحد أعظم الأفكار في التاريخ تم التعبير عنها بلغة بسيطة وواضحة، “أنا أفكر، إذن أنا موجود” لديكارت، “الحرية هي إدراك الضرورة” لهيجل، “الجمال هو الحقيقة، والحقيقة هي الجمال” لكيتس، هذه أفكار عميقة للغاية، لكنها صيغت بكلمات بسيطة يفهمها الجميع، فالكاتب العظيم هو من يستطيع أن يجعل الأفكار المعقدة سهلة الفهم، دون أن يفقدها عمقها وجوهرها.
لا شيء يقتل النص أكثر من الكليشيهات والتعبيرات المستهلكة، سئمنا من قراءة وصف للشمس بأنها “قرص ذهبي”، أو للحب بأنه “شعلة متقدة”، أو للغضب بأنه “بركان ثائر”، الكاتب الحقيقي يتحدى نفسه دائماً لإيجاد طرق جديدة وطازجة للتعبير، يبتعد عن الصيغ الجاهزة ويبحث عن زوايا جديدة ورؤى مختلفة.
أتذكر تلميذة موهوبة كانت في صفي بجامعة ييل، عندما طلبت منها كتابة مقال عن مدينة نيويورك، تجنبت كل الصور النمطية – ناطحات السحاب، الزحام، الضجيج – وركزت بدلاً من ذلك على تفصيل صغير: كيف تتغير رائحة الهواء في نيويورك باختلاف الأحياء وساعات اليوم، كانت النتيجة مقالاً مميزاً وأصيلاً، لأنها اختارت زاوية لم يتطرق إليها الآخرون، يقول البعض إنك تحتاج إلى كتابة مليون كلمة سيئة قبل أن تبدأ في كتابة كلمات جيدة، وهناك حقيقة في هذا القول.
خلال مسيرتي المهنية، رأيت العديد من الكتّاب الموهوبين يستسلمون بسبب نقص الصبر، كانوا يتوقعون النجاح الفوري، وعندما لم يأت، شعروا بالإحباط وتخلوا عن الكتابة، لكن الكتّاب العظماء يعرفون أنّ الكتابة مشروع حياة، يكتبون كل يوم، بغض النظر عن النتيجة أو الاعتراف، يكتبون لأنهم لا يستطيعون ألا يكتبوا، الكتابة بالنسبة لهم ليست مهنة، بل هي طريقة حياة.
لا شيء يقتل النص أكثر من الكليشيهات والتعبيرات المستهلكة، سئمنا من قراءة وصف للشمس بأنها “قرص ذهبي”، أو للحب بأنه “شعلة متقدة”، أو للغضب بأنه “بركان ثائر”، الكاتب الحقيقي يتحدى نفسه دائماً لإيجاد طرق جديدة وطازجة للتعبير، يبتعد عن الصيغ الجاهزة ويبحث عن زوايا جديدة ورؤى مختلفة.
وفي عالم اليوم، أصبح إنتاج المحتوى صناعة ضخمة، ملايين المقالات والمدونات والكتب تُنشر يومياً، معظمها فارغ من المعنى والقيمة، يكتب الناس لمجرد أن يكتبوا، دون أن يكون لديهم شيء حقيقي يريدون قوله، لكن النصيحة التي أقدمها دائماً هي: لا تكتب إلا إذا كان لديك شيء تقوله، الكتابة ليست ملء فراغات أو تلبية حصة معينة من الكلمات، الكتابة هي التعبير عن أفكار ومشاعر حقيقية تحتاج إلى أن تُقال، هذا لا يعني أن تنتظر الإلهام، بل يعني أن تكتب فقط عندما تشعر بأنّ لديك وجهة نظر أو تجربة أو معرفة تستحق المشاركة، الكتابة هي وسيلة لتركيز الفكر وتنظيمه، عندما تكتب، فإنك لا تنقل ما تفكر فيه فحسب، بل تكتشف ما تفكر فيه، الكتابة عملية اكتشاف مستمرة.
كثيراً ما أجد نفسي أبدأ مقالاً بفكرة معينة، ثم أنتهي بفكرة مختلفة تماماً، خلال عملية الكتابة، تتضح الأفكار وتتبلور، وتظهر روابط جديدة لم أكن أدركها من قبل، هذا هو السبب في أنّ الكتابة أداة قوية للتعلم والنمو الشخصي، إنها تجبرنا على مواجهة أفكارنا ومعتقداتنا، وتحديها وتنقيتها، ونصيحتي الأهم: اكتب بفرح، الكتابة يمكن أن تكون عملاً شاقاً، لكن يجب أن تكون أيضاً مصدراً للمتعة والرضا، إذا لم تكن تستمتع بما تكتبه، فلماذا تتوقع من القارئ أن يستمتع به؟
أتذكر أيامي الأولى في الصحافة، كيف كنت أستيقظ متحمساً كل صباح، متلهفاً للذهاب إلى المكتب وكتابة مقالتي اليومية، هذا الحماس كان ينتقل إلى نصوصي، مما يجعلها نابضة بالحياة والطاقة.
عندما تكتب لنفسك – بصوتك الخاص، وبأفكارك الأصيلة، وبصدقك الفكري والأخلاقي – فإنك لا تكتب فقط للحاضر، بل للمستقبل أيضاً، تضيف صوتك الفريد إلى السجل الكبير للتجربة الإنسانية.
اكتب بفرح، واكتب بحرية، واكتب لنفسك أولاً، هذه هي وصفة الكتابة الجيدة.


أضف تعليق