أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة

محمد البلوشي

في أسوان، ولد طفل سيتحوّل إلى أحد عمالقة الفكر العربي في القرن العشرين، لم يكن أحد يتصوّر أنّ هذا الفتى الذي اكتفى بشهادته الابتدائية سيصبح بحراً من المعرفة، وأن تتحوّل غرفته الصغيرة إلى عالم يتسع للفلسفة والأدب والتاريخ والديانات وعلم النفس.

تُرى ما الذي كان يبحث عنه العقاد بين السطور؟ لماذا هوى القراءة حتى قيل إنه طالَع ما يقارب الأربعين ألف كتاب في حياته؟ وأي سر دفين كان يسبر غوره في بحر اللغة والمعاني؟

“كلا.. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لازداد عمراً في تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأنّ عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني…”.

هكذا يكشف العقاد سر عشقه للقراءة، في اعتراف يُشبه قصيدة حب خالدة، يعترف بعجز البشر الوجودي: محدودية الزمن المُتاح للإنسان، نحن محكومون بسجن زمني، محصورون في خط مستقيم يبدأ بالولادة وينتهي حتماً بالموت، لكن العقاد وجد في القراءة طريقة للتمرد على هذه المحدودية، نوعاً من التحايل العميق على شروط الوجود الإنساني.

لنتأمل معاً فكرة “تعدد الأرواح في روح واحدة” التي يُقدمها العقاد، إنها تتجاوز فكرة القراءة كوسيلة لاكتساب المعلومات، أو حتى كوسيلة للترفيه، القراءة بالنسبة للعقاد تجربة وجودية تتيح لروحه أن تسكُن – ولو مؤقتاً – أرواحاً أخرى، أن تتقمص وعياً مغايراً، وتعيش تجارب لم تكن لتعيشها ضمن حدود عمره البيولوجي.

حين نقرأ توماس مان، نعيش في ألمانيا القرن التاسع عشر، ومع ديستويفسكي، نتنفس هواء بطرسبورغ الثلجي، وحين نغوص في كلمات ابن خلدون، نستحضر روح الحضارة العربية في أوج تألقها، وهكذا نحطم جدران الزمان والمكان، متحررين من قيود الجسد والعمر المحدود.

“والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الانسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب”.

هنا يقدم العقاد تمييزاً فلسفياً دقيقاً: الفرق بين تعميق الحياة وإطالتها، لا تضيف القراءة ساعات إلى العمر بالمعنى الكمي للزمن، لكنها تضيف أبعاداً للوجود بالمعنى الكيفي للتجربة، إنها أشبه بالفرق بين امتداد الأرض على سطحها، واكتشاف طبقاتها العميقة وما تحويه من كنوز.

لو استعرنا استعارة من علم الفيزياء، فإنّ القراءة تمنحنا بُعداً إضافياً للوجود، نحن نعيش في ثلاثة أبعاد، لكن من خلال القراءة، نكتسب بُعداً رابعاً وخامساً وسادساً، أبعاداً من الوعي والتجربة والمعرفة التي تتجاوز حدود الجسد والحواس.

في غرفته المتواضعة، كان العقاد يعيش مئات الحيوات المتداخلة، يستنشق هواء أماكن لم يزرها، ويتناول عشاءه مع فلاسفة اليونان،

القراءة تمنحنا بُعداً إضافياً للوجود، نحن نعيش في ثلاثة أبعاد، لكن من خلال القراءة، نكتسب بُعداً رابعاً وخامساً وسادساً، أبعاداً من الوعي والتجربة والمعرفة التي تتجاوز حدود الجسد والحواس.

ويتنزّه في حدائق الشعر الفارسي، ويُحاور علماء الغرب وفلاسفة الشرق، كانت الكتب بوصلته للإبحار عبر محيطات الوعي الإنساني، دون أن يتكبد عناء السفر الجسدي.

“فكرتك أنت فكرة واحدة.. شعورك أنت شعور واحد.. خيالك أنت خيال فرد إذا قصرته عليك.. ولكنك إذا لاقيتَ بفكرتك فكرة أخرى، أو لاقيتَ بشعورك شعوراً آخر، أو لاقيتَ بخيالك خيال غيرك.. فليس قصارى الأمر أنّ الفكرة تصبح فكرتين، أو أنّ الشعور يصبح شعورين، أو أنّ الخيال يصبح خيالين.. كلا.. وإنما تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات من الأفكار في القوة والعمق والامتداد”.

هنا يرسم العقاد خارطة لفيزياء الأفكار، وكيف تتفاعل وتتضاعف حين تتلاقى، لقاء الأفكار المختلفة لا يخضع لقوانين الجمع الرياضية البسيطة (1+1=2)، بل يخضع لقانون التضاعف والانفجار المعرفي، حين تلتقي فكرتان، تتولد منهما أفكار جديدة لم تكن موجودة في أي منهما على حدة، لنتخيل هذا التفاعل: عقل العقاد وهو يتفاعل مع عقل نيتشه، أو هيغل، أو ابن رشد، هذا اللقاء يولّد طاقة فكرية هائلة، يتشكّل منها وعي جديد، يتجاوز حدود الوعييْن المنفصلين، وهكذا، تصبح القراءة تفاعلاً خلاقاً، ينتج معرفة جديدة ووعياً مركباً.

لو تأملنا العلاقة الخاصة بين العقاد وكتبه، لوجدناها تتجاوز فكرة الاستهلاك المعرفي إلى نوع من الصداقة الروحية، كان العقاد يتعامل مع الكتب كما يتعامل المرء مع أصدقائه المقربين: يحاورهم ويجادلهم، يستمع إليهم ويصارحهم بأفكاره، يخالفهم ويوافقهم، وكما أشار في مقولته الشهيرة: “اقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات، أنفع لك من أن تقرأ ثلاث كتب جيدة”، يؤمن العقاد بفكرة العلاقة العميقة مع النصوص، لا المرور العابر فوق سطحها، إنها دعوة للغوص في أعماق النص، واستخراج دُرره الدفينة، وليس الاكتفاء بالتقاط ما طفا على سطحه.

تذكرنا هذه الفلسفة بمقولة هنري ديفيد ثورو: “لم أجد رفيقاً أكثر ثراءً من الوحدة”، فبالنسبة للعقاد، كانت العزلة مع الكِتاب أكثر ثراءً من الضجيج الاجتماعي الفارغ، كانت خلوته مع الكتاب ليست انسحاباً من الحياة، بل انغماساً أعمق فيها، عبر بوابات المعرفة والفكر.

“لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة.. ولكنني أحب الكتب لأنّ حياة واحدة لا تكفيني..”.

يرسم العقاد الخط الفاصل بين فلسفته في القراءة وبين الهروب من الحياة، لم تكن القراءة ملاذاً من واقع مرير، أو تعويضاً عن فقر في التجربة العملية، بل كانت على العكس، تعبيراً عن شغف وجودي، وعطش لا يرتوي للحياة بكل تنوعاتها وأبعادها، هناك معادلة جدلية عميقة في هذا التصوّر: كلما ازداد امتلاء الإنسان بالحياة، ازدادت الحياة الواحدة عجزاً عن إشباعه.

وفي هذا السياق مقارنة ملهمة: “ومهما يأكل الانسان فإنه لن يأكل بأكثر من معدة واحدة، ومهما يلبس فإنه لن يلبس على غير جسد واحد، ومهما يتنقل في البلاد فإنه لن يستطيع أن يحل في مكانين، ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد…”، في هذه المقارنة البارعة، يرسم العقاد الحدود المادية للتجربة البشرية، مقابل الآفاق اللامحدودة للتجربة الفكرية، الجسد محدود بقيوده البيولوجية، لكن العقل والروح قادران على تجاوز هذه القيود، والانفتاح على آفاق لا نهاية لها من التجارب المعرفية والجمالية.

“ولكنه بزاد الفكر والشعور والخيال يستطيع أن يجمع الحيوات في عمر واحد، ويستطيع أن يُضاعف فكره وشعوره وخياله كما يتضاعف الشعور بالحب المتبادل، وتتضاعف الصورة بين مرآتين”.

يقدم العقاد استعارة فلسفية عميقة: استعارة المرايا المتقابلة، حين توضع مرآتان متقابلتان، تتكرر الصورة بينهما إلى ما لا نهاية، في انعكاسات متتالية تتضاءل باطّراد في العمق، كذلك هي القراءة: لقاء بين وعيين، يتولد منه تضاعف لا نهائي للمعنى، لنتخيل لحظة التقاء عقل العقاد بنص لأفلاطون أو ابن سينا، هذا اللقاء يُنتج إمكانية لا نهائية من الأفكار والرؤى، تتناسل وتتوالد في عملية خلق معرفي مستمرة، المعرفة هنا عملية ديناميكية من التوليد المستمر للمعنى.

“لست أهوى القراءة لأكتب…”.

ورغم هذا النفي الظاهري للعلاقة بين القراءة والكتابة، فإنّ حياة العقاد نفسها تشهد على جدلية عميقة بينهما، قرأ العقاد الآلاف من الكتب، وكتب العشرات منها، كانت القراءة لديه تتحوّل عبر الهضم الفكري والتمثّل العميق، إلى إنتاج معرفي أصيل، ولم يكن العقاد “ببغاء ثقافية” تردد ما قرأته، بل كان مفكراً مبدعاً، يهضم ما يقرأه، ويعيد إنتاجه في صورة فريدة تعكس شخصيته وفكره، كانت القراءة تتحوّل عبر التمثيل البيولوجي إلى جزء من كيانه، لا ينفصل عن هويته ووجوده، وحين نقرأ ما كتبه العقاد عن النساء أو عن الشعر أو عن الفلسفة، نشعر بأصالة صوته وتفرده، رغم تأثره بما قرأه، وهذا هو سر الإبداع الحقيقي: القدرة على التحويل الخلّاق للمعرفة، من معرفة مستهلَكة إلى معرفة منتَجة.

وماذا كان سيقول العقاد لو رأى عصرنا الرقمي، حين تتدفق المعلومات بسرعة مذهلة، وتتنافس آلاف وسائل الترفيه على سرقة انتباهنا؟ ربما كان سيذكّرنا بأنّ القراءة العميقة ضرورة وجودية، وفي عالمٍ يغرق في ضحالة المعلومات السريعة والمحتوى الاستهلاكي، ستكون القراءة المتأنية العميقة سبيلاً للحفاظ على عمق التجربة الإنسانية، في زمن “النقر السريع” و”التمرير اللانهائي”، تصبح دعوة العقاد لقراءة كتاب جيد ثلاث مرات ثورة مضادة للسطحية، ودعوة للغوص في المحيط بدلاً من الاكتفاء بالسباحة على سطحه، لاستعادة المعنى، وإعادة اكتشاف عمق التجربة الإنسانية.

وكما قال سيسرون “الكتب حدائق محمولة”، وعوالم مكثفة، يمكن حملها في حقيبة، أو على رف، أو في ذاكرة إلكترونية صغيرة، لكنها تحوي بداخلها أكواناً لا حصر لها من المعاني والتجارب، بهذا المفهوم، تصير القراءة إثراءً وتعميقاً لتجربة القارىء، وتُقدم فلسفة حياة متكاملة، قوامها أنّ الإنسان الحقيقي هو من يعيش بعمق لا من يعيش بطول، وأنّ الحياة الواحدة يمكن أن تتسع لآلاف الحيوات، تتعانق فيها الأفكار والرؤى، وتتضافر فيها التجارب الإنسانية عبر العصور والثقافات.

تلك هي رسالة العقاد الخالدة للإنسانية: أن نعيش كل حياة كما لو كانت آلاف الحيوات، وأن نخترق حدود الزمان والمكان والذات، لنلامس جوهر الوجود الإنساني، عبر تلك البوابات السحرية التي نسميها الكتب، فهل أدركنا، في عصرنا المتسارع، عمق هذه الفلسفة؟ وهل استطعنا، وسط ضجيج المعلومات، أن نستعيد فن القراءة العميقة التي تهبُنا، كما وهبت العقاد، أكثر من حياة واحدة؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.