نورا حنفي – مصر
إنه يوم جديد تُجبرني فيه التزامات الحياة على مواجهة الواقع، وهو حكم بالإعدام بالنسبة لروح حرة تبغض القواعد مثل روحي.
كل شيء سار بصعوبة بالغة، من تحضير ملابسي حتى الخطوة الأولى خارج بوابة العمارة، ولكني أحببت تلك الورطة كثيراً فيما بعد!
في أثناء ما كنت أجرُّ خطواتي من شارع لشارع، استوقفتني فتاة ربما في مثل سني، في أواخر العشرينات، هيئتها توحي بشخصية خجولة، أنيقة، لكنها ضائعة!
سألتني بأنفاس ترتجف عن أحد شوارع القاهرة، ويبدو أنها أخطأت الاختيار، صحيح أني أمشي بثقة، ولكنها مفتعلة، إنه أسلوبي في إخفاء جهلي بأمر ما، فكيف تسأل من لا تعرف سوى الطريق إلى باب غرفتها؟!
أجبتها بصراحة أنني لا أعرفه، حينها رأيت في عينها استسلام أوجعني، ربما كانت تهمس لنفسها: «لا فائدة، لقد انتهيت».. وأخشى أن تكون كذلك!
لم أستطع تجاهلها وهي تنتفض خوفاً من مصيرها، حاولت إنعاش ذاكرتها عن ملامح الطريق أو أي إشارة تدل عليه، المهم النجاة بها من مدينة لن ترحم ضعفها أبداً.
فشلت المحاولات كل مرة، لا هي تتذكر، ولا أحد يعرف!
مرّت نصف ساعة ونحن نحاول، وكل ما فهمته منها أنها غريبة عن العاصمة أصلاً، لقد جاءت لتضيع هُنا، معي!
ارتبكنا تارة، وضحكنا من سخافة الموقف تارة، وقبل أن نفقد أعصابنا اقترحت أن نطرح السؤال على سائق بالقرب منا، أسلوبه مع الزبائن أكد لي أنه خير دليل لها، وربما يصف لها طريق المريخ إن أرادت.
وبالفعل، تقدمت نحوه بخطوات حذرة، وبصوت رقيق سألته: لو سمحت، أين شارع…؟
كاد قلبي أن ينخلع من بين ضلوعي من فرط القلق، أرجوك إنك الأمل الأخير لنا، إن قُلت «لا أعرف» سأنهار أكثر منها بمراحل، فهي أمانة في رقبتي الآن.. أرجوك أرجوك!
لم ينطقها.. ولكنه نطق بما لم نفهمه!
«تدخل من شارع فلان ومنه إلى سوق كذا وإلى نهايته وهُناك ستجد عربات تنقلها إليه»
ماذا؟!
يبدو أنه أرشدها للمريخ بحق!
فكيف ستفعلها وهي خائفة؟!
وهل تنجح الخطة أم ستبتلعها الأرض من جديد؟!
ولكن.. نحمد الله أن هُناك من استطاع أن يضعنا على أول الطريق، ولحُسن الحظ أني كنت أحمل القلم والدفتر في حقيبتي لتدوين أفكاري التي تطاردني في الليل والنهار، فنزعت منه ورقة وكتبت كل كلمة قالها، لتصبح خريطة لها في مشوارها الغامض، وكذلك اسمي ورقم تليفوني، فلا أشعر بالذنب بالانفصال عنها في أزمتها.. مشاغل الحياة تحكم!
تبخّرت هي وسط الناس، واشتعل في رأسي معنى ملهم..
كلنا ضائعون!
كلنا نبحث عن طريق ما، وكل إشارات المرور والخرائط الذكية لا تُساعدنا في الوصول!
إنها مجرد مساعدة دنيوية، إن ضعت ستجد ألف من يمد لك يد العون، ولكن ماذا عن طريق الروح، الفكر، السعادة، الحب والحياة؟
أنا مثلاً، بحكم شخصيتي التي تميل إلى العزلة، معرفتي بالعالم حولي بسيطة جداً، وفي حال ضياعي، ربما لن أضل كثيراً بسؤال البشر أو بمكالمة تنتشلني من الزحام، وهو أمر طبيعي طالما أنني لست وحدي. إنما الفكرة التي ألهبت عقلي هي.. ماذا لو كان ضياعي عن نفسي أنا؟!
لقد أدركت بفضل تلك الحادثة أنّ أصعب ضياع قد يواجهه الإنسان هو ضياعه عن الإنسان بداخله!
ولذلك فأنا لا أهتم كثيراً بطرقات الدنيا، كوبري وشارع وميدان ونفق وحارة، هي أشياء أمرها هين يمكن تعلّمها في ليلة واحدة، المأساة الكبرى ألا أجد من يصف لي الطريق نحوي!
أنا أبحث عن سبيل الطمأنينة، وأنت تبحث عن سبيل السعادة، وهي تبحث عن سبيل الاحتواء، و و و… كلنا ننشد الوصول، كلنا بلا استثناء.
إنها بطولة أن تقاوم الضياع وحدك، والاشكالية أن تكون أول من يعرف طريق الدنيا، وآخر من يعرف طريق الروح!
وفجأة.. انقطع حبل أفكاري بمكالمة من رقم غريب، كانت هي، صديقة اللحظات المؤلمة والملهمة..
«ألو.. أنا وصلت!»
كلمة كنتُ أنتظرها من قبل أن ترحل، أخيراً، لم أشعر بتلك البهجة منذ زمن! فأنا وهي واجهنا الألم ذاته، وإن افترقنا في النهاية.
شكرتني على المساعدة، وإنما هي من تستحق الشكر، فقد عاشت حروباً نفسية قاسية.. لقد حاولت، عاندت، تألمت، حتى استطاعت.
أرجو أن نصل مثلها يوماً ما، لكل السُبل التي تُكمل الإنسانية فينا، التي ترشدنا إلى روحنا، إلى نور الوعي والسلام، وكلما وصلنا إلى نقطة بدايتنا نعود لنتساءل مرة أخرى: أين السبيل إلينا؟


أضف تعليق