امرأة شابة تجلس بثقة وهدوء على سرير في غرفة بسيطة، وذراعاها متشابكتان أمام صدرها. تبدو ملامحها رزينة ونظرتها مباشرة، تعكس قوة داخلية واتزاناً نابعاً من التجربة والنضج.

“أنا” بالنسخة الجديدة

نورا حنفي – مصر

اسمحوا لي أن أطلق اليوم صرخة جديدة من صرخات أوجاعي وكما اعتدت مع كل نوبة فكرية تطيح بي، لعلي أطمئن قليلاً، ولكم مطلق الحرية في الحكم على كلماتي..

أتساءل الآن، وبعد تلك المشاهد والأرواح التي اختبرت صبري على هذه الأرض، هل إحساسي صار يحتضر؟!

لن أخفي عليكم أسراري، لقد عشت بمرارة وأنا أبحث عن إجابة لسؤالي، أتغافل يوم، وأغضب وأواجه أيام، أغرق بالتفاصيل ليلاً، وفي الصباح لا أهتم إن رأيتني أنزف كل مشاعري دفعة واحدة، هكذا سارت الأمور، حتى اللحظة الفاصلة التي أعادتني لصراعي مع الألم مجدداً!

الحقيقة أنها لم تكن بحجم البشاعة التي وصفتها بها للتو، ولكن وقعها على روحي لم يقِل عن معنى المأساة، بل وأكثر حتى!

إنها كلمة واحدة التي وضعتني أمام مُفترق طرق..

أعترف بأنها كانت مُغلفة بالمزاح وحس النكتة بطبيعة حال المصري الأصيل، ولكن نكتة عن نكتة تفرق، فلم تكن على مستوى الكوميديا المطلوب بالنسبة لي، إنها وبلا مبالغة المعنى الحرفي لــ “دس السم في العسل” وبمثابة طلقات شيطانية تستهدفني أنا بالذات!

تلك الكلمة التي نطقها أحدهم تعبيراً منه عن مدى “شطارتي” في إنجاز عمل ما، ولن أنكر أني أتقنه بالفعل، وهو ما أشعل لهيب الحقد بداخله وطرح الكثير من التساؤلات عني في قرارة نفسه..

ما السر في مهارتها العالية؟

مبدعة؟

ملتزمة؟

ذكية؟

ربما، ولكن ليس لدرجة خطف الأضواء من الجميع!

لمَ هي دون غيرها؟

لمَ لا يكون أنا مثلاً؟

الكل يثني عليها.. الكل يمدح فيها.. آه يا محظوظة!!

كل هذا وأكثر سمعت غليانه في أعماقه السوداوية التي كنت أحسبها تنبض ببراءة الأطفال.. كنت!

لم أعرف بحق.. ما المشكلة وراء إبداعي؟!

هل هذه جريمتي الآن؟!

أرجو أن لا أُحاسب على موهبتي في الدنيا!

إنه وبلا شك لمصلحة البشرية كلها، أن أبرع في زاوية خاصة بي، وهو في زاوية أخرى وهكذا، لنتفق في النهاية ونكتمل باختلافنا، ولكن الإنسان لا يعجبه العجب، أو بمعنى أدق، “الأنا” عنده فوق الإنسانيات!

الاشكالية الآن ليست في تلك النكتة السخيفة على اجتهادي المبرر تماماً، فما أزعجني هو رد الفعل وليس الفعل، أنا من أزعجني!

في ظروف عادية جداً، يكون الرد السليم عليه بمزيج من التوبيخ والغلظة في التعامل، لكي لا يُكرر ألفاظه السامة أو يكسر الخطوط الحمراء معي على الأقل، تلك العملية التي نُعرفها بــ “التلقيح” كما في أبجدية الشباب، ولكنه هُنا مشروع مئة بالمئة، أي أنني أقف عند تلك اللحظة بعينها وأقتص منه بكلمات تحفظ كرامتي، حتى ولو وصلت بي الشجاعة أن أصعقه بسؤال الجولة الختامية من الصراع بيننا: “وانت مالك؟!”

أعتقد أنّ التصرف الطبيعي أمام الحقد وأصحابه أن نضربهم ضربة لغوية عنيفة تُخرسهم، ومن ثم نعود لإبهارهم بالنجاح مرة أخرى، وهي ضربة في مقتل بالطبع، ولكني لم أفعل ذلك، لقد اكتفيت بابتسامة خفيفة ونظرة باردة وكلمة شكر فحسب!

كنت في بداية تعاملاتي مع البشر، أعرف متى أتحكم في انفعالي، ومتى “أقلب الطرابيزة” فوق رأس الجميع بلا تردد، وذلك بناءً على مكانتهم في قلبي، أو للخروج من جدال عقيم يضيع معه وقتي وصحتي، كنت كثيراً ما أتفنن في مبارزتهم على الورق بفلسفتي، ومنهم من أشتبك معهم وجهاً لوجه دون أن تهتز لي شعرة، إنه أسلوبي حتى وقت قريب، ولكن ثمة تغيير طرأ على تكويني لا أفهمه، وهو ما يُربكني وبشدة!

فهل أنا ضحية صدمة ما أفقدتني النطق؟

هل هي مرحلة متقدمة من النضج؟

هل رغبتي في العتاب تحللت؟

هل مرضت بـ اللامبالاة المزمنة؟

أم أنني غاضبة من الحياة للحد الذي يُجبرني على الصمت؟!

لنضع النقط على الحروف الآن..

أنا اليوم لا أطمع في أي رفاهيات دنيوية، وإنما كل ما أريده أن أضع يدي على سبب صلابتي غير المعهودة، أو ربما أنا متماسكة لدرجة تثير غيظي!

ربما سنصل في السطور الأخيرة إلى إجابة واضحة.. ولكن دعوني الآن أصف لكم شعوري ببساطة وبلا تفلسف..

أشعر أنّ روحي على “وضع الطيران”، إنه ملاذنا من مكالمات ورسائل مملة، وهكذا أنا، صحيح أني بينكم، ولكني أشعر بهدوء غريب يكاد يقتلني، أسمعكم جيداً، أستقبل حروفكم وأنصهر فيها، بينما أنا في مكان ما خارج الجغرافيا، على الهامش الآمن، ربما لم أتأقلم على الوضع بعد، ولكن فيه نجاتي.

إليكم باختصار ما أعيشه حتى اللحظة..

حين أشرع في رد الطعنة من باب دفع الأذية عني، أتنازل عن تلطيخ يدي بدماء ملوثة، وأخرج بشرف من أرض المعركة.. ليس ضعفاً مني، بل هي أعلى مراتب الشرف كما قرأتم.

“واحد.. اثنان.. ثلاثة.. هيا يا نورا.. انطقيها.. لكِ مكافئة لذيذة إن فعلتيها”.. ولا حياة لمن تُنادي!

“لقد أصبحت أتجاهل الأذى والثرثرة وكل الهراء الذي لا يُفيد… تركته لرب العالمين، أدركت أنه سباق زائل، ولحُسن حظي أنني أدركت الحقيقة قبل فوات الأوان.”

لقد أصبحت أتجاهل الأذى والثرثرة وكل الهراء الذي لا يُفيد، حتى الانتقام لحقي، من قال ومن فعل ومن يُخطط لهدمي، تركته لرب العالمين..

أدركت أنه سباق زائل، ولحُسن حظي أنني أدركت الحقيقة قبل فوات الأوان.

يا إنسان، ما دُمت تتنفس في هذه الدنيا، عليك أن تتساءل..

من يضرب ضربته قبل الآخر؟

من يُسدد السهم في صدر أخيه أولاً؟

ومن يدفع الثمن وحده؟

كلها استفهامات بطعم الخيبة، وأحمد الله أني من سأل وأجاب، لذا، لم أعد أكترث بالنظرات والهمسات والظنون، فإنّ الوجه القبيح لعالمنا في توحش مستمر، وأنا في النهاية لا أملك سوى الخير بداخلي، أخشى على هذا القلب أن يقع في الوحل، وأسعى دائماً لحفظ نبضه والنور فيه من أنياب الظلم والظلام.

أنا على يقين تام بأني وإن دخلت الحرب مع أي مخلوق، فلن أعود منها كما كنت، أبداً، سأقع ضحية المشاحنات والعداوات وفساد العلاقات، وكلما نظرت إلى الجروح التي خلفتها تلك الحرب على نفسي وعقلي وإيماني، لن أحترم إرادتي التي استسلمت للقسوة في غمضة عين بعدما أحسنت تربيتها في عالم مُختل كهذا.

فماذا عن الانسحاب النبيل؟

لقد انسحبت بكامل قواي النفسية والعقلية والإنسانية، بعيداً عن مُستنقع القيل والقال، حتى وإن وجدت الجاني يحتفل بفعلته، فلن أنشغل به وبأوهامه تلك، لقد تمكن مني، صحيح، ليس لسواد لسانه أو نواياه القاتلة، وإنما لنسختي الجديدة التي ترفض ذلك العبث البشري من جذوره.. رحبوا بها.

أنا وإن تغيرت، يكفيني أني رأيت الحقيقة، نعم، أرى اليوم أكثر من أي وقت مضى، لقد نجوت بنفسي من بئر الشرور وتقلب الأهواء، وهي أعظم انتصاراتي لو تعلمون.

“من ذوقك”.. هكذا انتصرت على جحيم النفوس و “وجع الدماغ”!


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق