نورا حنفي – كاتبة مصرية
لم أتخيل أنها كلماتي الآن أو أنني سأطرح تساؤلات من هذا القبيل يوماً ما، لكنها الدنيا، كل الاحتمالات فيها مُمكنة، وقد يخلع المستحيل ثوبه ويتعرى أمام الواقع من حين لآخر.. اللاشيء هُنا قد يصبح شيئاً!
أنا حائرة جداً، فإننا كثيراً ما سمعنا عن حوادث مأساوية في زمن الفتن هذا، ولكن، ما المبرر المنطقي وراء تحطيم رأس طفل معجونة بالبراءة؟!
هل كسر لُعبته؟
التهم “سندوتشات” زميله في الفصل؟
هرب من حصة العلوم؟
نام في ساعة متأخرة؟
ما المبرر بحق يا سادة؟!
إن قُلت كلمة “عيد” أو “إجازة” أو “فُسحة”، سنجد كل هذه المفردات ترتبط بشراء “الحلويات” بمختلف أشكالها وألوانها ولم نهتم حينها بكابوس تسوّس الأسنان، وأما الآن، فقد أصبحت الترجمة الحرفية لكلمة “الهلاك” في عالمنا المجنون هذا.. والسر: مذاق الشيكولاتة اللذيذ.. الدموي!
إنه المشهد الذي عشت أدق تفاصيله دون أن أفهم تماماً.. هل هو حقيقة ملموسة، أم أنّ الفلسفة لحست عقلي؟!
في ليلة رمضانية بسيطة جداً، كنت في سهرة عائلية بمنزل أحد أقاربنا، نضحك على كومة أجسادنا بعد سفرة الفطار وسط صخب إعلانات التلفاز وتزاحم الحكايات من كل لسان..
وفجأة.. اهتز المكان وأهله بصرخات مفزعة أشبه بجنازة شعبية ضخمة، لن أنكر أني ارتبكت بشدة، لدرجة أنّ طبق الكنافة كاد أن يتسرب من بين يدي ومن ثم الحرمان من متعة أعشقها في شهر الخير.. يبدو أن هُناك مصيبة على الأبواب!
من تحليلي لصوت الصرخة، أحسست بأنّ ثمة سفاح هارب فقد السيطرة على نفسه وافترس أحدهم بضراوة، الكبد في مكان والطحال في مكان كما في أفلام “الزومبي”، لم يكن الصوت يوحي بمشاجرة وحسب، وإنما تأزم الوضع أكثر حتى سمعنا نغمة حادة وحاسمة أكدت لي إحساسي.
الإسعاف.. نحن الآن أمام الجريمة الكاملة!
وقبل أن أخطو إلى مصير أجهله، سبقني أبي بنظرة خاطفة على الشارع ثم قالها بصوت يرتجف: “ولد صغير غرقان في دمه!”

تجمدت حواسي مثلكم في هذه الأثناء، لأغرق أنا في تساؤلات لم ترحمني..
لمَ؟!
كيف؟!
أين؟!
متى؟!
ماذا عن شعوره وهو لا يعرف معنى الموت؟!
وهل أدرك أنه انتهي قبل أن يبدأ؟!
مليون سؤال وسؤال دار في ذهني وقتها، وبعد محاولات لفك اللغز، وبما التقطناه بصعوبة من همسات الجيران، زال الغموض أخيراً، فتألم الجميع كما لو أنّ الضربة وقعت على رؤوسنا نحن!
طفل يلهو مع “شلة” المدرسة، وبينما كان يعبث مع بائع “سوبر ماركت” يعرفه، تفاقم الهزار حتى افتعل الطفل سرقة “البسكوت” على غفلة وأخذ يجري بعيداً إلى حد التبخر، كان يحسبها دُعابة منه لإنعاش الأجواء، وربما كان يحسب أنّ الكل أصدقاء قلبه وأنّ البائع في مكانة خاصة لا مجال فيها للخيانة، وحين يشتد الخصام بينهما سرعان ما يعود إليه بالنكات وكأنّ شيئاً لم يكن، لكن الغضب هو من قال كلمته تلك الليلة.
اشتعلت النيران في أعماق البائع، ترك الزبائن والحسابات والبضاعة كلها، وأصبح شغله الشاغل أن يقبض على الطفل ويُلقنه درس عُمره، وعُمري كذلك!
الخبر المُحزن أنه أمسك به بعد مطاردة طويلة من بيت لبيت ومن حارة لحارة، ولكن هُنا أكثر من سيناريو.. مثلاً..
يضرب يده التي تهوّرت وبادرت بالهزار السخيف صارخاً في وجهه: “عيب يا ولد”.
يُعنفه لفظياً بشتائم اعتدنا عليها نحن أيضاً في طفولتنا الفوضوية..
يكتفي بلفت نظر الأب بأن ينتبه إلى تصرفات ابنه فلا ينقلب مستقبله إلى البلطجة وعصابات قُطاع الطرق..
أو على الأقل يتركه وشأنه فتمر الليلة على خير، لعب عيال والسلام..
المؤسف أنها سيناريوهات خيالية، لقد كسر رأسه وسعادته في سور حديد!
فماذا لو أحرق بضاعته بصاروخ رمضاني طائش بغير قصد؟!
أعتقد أنه فقد الثقة في البشر مع أول نقطة دم سالت من جرحه المفتوح، غلبه الخوف من اللعب مع الكبار أو حتى مجرد الاقتراب منهم، لقد كانوا عالمه الآمن قبل أن يسقط في وحل الحقيقة، لطالما كانت تربطهم علاقة أُلفة وعطف قوية، والآن صار حضورهم أكثر رعباً من أشباح الظلام وأيام الامتحانات المملة.
الاستثناء تغير، والسبب صوت “قرمشة” وقلب لم يُدرك شر النفوس بعد.
وعني أنا، فهي المرة الأولى التي أشعر فيها بنوع جديد من “الفوبيا” التي لا علاقة لها بالمرتفعات أو الأماكن المغلقة، وهي فوبيا “بسكوت الشيكولاتة”!
أنا أخاف من طبقات هشة تذوب في كوب شاي بالنعناع؟!
أخاف من لذة مشروعة تُنقذ معدتي في أوقات الجوع؟!
“بسكوت” يا نورا؟
لقد اختلفت نظرتي للدنيا بعد أن توجعت عليه، لم يخطر على بالي أن أشعر بالأمومة قبل الأوان، وذلك المشاغب فعلها!
أعترف بأنّ الضربة أعادتني إلى صوابي مرة أخرى، ربما رأيت عن قرب أكثر، تنازلت عن دهشتي وفهمت أننا بحاجة للمزيد من المرونة على هذه الأرض، وحين نسمع الصرخة لا يهتز طبق الكنافة في أيدينا أبداً..
إنّ الثبات على مبدأ “عادي.. دنيا!” هو الحل أمام صدمات بحجمها، فإنّ الواقع هو الواقع مهما كتبنا عن المدينة الفاضلة وحلمنا بها، تلك المدينة بعيدة جداً، لقد أجهض رحم الحياة سكانها من قبل الولادة، ولكننا في النهاية نأمل أن تمر الأيام بهدوء، ألا تصفعنا المشاهد أو يتأذى الطفل بداخلنا، وأن يظل “البسكوت” رمزاً للبهجة لا الفراق.
انفضت لمّة الأسرة بعد سحور شبعنا فيه الكلام عن الولد ومغامراته الشوارعية، وحتى خيوط الفجر وأنا أفكر.. هل سيلتئم الجرح في رأسه قبل أن يكره صنف السكريات كله؟! سنرى..
الحمد لله.. جت سليمة والطفل بخير، إصابته سطحية وأرجو أن تكون كذلك بالنسبة إلى روحه، وهي مسألة أيام ويعود لشقاوته من جديد، وإن كنت أخشى عليه من لعنة “الآيس كريم” هذه المرة!


أضف تعليق