محمد البلوشي
“الكتابة عادة أولاً، وإلهام ثانياً” – هذه الحقيقة التي أدركها كِبار الكتّاب عبر التاريخ، تُعيد تعريف مفهومنا للإبداع الأدبي، فالكتابة ممارسة يومية تتطلب الانضباط والمثابرة.
عندما قررتُ أن أخوض تجربة الكتابة اليومية، لم أكن أدرك حجم التحدي الذي ينتظرني، كان السؤال الذي يطاردني: هل يمكن للإنسان حقاً أن يكتب كل يوم دون انقطاع؟ وهل ستحافظ كتاباته على جودتها وقيمتها؟
يذكّرني هذا بما قاله الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخوف: “لا تنتظر الإلهام، اجلس واكتب، الإلهام سيأتي إليك بينما تكتب“، هذه الفلسفة تحمل في طياتها فهماً عميقاً لطبيعة العملية الإبداعية – فالكتابة فعل يومي، وليس حدثاً استثنائياً.
بعد أكثر من 370 يوماً من الكتابة المستمرة على الإنترنت، تعلمت أنّ الثبات على الهدف ليس مجرد مسألة إرادة، بل نظام متكامل يحتوي على المرونة والواقعية، ارتفع إنتاجي من 9 مقالات شهرياً في البداية إلى 27 مقالاً، وهذا التطور لم يكن مصادفة، بل نتيجة تطبيق مبادئ بسيطة لكنها فعّالة.
نجد في الأدب العربي القديم أنّ كِبار الشعراء والكتّاب لم يكونوا يلتزمون بأوقات صارمة للإبداع، فالجاحظ مثلاً، كان يكتب في أوقات مختلفة حسب مزاجه وظروفه، وقد ترك لنا مئات المؤلفات التي تشهد على مرونته الإبداعية، وكما قال: “الكتاب يُقرأ بكل مكان، ويُدرس في كل زمان”.
كان روتيني القديم صارماً للغاية – السادسة صباحاً كل يوم، لا استثناءات، ومع ذلك، تعلّمت أنّ الصرامة المفرطة قد تكون عدواً للإبداع، فهناك أيام تكون فيها الحالة النفسية غير مهيأة للكتابة في الصباح الباكر، وهناك ظروف طارئة، وهناك ببساطة رغبة في النوم أكثر في عطلة نهاية الأسبوع.
لذلك، تبنّيت ما أسميه “نظام الساعات الذهبية“، بدلاً من تحديد وقت واحد ثابت، أصبحت أخطط لأوقات الكتابة قبل بداية كل أسبوع، هذا التخطيط البسيط، الذي لا يستغرق أكثر من عشر دقائق، غيّر حياتي الكتابية تماماً.
أتذكر ما كتبه الروائي البرازيلي باولو كويلو: “عندما تريد شيئاً بصدق، فإنّ الكون كله يتآمر من أجل أن تحقق ما تريد“، لكن هذا “التآمر” يحتاج إلى مرونة من جانبنا لنتقبّل الفرص حين تأتي، حتى لو لم تكن في الوقت الذي خططنا له.
الكتابة اليومية فلسفة حياة، وطريقة لفهم العالم من حولنا، وللتواصل مع الآخرين، ولترك أثر في هذا العالم، وكما قال الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس: ‘الكتاب هو امتداد للذاكرة والخيال’.
الآن أكتب في القطار أثناء ذهابي للعمل، أو في المقهى أثناء تناول الإفطار، أو حتى في المساء بعد يوم عمل طويل، هذه المرونة لم تقلل من جودة كتابتي، بل زادت من كميتها بنسبة 30%، والأهم من ذلك، أنها جعلت الكتابة جزءاً طبيعياً من يومي، وليس التزاماً ثقيلاً.
وتأكيداً لهذه الفكرة، يمكننا أن نرى أنّ أجمل القصائد جاءت من وحي اللحظة، فالشاعر قيس بن الملوّح (مجنون ليلى) لم يكن يخطط لقصائده، بل كانت تنبعث من قلبه المتيم عفوياً، وكذلك المتنبي، الذي قال: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم” – كان شعره ينبع من تجربته الشخصية وأحاسيسه الصادقة.
في البداية، كنت أعتقد أنّ النجاح في الكتابة يتطلّب مواكبة المواضيع الرائجة، كنتُ أتابع ما يكتب عنه الآخرون، وأحاول أن ألحق بالموجة، لكن هذا النهج كان مرهقاً ومحبطاً أحياناً، لأنني كنتُ أجد نفسي أكتب عن مواضيع لا تثير اهتمامي حقاً.
التحوّل جاء عندما قررتُ أن أتبع نصيحة الكاتب الأمريكي مارك توين: “اكتب ما تعرفه“، بدأت أسمح للأفكار بالتدفق، أكتب ما يشغل اهتماماتي، ما أتعلمه، ما أمر به من تجارب، وكانت النتيجة مفاجئة ومذهلة، ولهذا أعظم الدروس التي تعلّمتها أنّ القراء يتفاعلون معك عندما تكون صادقاً وعندما تكون كلماتك عفوية أكثر من تفاعلهم مع المحتوى المحسوب والمخطط له بدقة.
هذا يذكرني بما قاله نجيب محفوظ عن كتابة “أولاد حارتنا”: “لم أكن أخطط لكتابة رواية مثيرة للجدل، لكن الحكاية فرضت نفسها عليّ“، أحياناً، أفضل الأعمال تأتي من الداخل، من مكان لا نستطيع السيطرة عليه تماماً.
في الثقافة اليابانية، هناك مفهوم يُسمى “وابي سابي” (Wabi-Sabi)، وهو يحتفي بجمال النقص والعيوب الطبيعية، هذا المفهوم ينطبق تماماً على عالم الكتابة، فالبحث عن الكمال المطلق قد يكون أسوأ عدو للإبداع، ولهذا نجد أنّ أعظم الأعمال احتوت على “عيوب” أو خصائص لم تكن مثالية وفقاً لمعايير عصرها، لكنها اليوم تُعتبر من علامات عبقريتها، فمقامات الحريري مثلاً، رغم تعقيدها اللغوي أحياناً، إلا أنّ عفويتها وتلقائيتها هي ما منحها خلودها.
كان عندي عادة سيئة – أعيد قراءة ما أكتبه مرات ومرات، أبحث عن كل فاصلة في غير مكانها، وكل كلمة يمكن استبدالها بأخرى “أفضل”، النتيجة؟ مقالات مصقولة تقنياً، لكنها فقدت روحها وحيويتها.
اقرأ أيضاً
9 نصائح لتطوير عادة الكتابة اليومية
10 دروس من 10 سنوات من الكتابة
كيف غيّرت الكتابة اليومية حياتي في شهر؟
أفضل النصائح للكتابة: 10 نصائح يجب على كل كاتب معرفتها
كيف تكتب 1000 كلمة في 30 دقيقة؟
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
يقول الكاتب الأمريكي راي برادبري: “لا تفكر كثيراً بما ستكتب، ابدأ بالكتابة فقط“، وهذا يتطلّب أحياناً أن نتخلى عن وهم الكمال، وأن نسمح لكلماتنا بأن تحتفظ بشيء من خشونتها الطبيعية، فمحاولة تحقيق الكمال لا تحسّن النص، بل قد تفسده، عندما نعيد قراءة النص عشرين مرة، نفقد الإحساس الأول الذي دفعنا للكتابة، نصبح مثل الرسام الذي يضيف لمسة أخيرة، ثم أخرى، ثم أخرى، حتى يُفسد اللوحة تماماً.
القراء أذكى مما نظن، هم يشعرون بالفرق بين النص الذي كُتب بصدق وعفوية، والنص الذي تم تعديله حتى فقد روحه، كما قال أحدهم: “الشعر ليس في قاموس اللغة، بل في اللحظة التي تولد فيها اللغة“.
عندما ندرس حياة كِبار الكتّاب، نجد أنّ معظمهم تبنّوا فلسفة الكتابة اليومية، إرنست همنغواي كان يكتب كل صباح واقفاً أمام مكتبه، وكان يقول: “اكتب وأنت واقف، ستكون أكثر صدقاً“، أما ستيفن كينغ فيكتب 2000 كلمة يومياً، حتى في عطلة نهاية الأسبوع، ونجد أنّ الجاحظ كان يكتب باستمرار، حتى أنه ترك لنا مئات المؤلفات، وقد قال: “الكتاب نِعم الجليس والأنيس، ونعم المشير والنديم“، هذا الشغف بالكتابة جعله ينتج كماً هائلاً من الأعمال التي ما زالت تُدرّس حتى اليوم، والكاتبة فرجينيا وولف كانت تحتفظ بيوميات كتابة، تسجل فيها أفكارها وملاحظاتها يومياً، هذه اليوميات، التي نُشرت لاحقاً، أصبحت من أهم الوثائق في تاريخ الأدب الإنجليزي، كانت تقول: “الكتابة هي طريقتي في التفكير“.
فالبحث عن الكمال المطلق قد يكون أسوأ عدو للإبداع، ولهذا نجد أنّ أعظم الأعمال احتوت على ‘عيوب’ أو خصائص لم تكن مثالية وفقاً لمعايير عصرها، لكنها اليوم تُعتبر من علامات عبقريتها.
الكتابة اليومية لها تأثيرات نفسية عميقة، فهي تساعد على تنظيم الأفكار، وتطوير القدرة على التعبير، وحتى على فهم الذات بشكل أفضل، وقال الفيلسوف الفرنسي ميشيل دو مونتين: “أكتب لذلك أنا موجود“، في علم النفس الحديث، هناك مفهوم يُسمى “الكتابة العلاجية” (Therapeutic Writing)، وهو يؤكد أنّ الكتابة المنتظمة يمكن أن تحسّن الصحة النفسية والجسدية، كما تشير الدراسات إلى أنّ الأشخاص الذين يكتبون يومياً يتمتعون بمستويات أقل من التوتر وقدرة أكبر على حل المشكلات.
“رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة” – هذه الحكمة الصينية القديمة تنطبق تماماً على رحلة الكتابة، فالكاتب الناجح ليس من يكتب الرواية المثالية من المحاولة الأولى، بل من يكتب كل يوم، حتى لو كان ما يكتبه غير مثالي، فإذا لم تخش النقد أو النقص، فاكتب ما تشاء، اضغط زر النشر، ودع كلماتك ترى النور، فالعالم في حاجة إلى صوتك، حتى لو لم يكن مثالياً.
الكتابة اليومية فلسفة حياة، وطريقة لفهم العالم من حولنا، وللتواصل مع الآخرين، ولترك أثر في هذا العالم، وكما قال الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس: “الكتاب هو امتداد للذاكرة والخيال“.
لذلك، ابدأ اليوم، اكتب شيئاً، أي شيء، قد لا يكون مثالياً، لكنه سيكون بداية رحلة قد تغيّر حياتك إلى الأبد.

هنا…
تتحوّل المشاعر إلى قصائد،
والأفكار إلى مقالات،
والأحلام إلى قصص.
أربع سنوات…
ومعاً سنكتب الفصل الأجمل.
شارك في دعم الكتابة الإبداعية


أضف تعليق