رنا ناصر
منذ زمن لم آخذ هذا القرار الجاد بالكتابة بصورة احترافية كما كنتُ أفعل حتى منتصف عام 2023. وفي الفترة الأخيرة اكتفيتُ بكتابة بعض القصص القصيرة للمسابقات أو بالكتابة والنشر على حساباتي الشخصية اعتقاداً مني أني نسيتُ كيف يمكنني أن أكتب موضوعاً متكامل؟ وكيف لي أن أنظم أفكاري حتى أستطيع الإمساك بإحداهن والكتابة عنها بكل صدق كما اعتادتُ واعتاد من يقرأ لي مشاركتي إياها.
في أكتوبر الماضي كانت هناك تلك الفكرة التي تنتظرني أنا وأكتوبر لأكتبها؛ لأنه ببساطة أكتوبر الماضي كان شهر عيد ميلادي الذي أتممتُ فيه عامي الثلاثين، ودائماً ما كنتُ أذكر أنه عندما أتم الثلاثين سأكتب موضوع لهذه المناسبة، فكنتُ أعرف جيداً أنني عندما أتم الثلاثين سيكون هناك الكثير لأحكي عنه وأشاركه مع الآخرين ممن هم في عمري نفسه، فأشعر بهم ويشعرون بي.
وبكل أسف عندما أكملتُ الثلاثين لم أكتب الموضوع. فجاء عيد ميلادي وسط سيل من المهام والأعمال التي لا تنتهي، فأعمل الآن في إدارة الموارد البشرية في مكتبة تنمية في مصر، إلى جانب عملي كخدمة عملاء في معارض الكتب الدولية في دار منشورات تكوين الكويت، وبين عملي في معرض الكتاب الدولي في الرياض في سبتمبر الماضي، وسفري لمعرض الكتاب الدولي التالي له في الشارقة في بداية شهر نوفمبر كنتُ أباشر عملي في القاهرة في تنمية في أكتوبر -شهر عيد ميلادي- فلم أحظَ بوقتٍ كافٍ لكتابة الموضوع على الرغم من أنّ إكمالي الثلاثين هزني أكثر مما كنتُ أتوقع.
لانطلاق والجرأة التي صنعت عشرينياتي لم تعد كما كانت، لكنني أدركتُ أن مواجهة رتابة الكبار تحتاج إلى شجاعة من نوعٍ آخر، شجاعة الاستمرار رغم الخوف.
الخوف من الثلاثين
في بداية دخولي عامي الثلاثين جلستُ مع مجموعة من الصديقات اللائي أعتز بصداقتهم، وبالأخص صديقتي علياء التي كانت شاهدة على تطوّر حياتي العملية منذ بداية العشرينيات وإلى أن وصلتُ الثلاثين. فكنتُ أقول لهن أني لا أستشعر النجاح الآن كما كنتُ أستشعره من قبل، ومهما حققتُ أشعر أنه “عادي يعني” كما قلتُ لهن نصاً، واسترسلتُ عن شعوري أني لا أفعل أي شيء مميز الآن. تركتني علياء استفيض ثم قالت “ا*ا يا رنا أنتِ نسيتي كنتي فين وبقيتي فين؟” وأخذت علياء تذكّرني وتفند لي ما حققته طيلة سنوات عشريناتي، واستطاعت تلخيص حالة الإحباط التي تنتابني من سن الثلاثين في جملة واحدة: “أنتِ تشعرين أنّ ما تقومين به أصبح الآن هو حياة الكبار العادية”. بالضبط هذا هو لُب الأمر الذي كان يُشعرني بكل المشاعر السيئة وقتها والذي يصحبني بقية منه إلى الآن؛ فما كنتُ أفرح بتحقيقه في العشرينيات أصبح من الصعب أن أسعد به في الثلاثينيات.
وعلى الرغم من رؤيتي المحبطة للأمور لكن رد فعل علياء ذكرني ببداية صداقتنا في دبلومة النقد السينمائي. بعد انتهاء المحاضرات كانت تصحبني في طريقها إلى مصر الجديدة -حيث تسكن عائلتها- وتمضي بي حتى بوابة نادي هليوبوليس، حيث تتركني. وعندما تكرر الأمر أكثر من مرة سألتني علياء “أنتِ تعملين هنا؟” أجبتها “نعم، في قسم لبيع الملابس تابع للمعرض الذي تقيمه إدارة النادي طوال العام للأعضاء”. ومنذ هذا اليوم تلقيتُ الكثير من الدعم من صديقتي. 7 سنوات تفصلني عن العمل في هذا المكان الذي كنتُ أتقاضى أجراً عن العمل فيه 60ج يومياً لعدد ساعات عمل في اليوم تتراوح بين 10 و 12 ساعة بالإضافة إلى يومين إجازة أسبوعية غير مدفوعين الأجر أي أنّ دخلي الشهري كان لا يتعدى 1300ج، آكل وأشرب وأسكن وأدفع مصاريف الدبلومة منهم!!
ما أدركته بعد وقتٍ من التفكير أن ربما الأزمة التي أمر بها تكمن في رتابة حياة -الكبار- التي أصبحتُ جزء منها. انطلاق سن العشرينيات المصحوب بالقرارات الجريئة والشجاعة من دون التفكير طويلاً، ومن دون أي ضمانات أمر لم يعد متاحاً، فهذه القرارات غير المحسوبة هي ما كانت تحرك الحياة، وهي أيضاً ما كانت تجعل للنجاح طعماً. في عشرينياتي كنتُ أستطيع أخذ قرارات ومواقف خطيرة، قرارات تخص العمل، والدراسة مرة أخرى، والانتقال وحدي للعيش في محافظة أخرى، حتى الزواج كنت أعرف كيف أرفض إنساناً لشعوري أنّ هذا لا يناسبني دون الخوف من ضياع الفرصة بل وكنتُ قادرة على إنهاء علاقة ارتباط أحببتُ فيها بكل جوارحي لإدراكي أنّ هذا الشخص ليس من يستحقني، وحتى لا أشعر بالندم فيما بعد.
اقرأ أيضاً
رحلة الكاتب مع الكتابة اليومية
حين أدركتُ أني لستُ روائياً بعد
سماء في عيني
ماذا بيننا وبين الألم؟
بصيرة الروح
كيف يمكن لـ 60 دقيقة يومياً أن تغيّر حياتك؟
الخوف من الزواج في الثلاثين
في فترة مراهقتي ووسط حديث ساخر سألني أخي “ماذا إذا وصلتِ لسن الثلاثين ولم تتزوجي؟” أجبته دون تفكير “هموت فيها”، ومنذ عامين تقريباً ذكرتُ هذه الواقعة في أحد موضوعاتي الذي تحدثتُ فيه عن اقترابي من سن الثلاثين دون زواج وعن رغبة أمي المُلحة في تزويجي واستخدامها جملة كل الأمهات “أريد أن أطمئن عليكِ”. والآن وبعد أن وصلتُ الثلاثين بالفعل أصبحت أمي لا تتحدث معي في موضوع الزواج البتة حتى لا تجرحني. تدعي لي بالزوج الصالح لكن دون تأنيبي، تمازحني بالأمر فقط من وقت إلى آخر حتى ولو ما ترغب في قوله حقيقة مبطن بالمزاح، لكن المعضلة التي لا تدركها أمي أنّ الأمر لا يضايقني وإنما يخيفني.
في حين أني الآن لا أعتبر نفسي وحيدة أبداً فعملي وأصدقائي يملؤون عليَّ حياتي لكن مع ذلك أخشى أن أستيقظ في أحد الأيام أجد نفسي وحيدة.
والآن يمكن القول دون خجل أنني أصبحتُ أخشى الوحدة، فأشعر أنني أكبر، وأنّ الحياة تأخذ كل منا في مسار مختلف. وشقاء الحياة وأعبائها حمَل الكثيرين على السفر للعمل في الخارج. فماذا أنتظر؟ هل أنتظر حتى أجدني أستيقظ في أحد الأيام وحيدة؟ وعلى الرغم من ذلك، كل هذه المشاعر لا تحملني على القبول بأي شخص يحمل مشاعر حب أو إعجاب تجاهي، منهم من أشعر أنه ليس الشخص المناسب، ومنهم من ليس جاد بالقدر الكافي أو لأكون أدق في الوصف ليس رجلاً تجاه مشاعره ومشاعري، ومنهم من أشعر بالمسؤولية تجاه مشاعره الجميلة تجاهي فأخاف عليه أكثر مما أخاف على نفسي من الوحدة.
فقد تعودتُ على وجودي وحدي، فقط وسط العمل، والمشكلات الأسرية، والارتباطات الاجتماعية مع الأصدقاء. كل هذا وخصوصاً العمل يستنفد من طاقتي كثيراً، وعلى الرغم من أني طيلة سنوات عشريناتي كنتُ أفعل ما أفعله الآن لكن كانت لدي الطاقة الكافية للعمل، والتواصل الاجتماعي، والحب، والحزن لكن دون الشعور بالضغط، دون الشعور طوال الوقت بأنني أنتهي مثل الآن.
كل الخطط تنهار في حضور الخوف. يمنعك الخوف من استقبال المشاعر أو حتى تقديمها للآخر، ويستنفد من طاقتك حتى تظن أنك لم تعد تريد ما كنتَ تريده حقاً.
الخوف
تقول إريكا يونغ في سيرتها الخوف من الطيران “أحياناً من المريح بصورة غريبة أنْ تعلم مدى عجزك”. وهو ما أحاول فعله الآن. فالخوف يشُل التفكير، ويمنع الفرحة، ويمنعك من الاستمرار. الخوف يستنفد الطاقة، ويجعلك تظن أنك لا تريد ما تريده بالفعل لأنك خائف. كل الخطط تنهار في حضور الخوف. يمنعك الخوف من استقبال المشاعر أو حتى تقديمها للآخر. وفي هذه اللحظة مثلاً يمنعني الخوف من محاولة ابتكار بناء مختلف لهذا النص مثلما كنتُ أفعل من قبل مع كل نص جديد أكتبه بعد فترة من الانقطاع. أصبحتُ أخاف من التجريب أو لنقول أصبحتُ أخاف أن أنوي التجريب.
عندما أتزوج لا بد أن يكون لدي ما أعطيه لحبيب أنتمي إليه. كان لي حبيب سابق يقول لي “أشعر أنكِ تدخرين كل ما لديكِ لشخصٍ واحد فقط” بالفعل هذا حقيقي جداً وكنت أشعر به حتى وقتٍ قريب إلى أن أتى من يجب أن أعطيه كل شيء فوجدتني عاجزة تماماً لا أقوى على فعل أي شيء.
الشعور بالانتماء لأشخاصٍ نحبهم يجعلنا نتمسك بوجودنا في أماكن ربما أصبحنا لا نشعر بالانتماء إليها كثيراً كما في السابق، حيث نتحمل غربتنا فيها ونتوقف قليلاً عن أحلام الهجرة والوطن البديل والغربة الحقيقية.
تقول يونغ أيضاً في الخوف من الطيران وهو الجزء الأول من ثلاثية كتابة ذاتية تحمل في عنوان كل جزء منها كلمة “الخوف”، “إنْ كنتُ أسيرة، فأنا أسيرة مخاوفي” لذا هنالك محاولات مني الآن للسيطرة على هذا الوحش بداخلي “الخوف” وأشعر أنني سأنجح وأسرد قصة نجاحي هذه قريباً أو ربما فقط أتمنى ذلك بشدة.



أضف تعليق