رجل وحيد يسير على طريق ضيق تحت شجرة عارية تتساقط أوراقها، فيما تملأ الطيور السماء وتغمره أشعة شاحبة من نور الغروب.

أرق الرحيل: حكايات شخصية عن الصداقة 

شهاب بديوي

مفتتح الحكاية

بعد أن تمر بينا الأيام بين حلوٍ ومُر، نعرف أنّ الصداقة هي جوهر كل علاقة ناجحة. نتفق أنّ الناس تختلف، ولكن هناك أصدقاء يمكن تعويض صداقتهم بأصدقاء جدد، وأصدقاء لا يمكن أن تجود بهم الأيام من جديد. والمشكلة في أنّ هذا النوع من الأصدقاء في الغالب ما يكون في مبتدأ الحياة، وللأسف، فمثل هذه الصدقات التي تكون أول العمر، الأيام تضربها كما يضرب الموج السفن فتضطرب، فهي أيام نتشكّل فيها، وليس بأيام استقرار، حيث قد عرف المرء نفسه، وسبح في معترك الحياة حتى استقرت سفينته.

ولذلك كله، فإنّ الصديق الذي يبقى رغم مرور السنين التي ترسم فينا ملامح جديدة، لهو بحق منحة من الله تُعينك على محنة الحياة وثُقلها. وتكون لهذا الصديق – الذي كان معك منذ الصغر – مكانة خاصة، لأنه شاهد على سنوات التكوين، والأزمات، والتحوّلات، فتكون مؤمناً أشد الإيمان بأنه معك، لن يدير لك ظهره أبداً.

يكبر المرء، وتضعف همته على تكوين صداقات جديدة، فذلك مسلك يحتاج من طول الحديث، والصدق، والتجارب، والمشاعر ما لم يعد المرء قادراً عليه. فيا خيبة الرجا إذا ما سقط أصدقائنا في الطريق.

يُستهلك الإنسان في علاقات الصداقة، كما يُستهلك في علاقات الحب.. وليس الحبيب الذي اختبرتَ معه بِكر المشاعر كالذي تعيد معه مشاهد قد عشتها بدل المرة عشرون، كذلك الأمر في الصداقة.

بين الأيام والآلام

وليس من اليسير أن نُرزق بصديق يفهم المتغيرات والتحوّلات التي تعصف بالمرء في معترك الحياة، فلا يلومك على ما أصبحت عليه، ولا يُلزمك بأنت القديم. فالحياة رحلة طويلة، نبدأها وليس معنا من العلم شيء، وبالتجارب والمعارف تزداد الخبرات، وتبات الرؤية أكثر وضوحاً. وكل تجربة، وكل معرفة، بمثابة حجر في مبنى شخصيتنا، حتى نصل إلى مرحلة ما من النضج، تكون فيها تغير القناعات أبطأ من خطى السلحفاة.

لا يُلام المرء على تغييرٍ أحدثه، بل هو المطلوب، حتى القناعات والمبادئ تتغير.. تتغير بالتجارب المأساوية، الصادمة، القاتمة، التي لم يكن يتوقعها المرء في أحلك كوابيسه.

تاريخ شخصي مع الصداقة

أظنني اختبرت الصداقة على مراحلها؛ ففي الابتدائية، مبتدأ الطفولة، كان لي صديق مقرب جداً على مدار ست سنوات كنا لا نفترق حتى جاء إلى الصف قريباً له من الخارج، وكنا في الصف الرابع زاحم هذا الدخيل صداقتنا، ولكن بالوقت أصبحنا الثلاثة أصدقاء متلازمين.

في نهاية المرحلة الابتدائية، وبالتحديد في الصف الخامس، انتقلت من بيت والدي إلى بيت جدتي، وكان هذا التحوّل مبتدأ علاقة صداقة جديدة، ففي هذه المرحلة الانتقالية لازمت صديقان جديدان، ولأنّ صديقي الأول كان صعب المنال، لا يحب مخالطة الناس، عندما صادقت غيره كان ذلك مبتدأ الفرقة بيني، وبينه..

عندما أعود بالذاكرة أفسر الأمر على هذا النحو؛ صديقي الأول كان لا يحب مخالطة الآخرين، وكنا أنا وهو من ضمن قائمة العشرة الأول في كل عام، ورغم أنه كان يسبقني دائماً في الترتيب إلا أننا في النهاية من أشطر طلاب المدرسة، ولأنّ مدرستنا كان بها صف وحيد لكل مرحلة فكان أمرنا بين الأساتذة مشهور.

عندما دخلت المرحلة الإعدادية، لم أكن مُعد لها بل ضِعت كما يضيع الغنم عن القافلة!
بدأتُ صداقة جديدة مع المرحلة الجديدة، وبالتوازي جاءت المفاجأة في نهاية التِرم الأول من العام الأول، حيث أنني لم أعد من الأوائل، وكانت درجاتي مُحبطة للغاية.

أثبت ذلك لصديقي أنني أخطأت عندما افترقتُ عنه، أو هكذا يعالج عقلي المصاب بالوسواس القهري الأمر، ومرت السنة التانية كما الأولى لا شيء جديد يذكر سوء مزيد من التخبط، والتيه..

لحسن الحظ أنني ظهرتُ من جديد على قائمة الأوائل في السنة الأخيرة من المرحلة الإعدادية، والحظ الأكبر أنّ صديقاي اللذان بدأتُ معهم استكملنا سوياً الطريق، بعد الإعدادية. وفي الثانوية، وبالتحديد في السنة الثانية حيث يختار الطالب أي مسار يفضل: علمي، أم أدبي؟
كنتُ قد اخترت المسار الأدبي، فأنا محب للأدب، والفلسفة، وعلم النفس، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه، ولكن لم ينفك صوتُ الأهل يزِن في أذني على التحويل إلى المسار العلمي، خاصة أنهم يرون تفوقي منذ الطفولة، ولكنني كنت مصراً على أمري، إلى أن جد في الأمور أمور، عندما علمتُ أنّ صديقي الأقرب في ذلك الوقت، وإلى الآن، قد اختار المسار العلمي!
بعد أن علمتُ ذلك عزمت على التحويل إلى المسار العلمي لكي نكون سوياً، وأسررت ذلك في نفسي، ولم أخبره.

ومر عامين لنصل إلى الصف الثالث، بالتحديد وقت ظهور النتيجة عندما صُدمنا جميعاً الجيل الثاني  للتابلت، بالنتائج الصادمة حد أنّ أحد أصدقائي المتفوقين، والذي كان يحفظ الكتاب من الجلدة إلى الجلدة، لم يصل من الأساس إلى معدل النجاح في مادة من المواد! المهم، بعد ذلك ساقتني الأقدار إلى كلية الحقوق، وصديقي بجانبي في كلية التجارة.

في الفترة الأخيرة من الثانوية العامة، وبداية مرحلة جديدة، وهي الجماعة تعرفتُ أو للأدق تقربتُ إلى صديقٍ آخر، ليصبح عدد أصدقائي المقربين ثلاثة أصدقاء.

اثنان منذ سبع سنين، والثالث لم تتوطد علاقتنا إلا في نهاية مرحلة الثانوية العامة.

ولكن كما فرقتنا الأقدار عن صديقي الأعز بدخوله كلية التجارة، بينما أنا في كلية الحقوق، خذلني الحظ لكي يذهب صديقي الآخر إلى الإسكندرية!

إذاً نحن إلى الآن ثلاثة؛ واحد معي في كلية الحقوق، وواحد في كلية التجارة، وآخر في الإسكندرية.

ما أخافه الآن، وأُخفيه عن الجميع هو الافتراق الذي حتماً سيضرب بنا ليُشتت كل واحد في طرف من أطراف العالم.

صديق كلية التجارة من المتوقع له السفر إلى بلاد الخليج، وصديق كلية الحقوق كذلك، أما صديق الكلية البحرية في الإسكندرية سيصعد مسرعاً لسطح السفينة لتدور به حول العالم بلا توقف.

هذا أخشى ما أخاف وقوعه، ونحن الآن في السنة الأخيرة من المرحلة الجامعية، والتي كانت مبتدأ علاقات أخرى جديدة عندما ذهبت إلى ورشة صناعة الأفلام، وبدأ حبي للسينما يأخذ منحنى احترافي..

ولهؤلاء الأصدقاء الجُدد حكايات ربما نقصّها في ما هو قادم…

إذاً..

إلى أي بلد سيذهب الأصدقاء؟

وكيف ستكون علاقتنا فيما هو قادم؟

وكيف سأتواصل مع صديقي على متن السفينة؟

وما فحوى الجواب الذي تركه قبل الرحيل؟

وهل سأصمد أنا على مبدأ عدم الرحيل عن البلدة؟

هل سأكون فعلاً مخرج سينمائي؟ أم ناقد؟

وإلى من سيكون إهداء كتابي القادم؟


كل تلك حكايات سنعرفها بما ستجود علينا به السنين…

هنا..
تتحول المشاعر إلى قصائد،
والأفكار إلى مقالات،
والأحلام إلى قصص.
أربع سنوات...
ومعاً سنكتب الفصل الأجمل.






اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق