شيماء حسن جمال
طفل صغير ينام على صوت دوي قصف عنيف بدلاً من صوت والدته وهي تروي له قصة ما قبل النوم، يقطع حلمه ويوقظه نفس صوت دوي القصف، يسرد لنا حلمه بدموع تاركةً حروقاً خلفها، قائلاً:
حلمي هذا فررت به من واقعي الذي قسى علي بل علينا جميعاً، لكن أفقت على واقعي التي أنا عالق به.
حلمه كان عن الوطن تماماً كحلم الصحفي الشهيد صالح الجعفراوي وحلمنا جميعاً.
حلِم أنه كان يلعب بفناء مدرسته، ليدق صوت الجرس معلناً بداية الحصة الرابعة وهي حصة القرآن. ينهي حصته ويومه ليجد والده ينتظره قرب باب المدرسة، يستقبله بمشاعر تفيض حنان.
في طريقه يرى الأطفال يلعبون والعصافير تغرد في السماء والجميع أحرار والحياة هادئة.
يصل للمنزل الذي كان مشيداً يملؤه الحب، وحوله العصافير تغرد من كل اتجاه.
يدخل لتستقبله والدته التي بدت منهكة وهي تحضّر له البازلاء التي أحبها، فهو يحب لونها لأنها تذكره بعلم فلسطين.
يأكل مع أسرته ويذاكر دروسه ويلعب مع رفقته، مرحباً بكل من يمر، فهو صديق الحي.
وبحلول الليل يستعد للنوم في سريره الذي يملؤه الألعاب، مع الدب شلبي الذي أحضرته له والدته في ذكرى ميلاده الماضي. يحتضنه بشعور يغمره الأمان ليغمض عينيه غارقاً في أحلامه.
ولكن…
يوقظه صوت دوي القصف القريب من المخيم الذي يختبئ فيه هو ووالده وحدهما.
أتتساءلون عن والدته؟
رحلت قبل أيام وهي تحميه أثناء استهداف مخيمهم، والتي لطالما حلمت أن يكبر صغيرها ويصبح كصالح الجعفراوي البطل الشجاع.
العالم بأكمله حزن عليك يا صوت الشعب.
أُعلن قرار وقف إطلاق النار في غزة، لكنهم سرعان ما اخترقوه، ليرحل فيه الصحفي صالح المُلقب (صوت غزة) الذي نجا طوال العامين الماضيين. كان يحلم أن يرفع علم الحرية والنصر، يرفع علم فلسطين وهي حرة.
تصدر خبر استشهاده يوم الأحد الموافق 12 أكتوبر 2025 على كافة وسائل التواصل الاجتماعي في مختلف المدن والمحافظات.
كان خبراً مفجعاً ظل الجميع يشكك في صحته، لكن سرعان ما أُكّد، ليودّعه العالم، ويدعوا له.
نشرت TRT بالعربي مقابلة أجرتها مع والد صالح، بدا فيها متصبراً.. ومكسوراً في آن، كان يردد أنه كان شجاعاً ينتظر شهادته من عام 2018.
ويضيف أنه استقبل خبر استشهاده صباحاً، وخبر خروج ناجي ولده السجين مساءً، ليأتي ذلك ليهوّن مرارة الفقد عليه هو وأسرته.
في وقت سابق، كان صالح قد سجل وصيته لأفراد أسرته تحسباً لأي لحظة قد يفارق فيها الحياة.
ترك لكل فرد وصية محمّلة بمشاعر حزن ووداع، ممتزجة بحب وفخر.
ختاماً:
إن كسوها بالظلام، وإن اغتالوا الصحفيين فيها كصالح وغيره، وإن أسكتوا وكتموا صوت الحق… ستبقى فلسطين هي قضية كل إنسان عربي، وتبقى على خارطة العالم مُنيرةً، ولا خارطة دونها.


أضف تعليق