يوسف الخطيب
“الفكرة الحقيقية هي التي تحتفظ بها لنفسك، تحتضنها في الظلام، تُنمّيها مثل نبتة تحت الضوء الخافت حتى تصبح قوية بما يكفي لتواجه العالم”
في بدايات رحلتي مع الكتابة، كنت ضحية لما أسميه “لعنة التشارك المبكر”، كلما بدأت بكتابة نص جديد، أسرعت إلى أصدقائي، عائلتي، زملائي، أخبرهم عن الفكرة، عن الشخصيات، عن المشاهد التي ستحدث في الرواية، كنت متحمساً، أشعر بضرورة أن أشاركهم إثارة الاكتشاف والإبداع، لكن مع الوقت، تعلّمت درساً مُرّاً: الكتاب الذي تتحدث عنه كثيراً لا ينتهي أبداً، أو إذا انتهى، فإنه يفقد نصف سحره.
الكتابة الأدبية ليست عملية عقلية بسيطة فقط، هناك جزء غامض فيها، جزء سحري لا يمكن شرحه بالكلمات تماماً، عندما تخبر شخصاً آخر عن كتابك، خاصة في المراحل الأولى من الإبداع، أنت تقوم بشيء أشبه بإخراج الروح من الجسد، تأخذ هذا الشيء الحي، هذا الكائن الذي يتشكّل داخلك، وتضعه في العالم قبل أن يكتمل نموه.
عندما تتحدث عن كتابك بتفاصيل كثيرة، تفرّغ منه جزءاً كبيراً من طاقته، هناك شيء يشبه التفريغ النفسي يحدث عندما تروي الحكاية بالكلام المباشر، القارئ الذي تُحدّثه يستقبل الحكاية بطريقة مختلفة تماماً عن القارئ الذي سيقرأ الكتاب لاحقاً، الحوار شفاهي، فوري، وينقصه الكثير من الجمالية والعمق الذي تحتويه الصفحات المكتوبة، كلما تحدثت عن الكتاب، كلما شعرتَ أنك فرّغت منه شيئاً لن تستطيع استعادته.
هناك تناقض غريب في نفس الكاتب: من جهة، هناك رغبة طبيعية في مشاركة الآخرين إثارة الخلق والإنشاء، من جهة أخرى، هناك خوف عميق من التعليقات، الانتقادات، الآراء التي قد تُعطل مسار الإبداع.
عندما تُخبر شخصاً بفكرتك، تفتح الباب أمام آرائه، قد يقول لك: “لكن هذا الانقلاب في الشخصية غير مقنع”، أو “هذه النهاية متوقعة جداً”، أو “ألا تشعر أنّ هذه الفكرة استُخدمت من قبل؟” هذه الأصوات ستبقى تدور في رأسك، حتى لو حاولت تجاهلها، ستكون هناك، تُشكك، تُعدل مسارك، والمشكلة أنّ الكاتب الحقيقي يعرف أنّ أفضل الأفكار هي تلك التي تأتي من إيمان عميق بها، من ثقة غير مهزوزة بأنها صحيحة، هذه الثقة تختفي بسرعة عندما يبدأ الآخرون في الشك.
اقرأ أيضاً
الكون
أجنحة في الهواء
مريم الشكيلية: كيف تعلّمنا الكتابة أن نرى أنفسنا من جديد؟
سأبكي قليلاً
الجوع الحقيقي
عن المتنبي.. تمضي الرياح بما لا تشتهي السفن
الكتابة، في جوهرها، هي حوار مع الذات قبل أن تكون حواراً مع الآخر، الكاتب يتحاور مع نفسه، مع ذاكرته، مع تجاربه، مع أحلامه وكوابيسه، هذا الحوار الداخلي حساس جداً، يحتاج إلى عزلة نسبية، إلى فضاء آمن، إلى هدوء داخلي ينسجم مع هدوء المكان.
عندما تبدأ في الحديث عن الكتاب، تنقل الحوار من المستوى الداخلي إلى المستوى الخارجي، وبمجرد أن يحدث هذا الانتقال، يتغير كل شيء، تصبح واعياً لنظرة الآخر، لحُكمه، لتقييمه، هذا الوعي يقتل شيئاً من براءة الإبداع.
أتذكر نصيحة قرأتها ذات مرة من كاتب شهير: “الفكرة الحقيقية هي التي تحتفظ بها لنفسك، تحتضنها في الظلام، تُنمّيها مثل نبتة تحت الضوء الخافت حتى تصبح قوية بما يكفي لتواجه العالم”، تلك النصيحة غيّرت طريقة عملي.
قد يبدو أنني أدعو للعزلة الكاملة، وهذا غير صحيح، لكنني أدعو إلى نوع من الانضباط الإبداعي، إلى حماية المشروع الأدبي من التدخلات المبكرة التي قد تشوّهه.
هناك فرق بين أن تتحدث مع شخص تثق به عن جوانب عميقة من كتابك ـ مثل الموضوع الأساسي أو الأسئلة التي تحاول الإجابة عليها ـ وبين أن تسرد له الحبكة كاملة أو أن تقرأ عليه مشاهد كاملة في مراحل مبكرة، الأولى قد تكون مفيدة أحياناً، الثانية غالباً ما تكون ضارة.
الكاتب الحقيقي يعرف أنّ هناك طقوس سرية للعملية الإبداعية، مكان الكتابة، وقت الكتابة، الصمت الذي يسبقها، حتى نوع المشروب الذي يشربه أثناء الكتابة ـ كل هذا جزء من السحر، عندما تحافظ على هذه الطقوس سرية، تحتفظ بقوتها.
هناك حقيقة صعبة يجب أن نعترف بها: معظم الأفكار التي تسمعها من الآخرين عن كتابك ستكون مفيدة فقط بعد أن تنتهي من الكتابة الأولى، المراجعة والتعديل والنقد البنّاء ـ كل هذا جزء حيوي من العملية، لكن يجب أن يأتي لاحقاً، ليس الآن، ليس وأنت في منتصف الرحلة.
عندما تُحضر الكتاب للنشر، حينها تستطيع أن تطلب آراء مختارة من أشخاص متخصصين، من قراء نموذجيين، من محررين موثوقين، لكن هذا يختلف كلياً عن أن تتحدث عن الفكرة مع صديق في الطريق.
السرية ليست بُخلاً بالمشاركة، السرية هي حماية، هي طريقة الكاتب في القول للعالم: “هذا الشيء ملك لي الآن، سأدفع إلى اكتماله بنفسي، بسرعتي، بطريقتي، عندما يكون جاهزاً، سأشاركه معكم، حينها يمكنكم أن تحكموا عليه، أن تنقدوه، أن تحبوه أو تكرهوه، لكن الآن، في هذه المرحلة من الحمل الأدبي، أرجو أن تتركوني وحدي“.
هذا ليس غروراً أو تعالياً، هذا احترام للعملية الإبداعية، هذا فهم عميق لحقيقة أنّ الفن يُخلق في الظلام، وأنّ إحضار النور المبكر قد يفسده.
في النهاية، أتمنى أن أترك لكم هذه النصيحة التي تعلّمتها بالممارسة والألم: إذا كتبت كتاباً، فلا تُخبر أحداً، احتفظ به لنفسك، اسمح لنفسك بأن تكون مجنوناً قليلاً، أن تتساءل قليلاً، أن تشك قليلاً، في الظلام الآمن، اكتب من دون أن تشعر بأحد ينظر، اكتب كأنك تكتب لنفسك فقط.
وعندما تنتهي، عندما يكون الكتاب قد أخذ شكله النهائي، عندما تشعر أنّ الروح قد دخلت الجسد تماماً، حينها فقط أخرجه للعالم، وستجد أنّ الكتاب قد اكتسب قوة لم يكن ليمتلكها لو شاركته قبل أوانه.
الحقيقة هي أنّ أعظم الكتب وُلدت من صمت، سرية، ومن عزيمة، لا تفسد هذا السحر بالحديث المبكر، احمِ كتابك، احمِ فكرتك، احمِ ذاتك الإبداعية، والباقي سيأتي بطبيعة الحال.


أضف تعليق