فاطمة محمد قطيط – فلسطين
لم أستطِع في تلك الثانية أن أَرَى تفاصيلَ وجوههم، والشعور المرسوم داخل قلوبهم، فقط سمعت تصفيقاً حاراً يملأ القاعة، وصوت تصفير من أحدهم، وعيون تبعد عني أمتاراً فخورة بِما أنجزناه، وقلبٌ بقيَّ يرتجف من شدة ضغطٍ مميت، ووجعٍ عتيق، وشغفٍ وعيد، حتى أدركتُ صوتاً ما في داخلي يقول بصدى أسمع كل خطرٍ جسيم:
يا تُرى أهذا انتصار! أَمْ أنَّ خلفَ هذا الضجيج حكاية أخرى!
لم يكن في ذلك اليوم ميزان العدالة ميزاناً، بل كان باباً مغلقاً تُقرع عليه حججاً منطقية فلا يفتح، تصلبنا أمام عقولٍ لا تقيس عمق الفكرة! بل العمق الشعري الموجود في الجملةِ نفسها… وكانت هذه هي الفكرة التي لم نصدقها، ولم نعلم عنها إلا بعد فواتِ الأوان.
دخلنا مؤسسة ظننا أننا سنجد شغفنا بداخلها، وأنَّ ذلك الجهد لم ولن يذهب سدىً، في ذلك الوقت حينما دافعنا عن ما جاء به الواقع، وتكلمنا بصوتٍ يعلو الحقائق، لم يفهمنا أحد، قلنا:
أنَّ العالم لا يُبنى بهدمِ آخرِ أسواره!
وأنَّ ليس كل مؤسسة تُخْطِئ تُلْغى، أو تُحَلْ!
وأنَّ تلكَ المنظمة مهما تعثرت فهناك أدوات لإصلاحها، لا هدمها!
وأنَّ الهدم دمار والإصلاح إنقاذ!
وأنَّ العالم لا ينتظر التئام الجرح لينهض، بل ينهضُ به!
لكن كل تلك الكلمات وقعت في الفراغ، كأنَّ الهواء نفسه أصبح لا وجود له، وحينما قالوا ما هذه! إنها مصطلحات صعبة لم نفهمها! علمنا أنّ ما كان من حقنا نُزِعَ من بين أيدينا، وأنّ ذلك المستودع الصعب فهمه أُغلِقَ علينا…
قلتُ في البِداية وَبِوضوح: (الوعاءُ غيرُ قابلٍ للإستبدال)
قالوا: ماذا يعني الوعاء!
أسفاً أقولها: فآذانهم سمعت الكلمة لا المعنى، والجملة لا صداها!لم يفهموا أنّ تلكَ المنظمة ليست جداراً يسقط! بل بوصلةٌ إن انكسرت ضاع اتجاه العالم كلّه…ولم يفهموا أنّ المستودع الشرعيّ الذي تحدّثنا عنه ليس مصطلحاً! بل قلباً نابضاً بالمعايير، بالعهود، وباللغة الوحيدة التي تفهمها الشعوب حين تصرخ طلباً للحماية…
ثم جئنا بحجتنا الثانية، التي كان مفادها:
عندما كان العالم يعمل كل صباحٍ بآلاف الأذرع الخفية: لقاحات تُعطى، أطفالٌ يُسجَّلون، مخيّماتٌ تُدار… قالوا: تشبثتم بزاوية المساعدات الإنسانية والإقتصاد! نعم، لم يسمعوا صرير الحقائب التي تُنقذ الأرواح، ولا الصمت الثقيل الذي يتركه غيابها.
اقرأ أيضاً
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
كيف تبني عقلية الكاتب؟
سجية نقيصة
روح متمردة
القصص الصغيرة: لماذا نكتب عن الأشياء التي تبدو عادية؟
وحين نطقنا بالحجة الثالثة، الحجة التي كانت أشبه ببابٍ نحاول فتحه لهم، بابٌ يخرج منه ضوء إصلاحٍ سريع لا يحتاج إلى جراحةٍ كبرى، أو إشعال جميع الأضواء للرؤية! حينها أدركتُ أَنَّنا عبثاً كنَّا نُحاول، فقد كانوا كالسد المنيع أمامنا، خاصةً حينما أكدنا ما تكلمنا به أمامهم وقلنا:
أنَّ الحل ليس الهدم، بل تفعيل آلية تُنقذ العالم في لحظةِ الطوارئ… أتمتةٌ تستجيب لوضع تلك اللحظة…
ومع ذلك، وكلَّ ذلك، عَبَرَت الكلمة من فوق عقولهم وقالوا متعجبين بما جئنا به: ما هذه المصطلحات! ماذا يعني أتمتة!
صحيح، لم نستسلم، قلنا لهم أن قرار ١٩٤ حين لم ينفذ لم يمُت، ولكن الريح في ذلك اليوم لم تستسلم أيضاً، واختارت أن لا تُصغي إلينا عندما قالت باستهزاء: (لا أعلم ما محل إعراب قرار ١٩٤! ما شأنه في نقاشنا!)
وفي حقيقة الأمر، اختارت أن لا تسمع، لأنَّ نتيجتها محسومة! وعذرها موجود، فهي لم تفهم ما جئنا به!…
أمَّا الآن، ما زال شيء في داخلي يتساءل:
أيُعقل أنّ مستوانا الفكري كان أكبر من مُحَكِّمة قضت ثلاثين سنة في عملها الصحفي! وأكبر من مُحَكِّمة أخرى تريد أن تسمع في الخطاب سواء كان (سياسي، اقتصادي، اجتماعي) كلماتٍ رنانة! بسيطة!
تحدّثنا بوضوحٍ، لكنهم عادوا ليقولوا أنَّ كلماتنا غريبة وصعبة! دافعنا عن الحجة بالحجّة، لكنهم زعموا أنّ أبواب القضية لا تناسب مفاتيحنا، توقفت الساعة ولم يكونوا بنظرنا سوى مستودعات ظلمٍ مُحكَمة، لا تفتح إلا لمن يوافق على ظُلمها… وَتُغلق بوجهِ من أتى بحججٍ كاملة رصينة دون زيادة أو نقصان.
وقفَت تلك، وأعلنت النتيجة، فلم نعرف:
أهو فوزٌ خسرناه؟
أم أننا دخلنا مرةً أخرى في مستودع ظلمٍ مُحكَم، لا بأس إن كان شرعي أو معياري، ففي النهاية أُغلقت أبوابه بإرادة من لا يريد للسؤال أن يُسمَع! وللمعنى أن يُفْهَم! وللقضية أن تُصَلَّح، فقط يريدونها أن تُحَلْ.
تساءلتُ مرةً أخرى، كم من الوقت تم إهداره عبثاً حتى يضيع الهدف الأساسي في أروقة ظالمٍ لم يكن في المستودع؛ لأنه فقط لا يعلم مكانه، وحتى لا يعلم معنى المصطلح نفسه؛ حتى يدخل به!
وكم من الوقت تم إهداره حتى يكون مالك تلك المؤسسة يرى الظلم في عينيه ويصمت، يخفي الحقائق، ويرفض أن يُرسل تقييماً خارجياً يقر فيه (أنكم أنتم من تستحقون ذلك الفوز)…!
ما قيمة ما يُفعل ويُعطى لنا ولا يُنَفَّذْ بالنسبة لهم! أسفاً مرةً أخرى، وَألف.
وفي النهاية…
لم يُهزم صوتنا لأنه ضعيف، بل لأنّ الذين يُفترض بهم أن يسمعوا لم يفهموا!
والذين يُفترض أن يدافعوا عن حقنا صمتوا!
وقالوا لا بأس لا تخافوا سنُناظر الآن باسمكم، فنحن أكبر من أن نأخد حقنا…
فالحق، مهما طال عليه الغياب سيبقى ينتظر من يفتحه ولو بعد ثمانية عقود، أو حتى بعد مرور 194 يوماً، أو عاماً، أو جيلاً كاملاً…


أضف تعليق