يوسف الخطيب
هناك دائماً سبب للانتظار، دائماً، اليوم مشغول، غداً سأبدأ، هذا الأسبوع صعب، الأسبوع القادم سيكون أفضل، لم أقرأ بما فيه الكفاية، سأقرأ أكثر ثم أبدأ، لا أعرف ما يكفي عن الموضوع، سأبحث أكثر ثم أكتب، الفكرة ليست ناضجة بعد، سأنتظر حتى تكتمل في ذهني.
كنت في الخامسة والعشرين من عمري حين قررت أن أصبح كاتباً، قرار واضح، حاسم، لا رجعة فيه، لكن بدلاً من أن أجلس وأكتب، فعلت شيئاً آخر.
اشتريت كتباً عن الكتابة، عشرات الكتب، قرأت عن البنية السردية، عن تطوير الشخصيات، عن الحوار الفعّال، عن الوصف الحسي، اشتركت في دورات، حضرت ورشاً، تابعت كتّاباً على الإنترنت يتحدثون عن تجاربهم، جمعت أقلاماً فاخرة ودفاتر جميلة، رتّبت مكتباً مثالياً للكتابة، أعددت مواد صوتية تناسب أجواء الإبداع.
فعلت كل شيء إلا الشيء الوحيد الذي كان يجب أن أفعله: أن أكتب.
مرّت سنتان كاملتان وأنا في مرحلة “الاستعداد”، سنتان من التحضير لشيء لم يحدث أبداً، وفي لحظة صدق نادرة مع نفسي، أدركت الحقيقة المؤلمة: لم أكن أستعد للكتابة، كنت أختبىء منها.
الكمالية ليست فضيلة، هذه الجملة احتجت سنوات لأفهمها حقاً، خاصة في الكتابة، ليست سعياً نبيلاً نحو التميز، الكمالية قناع نرتديه لنخفي خوفنا من الفشل، من الرفض، من أن نكتشف أننا لسنا بالموهبة التي تخيلناها.
عندما أقول لنفسي “سأكتب حين أكون مستعداً”، ما أعنيه حقاً هو “سأكتب حين أضمن أنني لن أفشل”، لكن هذا الضمان لن يأتي أبداً، لا يوجد كاتب في التاريخ جلس ليكتب وهو متأكد تماماً أنّ ما سيكتبه سيكون عظيماً، حتى أعظم الكتّاب يجلسون أمام الصفحة البيضاء وهم مرعوبون، شاكّون، غير متأكدين من أي شيء.
الفرق بينهم وبيننا، أنهم يكتبون رغم الخوف.
هناك دائماً سبب للانتظار، دائماً، اليوم مشغول، غداً سأبدأ، هذا الأسبوع صعب، الأسبوع القادم سيكون أفضل، لم أقرأ بما فيه الكفاية، سأقرأ أكثر ثم أبدأ، لا أعرف ما يكفي عن الموضوع، سأبحث أكثر ثم أكتب، الفكرة ليست ناضجة بعد، سأنتظر حتى تكتمل في ذهني.
هذه الأسباب تبدو منطقية، معقولة، حتى حكيمة، لكنها في الحقيقة أعذار متنكرة، لأنّ الأسبوع القادم سيأتي بأعذاره الخاصة، والشهر القادم كذلك، والسنة القادمة، الانتظار يولّد انتظاراً، والتأجيل يصبح عادة، وفجأة تجد أنّ سنوات مرّت وأنت لم تكتب كلمة واحدة.
أعرف كتّاباً ينتظرون منذ عشر سنوات، ينتظرون الوقت المناسب، الظرف المناسب، الإلهام المناسب، ينتظرون أن تكتمل معرفتهم، أن تنضج تجربتهم، أن يصبحوا “جاهزين”، وهم لا يدركون أنّ الجاهزية خرافة، وأنّ الوقت المناسب لا يأتي، بل يُصنع.
هناك حقيقة لا يفهمها كثيرون: الكتابة لا يمكن تعلّمها بالقراءة عن الكتابة، وإنما تتعلّمها بأن تكتب.
يمكنك أن تقرأ مئة كتاب عن السباحة، تحفظ كل التقنيات، تفهم فيزياء الطفو وديناميكية الحركة في الماء، لكنك لن تتعلّم السباحة حتى تنزل إلى الماء وتبدأ بتحريك يديك وقدميك، ستبتلع ماءً، ستغرق قليلاً، ستشعر بالإحراج، لكنك ستتعلّم، الكتابة بمثل هذه الصورة تماماً.
كل ساعة تقضيها في القراءة عن الكتابة بدلاً من الكتابة نفسها هي ساعة ضائعة، لا أقول أنّ القراءة عن الكتابة غير مفيدة، لكنها مفيدة فقط إذا كانت مصحوبة بالممارسة الفعلية، النظرية بدون تطبيق لا تساوي شيئاً.
عندما بدأت أكتب فعلاً، اكتشفت أنّ كل ما قرأته عن الكتابة أصبح له معنى مختلف، الكلام عن “الصوت السردي” الذي كان مفهوم مجرد أصبح شيئاً أحسّه وأختبره، النصائح عن بناء الشخصيات التي كانت مجرد نقاط نظرية أصبحت أدوات أستخدمها فعلاً، الكتابة علّمتني ما لم تستطع كل الكتب أن تعلّمني إياه.
إليكم سراً يعرفه كل كاتب محترف: المسودة الأولى دائماً سيئة، ليس أحياناً، بل دائماً.
حتى الكتّاب العظماء، أولئك الذين نقرأ رواياتهم وندهش من جمالها، كتبوا مسودات أولى مليئة بالأخطاء والضعف والفجوات، الفرق أنهم لم يتوقفوا عند المسودة الأولى، كتبوها، ثم أعادوا كتابتها، ثم أعادوا كتابتها مرة أخرى، حتى وصلوا إلى النسخة التي نقرأها نحن.
لكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى النسخة النهائية الجميلة دون أن يمروا بالنسخة الأولى السيئة، هذه هي العملية، لا توجد طريقة للقفز من الفكرة إلى النص المثالي، لا بد من المرور بمرحلة الكتابة السيئة أولاً.
عندما تفهم هذا، وتتقبله، يصبح الانتظار غير منطقي، لماذا تنتظر لتكون مثالياً إذا كانت المسودة الأولى ستكون سيئة في كل الأحوال؟ لماذا تسعى للكمال في البداية إذا كان الكمال يأتي في النهاية، بعد مراجعات عديدة؟
الكتابة السيئة هي المادة الخام التي تصنعون منها كتابة جيدة، بدون المادة الخام، لا يوجد شيء للعمل عليه، الفخّار لا يصنع تمثالاً من الهواء، يحتاج إلى طين، والكاتب لا يصنع نصاً جيداً من لا شيء، يحتاج إلى مسودة أولى، حتى لو كانت سيئة.
أريد أن أعطيكم شيئاً لم يُعطني إياه أحد في بداياتي: الإذن بالكتابة السيئة.
نعم، اكتبوا بشكل سيئ، اكتبوا جملاً ركيكة وأفكاراً غير مكتملة وحوارات مصطنعة، اكتبوا وصفاً مبالغاً فيه وشخصيات مسطحة وحبكات متوقعة، اكتبوا كل هذا دون خجل، دون تردد، دون صوت داخلي يقول لكم “هذا لا يستحق أن يُكتب”.
لأنّ الكتابة السيئة أفضل بما لا يُقاس من اللا كتابة، الكتابة السيئة يمكن تحسينها، تعديلها، إعادة كتابتها، اللا كتابة لا يمكن فعل أي شيء بها.
الكتابة السيئة هي المادة الخام التي تصنعون منها كتابة جيدة، بدون المادة الخام، لا يوجد شيء للعمل عليه، الفخّار لا يصنع تمثالاً من الهواء، يحتاج إلى طين، والكاتب لا يصنع نصاً جيداً من لا شيء، يحتاج إلى مسودة أولى، حتى لو كانت سيئة.
أنتظر حتى يكون لدي وقت، أنتظر حتى أنهي هذا المشروع في العمل، أنتظر حتى يكبر الأطفال، أنتظر حتى أتقاعد، أنتظر حتى تهدأ الحياة قليلاً، إلى متى ستبقى في انتظار؟.
الحياة لا تهدأ، هذه حقيقة يجب أن نتقبلها، لن يأتي يوم تستيقظ فيه وتجد أنّ كل مسؤولياتك اختفت، وأنّ لديك ساعات فراغ للكتابة، وأن لا شيء يشتت انتباهك، هذا اليوم لن يأتي أبداً.
الكتّاب الذين ينشرون كتباً ليسوا أشخاصاً لديهم وقت أكثر من غيرهم، كثير منهم يعملون وظائف بدوام كامل، لديهم عائلات ومسؤوليات، يعانون من نفس ضغوط الحياة التي نعاني منها جميعاً، الفرق أنهم لا ينتظرون الوقت المثالي، يصنعون وقتاً للكتابة في وسط الفوضى.
نصف ساعة قبل النوم، ساعة في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ الآخرون، استراحة الغداء في العمل، أي وقت يمكن انتزاعه من اليوم يصبح وقتاً للكتابة، ليس مثالياً، ليس مريحاً، لكنه كافٍ.
وجزء كبير من الانتظار مصدره المقارنة، نقرأ لكتّاب عظماء ونقارن كتابتنا بكتابتهم، نقرأ جملة لماركيز ونقول: “لن أستطيع أن أكتب هكذا أبداً، فلماذا أحاول؟” نقرأ حواراً لدوستويفسكي ونشعر أنّ كل ما نكتبه سخيف بالمقارنة.
اقرأ أيضاً
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
أفضل 5 تقنيات لتحسين كتابة الأدب
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
القصص الصغيرة: لماذا نكتب عن الأشياء التي تبدو عادية؟
كيف تكتب 1000 كلمة في 30 دقيقة؟
لكن هذه المقارنة غير عادلة، أنت تقارن مسودتك الأولى بمسودتهم العاشرة، تقارن محاولاتك الأولى بإنجازاتهم الناضجة، تقارن نفسك وأنت في البداية وهم في القمة، هذه مقارنة لا معنى لها.
ماركيز كتب كتابات سيئة في بداياته، دوستويفسكي أنتج نصوصاً لا تستحق القراءة قبل أن يصل إلى نصوصه الخالدة، كل كاتب عظيم مرّ بمرحلة كان فيها كاتباً عادياً، أو حتى سيئاً، لكنهم لم يتوقفوا بسبب ذلك، استمروا في الكتابة حتى أصبحوا ما أصبحوا عليه.
وهل ما نخافه حقيقي؟ بالتأكيد لا، لأنّ مخاوفنا مبالغ فيها، نخاف من الفشل كأنه نهاية العالم، نخاف أن نكتب شيئاً سيئاً، أن يُرفض ما نكتبه، أن يقرأه أحدهم ويسخر منه، هذا الخوف يشلّنا، يمنعنا من المحاولة أصلاً.
كما أنّ هذا الفشل ليس نهاية الطريق، الفشل جزء من الطريق، كل كاتب فشل عشرات المرات قبل أن ينجح، روايات رُفضت من عشرات الناشرين قبل أن تُنشر وتصبح من الكلاسيكيات، قصص قصيرة أُعيدت إلى أصحابها مع رسائل رفض قاسية، ثم نُشرت لاحقاً وفازت بجوائز.
الفشل يعلّمك ما لا يعلّمه النجاح، يُريك نقاط ضعفك، يدفعك للتحسّن، يجعلك كاتباً أفضل، لكنك لن تختبر الفشل، ولن تتعلّم منه، إذا لم تحاول أصلاً.
ونصيحتي لك، أن تبدأ الآن، وليس غداً، ليس الأسبوع القادم، ليس حين تكون مستعداً، الآن.. يعني الآن.
افتح صفحة جديدة واكتب جملة واحدة، لا يهم ما هي الجملة، لا يهم إن كانت جيدة أو سيئة، المهم أن تكتبها، ثم اكتب جملة ثانية، ثم ثالثة، لا تحكم على ما تكتبه، لا تراجعه، لا تفكر فيه كثيراً، فقط اكتب.
ستكتشف شيئاً غريباً: كلما كتبت أكثر، أصبحت الكتابة أسهل، ليس لأنك أصبحت كاتباً أفضل بين ليلة وضحاها، بل لأنك كسرت حاجز الخوف، كسرت الوهم بأنّ الكتابة يجب أن تكون مثالية من المحاولة الأولى.
أريد أن أختم بشيء شخصي جداً، كل يوم أجلس فيه للكتابة، يأتيني صوت داخلي يقول: “من أنت لتكتب؟ ما الذي لديك لتقوله ولم يُقل من قبل؟ لماذا يهتم أحد بما تكتبه؟” هذا الصوت لم يختفِ بعد سنوات من الكتابة، ربما لن يختفي أبداً.
لكنني تعلّمت أن أكتب رغم هذا الصوت، تعلّمت أن أسمعه وأومئ له ثم أستمر في الكتابة، تعلّمت أنّ الكمال ليس هو الهدف، وأنّ الكتابة الموجودة أفضل من الكتابة المثالية التي لا توجد إلا في الخيال.
لا تنتظر أن تكون مثالياً، لا تنتظر أن تكون جاهزاً، لا تنتظر الوقت المناسب أو الإلهام أو الظروف المثالية.
اكتب فقط، اكتب بشكل سيئ، اكتب بخوف، اكتب بشك، لكن اكتب.


أضف تعليق