محمد البلوشي
في كل مرة أجلس فيها للكتابة، أشعر أنّ الاحتمالات لا نهائية، يمكن أن يحدث أي شيء، يمكن أن تذهب القصة في أي اتجاه، هذا الشعور بالانفتاح على الممكنات، هذا الشعور بأنّ العالم الذي أخلقه بين يدي تماماً، لا يوجد ما يعادله في أي تجربة أخرى عرفتها.
سألني صديق ذات مساء سؤالاً بسيطاً: “لماذا تكتب؟” كنا نجلس في مقهى هادئ، وكان السؤال عابراً، من تلك الأسئلة التي تُطرح لملء الصمت بين رشفات القهوة، لكنني توقفت، وجدت نفسي عاجزاً عن الإجابة، ليس لأنني لا أعرف، بل لأنّ الإجابة أعمق وأكثر تشعباً مما يمكن اختزاله في جملة عابرة.
في طريق العودة إلى البيت، ظل السؤال يدور في رأسي، لماذا فعلاً؟ لماذا أقضي ساعات وحيداً أمام شاشة أو دفتر، أصارع الكلمات، أحذف أكثر مما أكتب، أشعر بالإحباط والفرح والشك والانتصار، كل ذلك في جلسة واحدة؟ لماذا اخترت هذا الطريق الصعب، هذه الحرفة التي لا تَعِد بشيء مضمون، هذا الفعل الذي يبدو أحياناً أشبه بالجنون؟
الكتابة تمنحني شعوراً بالوجود لا أجده في أي مكان آخر.
في الحياة اليومية، نمرّ مرور الكرام، نستيقظ، نعمل، نأكل، ننام، ثم نكرر، الأيام تشبه بعضها، والأسابيع تتدحرج نحو الأشهر، والأشهر نحو السنوات، هناك شعور خفي بأنّ الحياة تمضي دون أن نترك فيها أثراً حقيقياً، دون أن نلمس شيئاً عميقاً.
لكن عندما أكتب، أشعر أنني هنا، أشعر بوجودي، بحضوري الكامل في اللحظة، الكلمات التي أضعها على الورق هي دليل ملموس على أنني مررت من هنا، فكرت، شعرت، حاولت أن أفهم، أثر أتركه خلفي، بصمة تقول: كان هنا إنسان، وكان يحاول أن يقول شيئاً.
هذا الشعور بالوجود يشبه التنفس لمن كاد يختنق، ضروري، حيوي، لا يمكن الاستغناء عنه.
أنا لا أكتب لأنني أفهم العالم، أكتب لأنني لا أفهمه، وأريد أن أفهمه.
هناك أفكار ومشاعر تبقى ضبابية في الرأس، غائمة، غير محددة، أعرف أنّ هناك شيئاً ما، لكنني لا أستطيع أن أراه بوضوح، لا أستطيع أن أمسكه بيدي، الكتابة هي الطريقة التي أحوّل بها هذا الضباب إلى شيء ملموس، شيء يمكن النظر إليه وفحصه وفهمه.
عندما أكتب عن تجربة مررت بها، أكتشف فيها طبقات لم أكن أراها، عندما أكتب عن شخصية خيالية تواجه صراعاً ما، أكتشف شيئاً عن صراعاتي أنا، عندما أكتب عن العالم، أفهم موقعي فيه بشكل أفضل.
من خلال الكتابة أسجل ما أعرفه، وأستكشف ما لا أعرفه، أبدأ من نقطة غامضة، وأتبع الكلمات حتى تقودني إلى مكان لم أكن أعرف أنه موجود، هذه الرحلة، رحلة الاكتشاف، هي واحدة من أعظم متع الكتابة.
نحن كائنات وحيدة في الأساس، كل واحد منا يعيش في جزيرة منفصلة، يرى العالم من نافذته الخاصة، يختبر الحياة بطريقته الفريدة، لا أحد يستطيع أن يدخل رأسي ويرى ما أراه، يشعر ما أشعره، يفهم ما أفهمه، هذه العزلة جزء من الشرط الإنساني، لا مفر منها.
عندما أكتب تجربة إنسانية بصدق، شخص ما في مكان آخر من العالم يقرأها ويقول: “هذا بالضبط ما شعرت به، ظننت أنني الوحيد الذي يفكر بهذا الأمر”، في تلك اللحظة، شيء ما يتصل، جزيرتان منفصلتان تجدان طريقة للتواصل، ولو للحظة، الوحدة الأساسية تتصدع قليلاً، ويدخل منها ضوء.
أتذكر رسائل وصلتني من قراء على مر السنين، ليست كثيرة، لكن كل واحدة منها تركت أثراً عميقاً فيّ، شخص يقول إنّ نصاً كتبته ساعده في وقت صعب، وآخر يقول إنه شعر بأنني أتحدث عنه وهو يقرأ، وآخر يقول إنه بكى، أو ضحك، أو أعاد التفكير في شيء كان يعتقده ثابتاً، هذه الرسائل تذكرني لماذا أكتب: لأنّ الكلمات تستطيع أن تمد يدها وتلمس إنساناً آخر.
هذا الشعور بالخلق، بأنني أضفت شيئاً إلى العالم لم يكن موجوداً من قبل، يمنحني غرضاً ومعنى، في عالم يبدو أحياناً فوضوياً وعبثياً، تكون الكتابة طريقتي لصنع نظام صغير، لإيجاد معنى حتى لو كان معنى اخترعته أنا.
في الحياة العادية، هناك قيود في كل مكان، قيود اجتماعية، قيود مهنية، قيود الوقت والمكان والظروف، لا أستطيع أن أكون كل الأشخاص الذين أريد أن أكونهم، لا أستطيع أن أعيش كل الحيوات التي تثير فضولي، لا أستطيع أن أقول كل ما يدور في رأسي بدون عواقب.
لكن في الكتابة، لا حدود، أستطيع أن أكون امرأة أو رجلاً، شاباً أو عجوزاً، من هذا القرن أو من قرن مضى، أستطيع أن أعيش في مدينة لم أزرها، أن أختبر مهنة لم أمارسها، أن أواجه ظروفاً لم أمرّ بها، أستطيع أن أستكشف الجوانب المظلمة من النفس البشرية دون أن أؤذي أحداً، أن أطرح الأسئلة الصعبة دون أن أقلق من الإجابات.
في كل مرة أجلس فيها للكتابة، أشعر أنّ الاحتمالات لا نهائية، يمكن أن يحدث أي شيء، يمكن أن تذهب القصة في أي اتجاه، هذا الشعور بالانفتاح على الممكنات، هذا الشعور بأنّ العالم الذي أخلقه بين يدي تماماً، لا يوجد ما يعادله في أي تجربة أخرى عرفتها.
والكتابة أيضاً تجبرني على الصدق، ليس دائماً، لكن في أفضل لحظاتها، وتجردني من الأقنعة التي أرتديها في الحياة اليومية وتضعني أمام نفسي عارياً.
لا أستطيع أن أكتب شخصية حقيقية دون أن أغوص في أعماقي بحثاً عن المشاعر التي تحركها، لا أستطيع أن أكتب عن الخوف دون أن أواجه خوفي أنا، لا أستطيع أن أكتب عن الحب أو الخسارة أو الندم أو الأمل دون أن أعود إلى تجاربي الخاصة مع هذه المشاعر، حتى تلك التي دفنتها عميقاً ونسيتها.
هذه المواجهة مؤلمة أحياناً، هناك أيام أنتهي فيها من الكتابة وأنا مستنزف عاطفياً، كأنني خضت معركة داخلية، لكن هذا الألم جزء من العملية، جزء من السبب الذي يجعل الكتابة مهمة، وتجبرني على النظر إلى الأشياء التي أتجنبها عادة، والتعامل مع الأجزاء من نفسي التي أفضّل تجاهلها.
بهذا المعنى، تكون الكتابة علاج، ليس علاجاً بالمعنى السريري، لكن علاجاً بمعنى المواجهة والفهم والتقبل، كل نص أكتبه يجعلني أفهم نفسي قليلاً أكثر، يجعلني أكثر تصالحاً مع تناقضاتي وعيوبي وجروحي القديمة.
اقرأ أيضاً
كيف تبني عقلية الكاتب؟
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
بين الإبداع والنقد: معركة الكاتب مع ذاته ومع الجمهور
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
وفي عالم نستهلك فيه أكثر مما ننتج، الكتابة فعل خلق نادر وثمين، أن تأخذ صفحة بيضاء، فارغة تماماً، وتملأها بعالم لم يكن موجوداً من قبل، هذا شيء أقرب إلى السحر.
أحب لحظة البداية، تلك اللحظة التي تكون فيها الصفحة بيضاء والاحتمالات لا نهائية، أحب لحظة الانغماس، حين أنسى نفسي وأنسى الوقت وأصير مجرد قناة تمر عبرها الكلمات، أحب لحظة الاكتشاف، حين تفاجئني الشخصيات بأفعال لم أكن أتوقعها، حين تتخذ القصة منعطفاً لم أخطط له، وأحب لحظة الإنجاز، حين أضع النقطة الأخيرة وأنظر إلى ما صنعته يداي.
هذا الشعور بالخلق، بأنني أضفت شيئاً إلى العالم لم يكن موجوداً من قبل، يمنحني غرضاً ومعنى، في عالم يبدو أحياناً فوضوياً وعبثياً، تكون الكتابة طريقتي لصنع نظام صغير، لإيجاد معنى حتى لو كان معنى اخترعته أنا.
الحياة فيها ألم، هذه حقيقة لا مفر منها، نفقد أشخاصاً نحبهم، نفشل في أشياء نريدها، يخيب أملنا، نواجه الظلم والمرض والخسارة، هذا الألم جزء من دورة الحياة، لا يمكن تجنبه.
لكن الكتابة تحوّل هذا الألم إلى شيء آخر، عندما أكتب عن خسارة مررت بها، الخسارة لا تختفي، لكنها تصبح شيئاً يمكن النظر إليه من مسافة، تصبح مادة خام، للفهم، للتواصل مع آخرين مروا بالشيء نفسه.
هناك مقولة للكاتبة إيزابيل الليندي تقول: “إنها تكتب لتفهم ما يحدث لها، وأنها لو لم تكتب لجُنّت”، أفهم هذا الكلام تماماً، وكيف تصبح الكتابة طريقة لاستيعاب التجارب الصعبة، وتحويلها إلى شيء يمكن العيش معه.
بعض أفضل ما كتبته جاء من أسوأ ما عشته، ليس لأنّ الألم يصنع فناً تلقائياً، بل لأنّ الكتابة أعطتني طريقة للتعامل مع هذا الألم، وفهمه، وللبحث عن معنى فيه.
في النهاية، السبب الأعمق والأبسط هو أنّ الكتابة جزء مني، ليست شيئاً أفعله، بل شيء أكونه.
لا أتذكر وقتاً لم أكن فيه مشغولاً بالكلمات، منذ طفولتي، كنت ذلك الطفل الذي يقرأ، ويخترع قصصاً في رأسه قبل أن ينام، ويكتب في دفاتر سرية لا يراها أحد.
عندما لا أكتب لفترة طويلة، أشعر بخلل، شيء ناقص، شيء مفقود، أصبح أكثر قلقاً، أكثر توتراً، أقل قدرة على النوم، وتتراكم الأفكار في رأسي، مثل ماء يتجمع خلف سد، وعندما أعود إلى الكتابة، أشعر بالراحة، كأنني عدت إلى بيتي بعد غياب طويل.
لا أستطيع أن أتخيل حياة بدون كتابة، حتى لو لم ينشر لي شيء أبداً، حتى لو لم يقرأني أحد، سأظل أكتب، لأنّ الكتابة ليست وسيلة لهدف خارجي، الكتابة هي الهدف نفسه، الكتابة هي طريقتي في أن أكون حياً، في أن أكون أنا.
عدت إلى صديقي بعد أيام وقلت له: “سألتني لماذا أكتب، الإجابة المختصرة هي: لأنني لا أستطيع ألا أكتب، الإجابة الطويلة؟ ستحتاج مقالة كاملة”.
ابتسم وقال: “إذن اكتبها”.
وها أنا أكتبها.
لماذا أحب الكتابة؟ لأنها تجعلني موجوداً، تساعدني على الفهم، تصل ما انقطع، تمنحني حرية، تواجهني بذاتي، تجعلني خالقاً، تجعل الألم محتملاً، لأنها أنا، ببساطة.
وهذا يكفي.


أضف تعليق