انطونيوس عطيه*
ليست كل الحروب تبدأ من الخارج، وليست كل القيود تُفرض بالقوة. أحياناً، تكون المرأة هي السلاح الذي يوجَّه ضد المرأة، دون أن تدري أنها ليست سوى ترسٍ في آلة صنعتها عقول أخرى ، في كل مرة تُقصي امرأة أخرى لأنها اختارت طريقاً مختلفاً، في كل مرة تحكم عليها باسم التقاليد، الأخلاق، أو حتى باسم الحرية، تكون جزءاً من معركة قديمة لم تبدأها بنفسها، لكنها صارت تخوضها دون أن تسأل: لماذا؟ ومن المستفيد حقاً؟
ليست الأنظمة الذكورية وحدها من تُقيد المرأة، بل النساء أنفسهن، حين يتحوّلن إلى حراس للنظام نفسه:
الأم التي تهمس لابنتها: “عيب أن ترفعي صوتك”، لكنها لا تقول ذلك لابنها.
والجدة التي تعلّم حفيدتها أنّ صمتها فضيلة، لكنها تمتدح جرأة حفيدها.
والمرأة التي تنظر بازدراء إلى أخرى فقط لأنها اختارت أن تحيا خارج القواعد التي نشأت عليها.
كيركجارد قال:
“العبودية الحقيقية أن تحب قيودك وتدافع عنها”.
فكم امرأة تحارب من أجل قيدها، دون أن تسأل إن كان يجب عليها أن تتحرر؟، تكون سجيناً دون أن تدري بل وتحارب عن سجانك.
دائماً ما كان المجتمع يُقنع المرأة أنّ قيمتها في مظهرها، في نظرات الإعجاب التي تتلقاها، في كونها “الاختيار الأمثل”، لا في ذاتها. فتتحوّل النساء إلى متنافسات في سباق لا ينتهي، حيث كل واحدة تحاول أن تثبت أنها الأجمل، الأقوى، الأكثر استحقاقاً. لا أحد يخبرهن أنهن لسن في ساحة حرب، وأنّ الجمال ليس مقياساً للوجود، وأنّ الحب ليس ميدالية تمنح للفائزة.
كما يقول نيتشه “حين لا نجد من نحاربه، نحارب أنفسنا”.
فكم من امرأة كانت أقسى على امرأة أخرى مما كان المجتمع نفسه؟ نرى تلك الأمثلة كثيراً وبنمط متكرر في المواصلات والطرق العامة، أحياناً تكون نظرات المرأة للمرأة أكثر ازدراءً وعنفاً.
….
الحرية لا تكون بإقصاء اختيار لصالح آخر. ليست النسوية أن تفرض على المرأة ألا تكون ربة منزل، كما فرض عليها المجتمع من قبل أن تكون كذلك. ليست القوة في التخلي عن الحب، وليست الاستقلالية في كره الرجل. النسوية التي تخلق حروباً جديدة بين النساء لا تختلف عن المجتمعات التي صنعت هذه القيود.
اقرأ أيضاً
روح متمردة
حين يبكي القلم
ليس لي وجهٌ في المرآة، بل تكرار وجوه
القصص الصغيرة: لماذا نكتب عن الأشياء التي تبدو عادية؟
كيف يصنع الأدب إنساناً أخلاقياً؟
سيمون دي بوفوار قالت ذات يوم:
“لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك”.
لكن من يحدد كيف تصبح؟ من يمنحها الحق أن تكون ما تريد دون أن توضع في قوالب جديدة لا تقل قسوة عن القديمة؟
ولكن متى تتوقف تلك الحروب؟
في رأيي ستتوقف حين تدرك المرأة أنّ المعركة ليست بينها وبين غيرها، بل بينها وبين ما زُرع في عقلها منذ الطفولة. حين تفهم أنّ نجاح امرأة أخرى ليس تهديداً لها، بل طريقاً إضافياً يمكن أن تسير فيه لو أرادت، ليست المشكلة في الرجال فقط، بل في الأفكار التي لا تزال تُزرع في النساء ليحاربن بعضهن. المعركة الحقيقية ليست في إثبات التفوق، بل في تحطيم الجدران التي تفصل النساء عن رؤية أنفسهن كما هنّ، بلا خوف، بلا مقارنة، بلا حرب.
“لن تنكسر القيود حقاً، ما دامت الأيدي التي تشدّها تشبه أيدينا”.
*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


أضف تعليق