إيقاع الجسد والروح: حين يصبح الرقص صلاةً خفية

انطونيوس عطيه*

في البدء، لم تكن هناك لغة. لم يكن الإنسان يعرف كيف يُعبّر بالكلمات عن خوفه من العتمة، عن دهشته أمام المطر الأول، عن الفرح الغامض الذي اجتاحه عندما اكتشف أنّ النار تمنحه الدفء. لكنه كان يعرف كيف يتحرك. كانت قدماه تضرب الأرض كما لو أنه يحاول أن يخبرها بشيء، يدور حول اللهب كأنما يطارد ظلاً، يرفع يديه نحو السماء في محاولة لفهمها أو لانتزاع شيء منها. هكذا، ولد الرقص؛ قبل أن يكون فنًّا، قبل أن يصبح متعة أو طقساً اجتماعياً، كان الرقص صلاة. كان الإنسان الأول يرقص حول النار ليحاكي إيقاع الحياة نفسها، ليشكر السماء على المطر، أو ليتوسل للصيد ألا يخونه. كانت الحركات المتكررة هي طريقته في فهم العالم، في التحاور مع القوى التي لا يراها لكنه يشعر بها تحيط به في كل مكان.

عبر الحضارات، ظل الرقص جزءاً من العبادة، وسيلة للاتصال بالمقدّس. لم يكن مجرد احتفال، بل طقساً يحمل معنى أعمق، طريقة للذوبان في شيء أكبر من الذات.

في المعابد الهندوسية، كان رهبان الهند يرقصون في طقوس البهاكتي، حيث يصبح الجسد وسيلة لتجسيد قصص الآلهة، رقصة مقدسة تروي الأسطورة عبر الإيقاع.

في اليونان القديمة، كانت رقصة الديثيرامب جزءاً من عبادة ديونيسوس، إله الخمر والنشوة، حيث كان الكهنة والمريدون يتمايلون في نشوة روحية كأنما فقدوا ذاتهم في الإيقاع.

في إفريقيا، كانت الطبول تدقّ، والراقصون يدخلون في حالة أشبه بالغيبوبة، حيث يصبح الرقص وسيلة للاتحاد مع الأرواح، طريقة لعبور العوالم، للتحرر من الجسد عبر تحريكه.

في الطقوس الشامانية، كان السحرة والكهنة يرقصون للوصول إلى حالة من الصفاء، لإحداث تواصل بين الأرض والسماء، لإشفاء المرضى، أو لاستدعاء المطر.

أما في التصوّف الإسلامي، أخذ الرقص بعداً جديداً. لم يعد مجرد حركة، بل صار دورة كونية، محاكاة لدوران الأفلاك، طوافاً لا ينتهي حول نقطة لا تُرى. في رقصة المولوية، يدور الدراويش حول أنفسهم كأنما يحاولون الذوبان في الوجود، كأنّ أجسادهم لم تعد تخُصّهم، بل أصبحت جزءاً من حركة أزلية لا تتوقف، يقول جلال الدين الرومي:

“لا تقف ساكناً، تحرك كما تتحرك السماوات. من لا يرقص لا يعرف طريقه.”

فالرقص هنا ليس احتفالاً، ليس نشوة جسدية، بل غياب تام عن الذات، حين يدور المتصوّف، فإنه ينسى جسده، يذوب في الحركة كما تذوب قطرة ماء في بحر، يصبح هو الإيقاع نفسه، لا راقصاً بل رقصاً.

هناك شيء غريب في الرقص. فهو، من ناحية، احتفاء بالحياة، بالجسد، بالإيقاع، لكنه، في الوقت نفسه، محاولة للتحرر من كل ذلك. حين نرقص، نحن لسنا فقط في المكان، بل خارجه، لسنا فقط في الجسد، بل في شيء أوسع، شيء لا يمكن تسميته لكنه موجود في تلك اللحظة، في تلك الحركة التي تبدو بسيطة لكنها تحمل معنى لا يُفسَّر.


اقرأ أيضاً
تأملات في ‘الخيميائي’ لباولو كويلهو
فن الإيحاء والتكثيف: كيف تُكتب القصة القصيرة الحديثة؟
كيف تكتب بصدق وتأثير عاطفي؟
حين يهمس الصمت: الكتابة كصرخة خفية في أعماق الروح
من الشك إلى الإبداع: كيف تتجاوز عقبات الكتابة وتنطلق بحرية؟


الإنسان، في أعمق حالاته، ليس كائناً ساكناً. إنه يبحث دائماً عن شيء، عن معنى، عن طريقة للوجود، عن مساحة يكون فيها أكثر حرية، أكثر خفّة. وربما لهذا، حين يعجز عن إيجاد الكلمات، حين يصبح الفكر ثقيلاً والمشاعر معقّدة، لا يجد وسيلة للتعبير إلا عبر الحركة.

لكنني حين أفكر في الرقص…

لا أراه مجرد إيقاع، ولا مجرد فنٍّ أو طقس. الرقص هو أن تتحرّر للحظة من ثقل التفكير، من قيود الزمن، أن تصبح جزءاً من شيء لا يمكن القبض عليه، لكنه يلمسك بطريقة لا يفعلها شيء آخر. ربما لهذا كان الإنسان الأول يرقص حول النار، والمتصوّف يدور حتى ينسى نفسه، ودائماً كان العاشق يرقص في حضرة الحب كما لو أنه يحاول أن يلتقط شيئاً غير مرئي، وأنا؟ ربما أرقص لأنني لا أجد كلمات تكفي، أو ربما لأنني، في لحظة واحدة، أريد أن أشعر أنني موجود بالكامل، دون حاجة إلى أي تفسير.

وأولئك الذي كانوا يرقصون، تمّ اتهامهم بالجنون من قِبل أولئك الذين لم يسمعوا الموسيقى. نيتشه

*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.