لغتنا العربية الجميلة

أيمن زيدان

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم باللغة العربية، اللغة التي يتحدث بها أكثر من أربعمئة مليون إنسان، واللغة التي شكّلت حضارة امتدت من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً.

هذا اليوم العالمي يذكّرني بأنّ العربية ليست مجرد تراث نحتفي به مرة في السنة، بل هي كائن حي يتنفس في كل جملة نكتبها، وكل قصيدة نقرأها، وكل أغنية نسمعها، هي ليست لغة الماضي فحسب، بل لغة الحاضر والمستقبل، إذا عرفنا كيف نحبها ونجددها ونحافظ عليها.

فاسمحوا لي أن أشارككم اعترافاً صادقاً عن رحلتي مع هذه اللغة الجميلة…

لم أقع في حب اللغة العربية إلا متأخراً!.

في سنوات الدراسة، كانت العربية بالنسبة لي مادة ثقيلة، قواعد جافة، إعراب معقد، نصوص قديمة لا أفهم علاقتها بحياتي، كنت أحفظ القصائد للامتحانات ثم أنساها فور خروجي من القاعة، كنت أتعامل مع اللغة كعبء، لا كنافذة على عالم ساحر.

ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء.

كنت في العشرينات من عمري، أقرأ ديوان المتنبي لأول مرة بعيداً عن ضغط الامتحانات، بعيداً عن الإجبار المدرسي، وصلت إلى بيت توقفت عنده طويلاً:

“أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي… وأسمعت كلماتي من به صممُ”

شيء ما اهتز في داخلي، ليس فقط المعنى، بل الطريقة التي بُني بها المعنى، الإيقاع الذي يشبه قرع الطبول، الجرأة في الكلمات، التناقض الذي يخلق صورة مستحيلة ومع ذلك نفهمها تماماً: أعمى يرى، أصم يسمع، هذا ليس مجرد كلام، هذا سحر.

في تلك اللحظة، بدأت علاقتي الحقيقية مع اللغة العربية، علاقة ما زلت أكتشف أبعادها حتى اليوم.

ما يميز العربية عن كثير من اللغات هو عمقها الجيولوجي، كل كلمة لها طبقات من المعنى، طبقات تراكمت عبر قرون من الاستخدام والشعر والفلسفة والدين.

خذوا كلمة “قلب” مثلاً، في لغات أخرى، القلب هو العضو الذي يضخ الدم، ومجازياً مركز العواطف، لكن في العربية، “القلب” من “التقلّب”، أي التغيّر والتحوّل، القلب سُمي قلباً لأنه يتقلّب، في هذا الاشتقاق وحده فلسفة كاملة عن طبيعة المشاعر الإنسانية، عن عدم ثباتها، عن تحوّلها المستمر.

أو خذوا كلمة “إنسان”، هل هي من “النسيان”؟ من “الأُنس”؟ من “النَّوس” أي الحركة؟ العلماء اختلفوا، لكن في كل احتمال رؤية فلسفية للإنسان: هو الكائن الذي ينسى، أو الكائن الذي يأنس بغيره، أو الكائن الذي لا يسكن، في كلمة واحدة، ثلاث نظريات عن الطبيعة البشرية.

هذا العمق يجعل الكتابة بالعربية تجربة مختلفة، كل كلمة أختارها تحمل معها تاريخاً، ظِلالاً، إيحاءات، أنا لا أكتب بكلمات، بل بكائنات حية لها ذاكرة وشخصية.

واللغة العربية لغة موسيقية بطبيعتها، ليس فقط في الشعر، بل حتى في الكلام العادي.

هناك الجناس: “صليت المغرب في المغرب”، هناك السجع الذي يتسلل إلى النثر دون استئذان، هناك التوازن الطبيعي في الجُمل الذي يجعل الكلام يتمايل كأنه يرقص، اللغة العربية لا تكتفي بأن تقول، بل تُغني وهي تقول.

أتذكر عندما قرأت لأول مرة نثر الجاحظ، لم أكن أقرأ، كنت أستمع، الجُمل لها إيقاع، لها نبض، لها تنفس، حتى حين يتحدث عن البخلاء ونوادرهم، هناك موسيقى خفية تحت السطح.

هذه الموسيقى تؤثر على طريقة تفكيري ككاتب، عندما أكتب بالعربية، أستمع إلى الجملة قبل أن أراها، أسأل نفسي: هل تتدفق؟ هل فيها نشاز؟ هل الكلمات تتناغم أم تتنافر؟ الكتابة بالعربية فعل سمعي بقدر ما هو فعل بصري.

يقولون إنّ للثلج في لغة الإسكيمو عشرات الأسماء، هذا صحيح، لكن للعربية دقتها الخاصة في مجالات أخرى.

للحب في العربية مراتب: الهوى، ثم الصبوة، ثم الشغف، ثم الوجد، ثم الكلف، ثم العشق، ثم النجوى، ثم الهُيام، كل مرتبة تصف حالة مختلفة، درجة مختلفة من الشدة، نوعاً مختلفاً من التجربة، في لغة واحدة، خريطة كاملة للقلب البشري.


اقرأ أيضاً
عن المتنبي.. تمضي الرياح بما لا تشتهي السفن
قراءة في رواية “ساق البامبو” لسعود السنعوسي
رضوى عاشور: رحلة امرأة استثنائية في عالم الأدب والنضال
أدب المقاومة: ملامح الهوية الفلسطينية عبر الكاريكاتير والشعر والرواية


للسيف في العربية مئات الأسماء، لكل اسم دلالة على شكله أو حدّته أو تاريخه، للأسد عشرات الأسماء، للعسل عشرات الأسماء، هذه ليست ترفاً لغوياً، هذا دليل على حضارة كانت تنظر إلى العالم بعيون دقيقة، تميز بين الفروق الصغيرة، تعطي كل شيء اسمه الخاص.

هذه الدقة نعمة للكاتب ونقمة في آن واحد، نعمة لأنها تعطيني أدوات لا تتوفر في لغات أخرى، نقمة لأنها تضعني أمام مسؤولية هائلة: اختيار الكلمة الصحيحة من بين عشرات الاحتمالات، في العربية، لا عذر للتقريب، الدقة ممكنة، وبالتالي مطلوبة.

العربية لغة مرنة إلى حد يثير الدهشة، نظام الاشتقاق فيها يسمح بتوليد كلمات جديدة من جذور قديمة بسلاسة تامة.

من جذر “ك ت ب” وحده: كتب، كاتب، مكتوب، كتاب، مكتبة، كتيبة، كتّاب، مكاتبة، استكتاب، اكتتاب، عائلة كاملة من الكلمات، كلها مترابطة، كلها تدور حول فكرة واحدة، هذا النظام يجعل تعلّم المفردات أسهل، ويجعل اللغة قادرة على استيعاب المفاهيم الجديدة دون أن تفقد هويتها.

المرونة أيضاً في التركيب، أستطيع أن أبدأ الجُملة بالفعل أو بالفاعل أو بالمفعول، وكل ترتيب يعطي نكهة مختلفة، تأكيداً مختلفاً، “قرأ الطالبُ الكتابَ” تختلف عن “الكتابَ قرأ الطالبُ” تختلف عن “الطالبُ قرأ الكتابَ”، نفس المعنى الأساسي، لكن الإيقاع مختلف، والتركيز مختلف، هذه المرونة تمنحني حرية في التعبير قلما أجدها في لغات أخرى.

كما أنّ هناك تفاصيل صغيرة في العربية تجعلني أتوقف وأبتسم 😊.

التاء المربوطة في نهاية الكلمات المؤنثة، تلك النقطتان الصغيرتان اللتان تغيران الذكر إلى أنثى: كاتب وكاتبة، جميل وجميلة، في هذه النقطتين شيء أنيق، شيء رقيق.

الألف اللينة في آخر بعض الكلمات: “على”، “إلى”، “حتى”، هذه الألف الممدودة تعطي الكلمة امتداداً بصرياً، كأنها تتنفس، كأنها تأخذ وقتها.

الشدة التي تضاعف الحرف: “كسّر” أقوى من “كسر”، “قطّع” أعنف من “قطع”، في علامة صغيرة فوق الحرف، تكثيف للمعنى، تضخيم للفعل.

الإعراب الذي يكشف علاقات الكلمات ببعضها، يجعل الجُملة العربية شفافة، مفهومة حتى حين تتعقد، الضمة للفاعل، الفتحة للمفعول، الكسرة للمجرور، نظام رياضي دقيق يحكم الكلام ويوضحه.

هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها تتراكم، تتراكم لتصنع لغة لها شخصية، لها روح، لها جمال خاص لا يشبه أي جمال آخر.

لن أكون صادقاً إذا لم أعترف بالتحديات، الكتابة بالعربية ليست سهلة، وهذا جزء من جمالها وجزء من صعوبتها.

هناك الفجوة بين الفصحى والعامية، أي لغة أختار؟ الفصحى قد تبدو أحياناً بعيدة، رسمية، منفصلة عن الحياة اليومية، والعامية قد تفتقر إلى الدقة والغنى الذي تملكه الفصحى، الكاتب العربي يعيش في منطقة رمادية، يحاول أن يجد لغة تكون فصيحة دون أن تكون متحجرة، حية دون أن تكون مبتذلة.

هناك أيضاً التراث، عندما أكتب بالعربية، أكتب في ظل المتنبي وأبي تمام والجاحظ وطه حسين ونجيب محفوظ ومحمود درويش، هذا التراث مصدر غنى لا ينضب، لكنه أيضاً مصدر قلق، كيف أكتب شيئاً جديداً في لغة قيل فيها كل شيء؟ كيف أجد صوتي الخاص وسط هذه الأصوات العظيمة؟

لكن هذه التحديات هي أيضاً ما يجعل الكتابة بالعربية مغامرة مثيرة، كل نص محاولة للتوفيق بين القديم والجديد، بين الموروث والمبتكر، بين احترام اللغة وتجديدها.

لماذا أكتب بالعربية؟

الجواب بسيط ومعقد في آن واحد: لأنّ العربية لغتي، ليست فقط اللغة التي أتكلمها، بل اللغة التي أفكر بها، أحلم بها، أشعر بها، عندما أفرح، الفرح عربي في داخلي، عندما أحزن، الحزن له مذاق عربي، العربية ليست أداة أستخدمها، بل جزء من كياني.

والعربية لغة أربعمئة مليون إنسان، أربعمئة مليون قارئ محتمل، من المحيط إلى الخليج، يشتركون في لغة واحدة رغم اختلاف لهجاتهم وثقافاتهم المحلية، هذا الامتداد الجغرافي والبشري يجعل الكتابة بالعربية فعلاً ذا معنى، فعلاً يصل إلى ملايين لا يمكن الوصول إليهم بلغة أخرى.

علاقتي بالعربية علاقة حب متجدد، كل يوم أكتشف فيها شيئاً جديداً، كلمة لم أكن أعرفها، تركيباً لم أفكر فيه، إمكانية لم أستكشفها.

أحب العربية حين تكون رقيقة كنسمة، وأحبها حين تكون عاصفة هوجاء، أحبها في الشعر القديم وفي الرواية الحديثة، أحبها في خطبة بليغة وفي رسالة نصية عابرة، أحبها حين تتقعر وتتفلسف، وأحبها حين تبسط وتقترب، هي لغة أمي وأبي وأجدادي، لغة القرآن والشعر الجاهلي وألف ليلة وليلة، لغة الفلاسفة والعلماء والصوفية والعشاق.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.