انطونيوس عطية*
في كل عصر، كان هناك كاتب مطارد، منبوذ، أو متّهم بالزندقة. الكاتب الذي لم يرضَ بأن يكون صدى للجموع، ولم ينحنِ لما هو سائد. الأدب، في جوهره، فعل تمرّد؛ حتى لو لم يحمل سيفاً، فهو قادر على اقتلاع الأسس التي بُنيت عليها العوالم المألوفة.
لكن لماذا كان الأدب دائماً ساحة للصراع؟
لماذا كان الكتّاب هُم أول من يُلقى بهم إلى الهامش، أو إلى المنفى، أو حتى إلى المقصلة؟
من سقراط، الذي حُكم عليه بالموت بتهمة إفساد الشباب، إلى جاليليو، الذي حُوكم لأنه قال إنّ الأرض تدور، مروراً بنيتشه، الذي حُكم عليه بالجنون لأنه تجرأ على “قتل الإله” في كتاباته، كان الأدب دائماً على تخوم الخطر.
الكلمة، حين تخرج عن نسقها، تتحوّل إلى رصاصة تهدّد المجتمعات، والمقدّسات، والهياكل المتحجّرة. الكاتب الحقيقي ليس ترفاً؛ إنه خطر دائم، لأنه يذكّر الجميع بأنّ الحقائق ليست نهائية، وأنّ السائد قد يكون زيفاً متقن الصنع.
في تاريخنا العربي، لا يختلف الأمر كثيراً، أبو العلاء المعري عُزل لأنه أنكر على الناس يقينياتهم، وابن رشد أُحرقت كتبه لأنه فكّر خارج نطاق السلطة، والحلاج دفع حياته ثمناً لحرفٍ قالَه في لحظة وجد.
نجيب محفوظ طُعن لأنه كتب أولاد حارتنا، وأدونيس نُفي لأنه أراد أن يعيد قراءة التراث بعيون العصر، وعبد الرحمن منيف ظل منفياً حتى الموت لأنّ رواياته كشفت عورات الديكتاتوريات العربية.
الكاتب العربي لم يكن يوماً في مأمن؛ فإمّا أن يكون تابعاً، أو أن يدفع الثمن.
اقرأ أيضاً
حين يبكي القلم
الكتابة بين الانهزامية والتأثير
لماذا أفضل وقت للكتابة هو الآن؟
لماذا نكتب…؟
علم نفس الكتابة للروتين اليومي المثالي
السلطة تخاف من الكاتب لأنه قد يُشعل فتيل الثورة دون أن يحمل سلاحاً، والمجتمع يخاف منه لأنه يجعل الأسئلة تتكاثر كالأشواك، واليقينيات تنهار كالجدران الهشّة.
حتى القارئ العادي قد يخاف منه، لأنه يضعه أمام مرآة لا ترحم.
الكاتب الذي يكتب دون أن يُزعج أحداً ليس كاتباً، هو مجرّد كاتب تقارير جيّد. أمّا الكاتب الحقيقي، فهو لعنة على كل ما هو ثابت.
الكتابة لا تمنح كاتبها الأمان. إنها تقتله ببطء، لكنها تمنحه تلك اللحظات النادرة من الخلاص.
أن تكون كاتباً يعني أن تحمل منفى داخلياً لا خلاص منه، أن تظلّ طوال عمرك في مواجهة مع ذاتك ومع العالم، أن تفكّر، حتى حين يكون التفكير مكلفاً.
“لذلك، ربّما يكون الكاتب ملعوناً…
لكنه أيضاً الناجي الأخير،
الوحيد الذي لا يزال بإمكانه تسمية الأشياء بأسمائها،
حتى لو كان الثمن هو أن يموت في العتمة”.
*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


أضف تعليق