القراءة حياةٌ للعقل وعبادةٌ للفكر

ناهد عبدالله القدسي

للقراءة في ديننا الإسلامي مكانةٌ عظيمة ومنزلةٌ رفيعة، إذ كانت أولَ أمرٍ إلهي نزل على سيد الخلق، سيدنا محمد ﷺ، قولُه تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.

ولم تبدأ الشريعة الإسلامية تشريعاتها بالأمر بالصلاة أو الصيام أو غيرها من أركان الدين، بل استهلّت أوامرها الربانية بالقراءة، في دلالةٍ واضحة على أنّ بناء الإنسان في الإسلام يبدأ ببناء العقل، وأنّ الوعي والمعرفة هما أساس كل عبادةٍ صحيحة، وكل عمرانٍ راشد في الأرض.

فالقراءة في المنظور الإسلامي ضرورة تحفظ العقل من الجمود والتعفّن والجهل والتقليد الأعمى وليست مجرد ترفاً أو نشاطاً ثانوياً.

ومن وجهة نظري العقل الذي لا يقرأ كالأرض التي لا تُزرع؛ سرعان ما تكسوها الأعشاب الضارّة، ويغيب عنها الخير والنماء.

ولذلك حثّ الإسلام على إعمال الفكر، والتدبّر، والنظر في آيات الله الكونية والشرعية، فقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿أفلا يعقلون﴾، ﴿أفلا يتفكرون﴾.

والقراءة في الإسلام عبادةٌ متى صلحت النيّة، فهي وسيلةٌ لمعرفة الله، وفهم سننه في الكون، والتمييز بين الحق والباطل. وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة، فكانت الأمة الإسلامية أمةَ قراءةٍ وعلم، تُشيّد المكتبات، وتترجم العلوم، وتُخرّج العلماء في شتى المجالات؛ لأنهم فهموا أنّ قوة الدين لا تنفصل عن قوة العقل، وأنّ النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على العلم والمعرفة.

كما أنّ القراءة ضرورةٌ مجتمعية لا غنى عنها؛ فالمجتمعات التي تقرأ هي المجتمعات الأكثر تقدماً وازدهاراً في مختلف المجالات الحياتية والعملية، بينما تنغمس المجتمعات التي تهجر القراءة في وحلِ الجهل والرجعية والخرافة، وتتراجع في مسيرة الحضارة من المقدّمة إلى الذيل. فالقراءة هي وقود التقدم، وعموده الفقري، وأساس استمراره.


اقرأ أيضاً
كيف ينبغي للمرء أن يقرأ كتاباً؟
من الصفر حتى القراءة: 6 خطوات لتطوير عادة القراءة
أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة
كتاب واحد في الشهر: تحدي القراءة لعام 2025


وأرى أنّ القراءة تحمي الإنسان من الانغلاق الفكري والغلوّ، إذ توسّع الآفاق، وتعمّق الفهم، وتجعل الإنسان أكثر وعياً بمقاصد الشريعة وروحها، لا بظواهر النصوص وحدها. فالعلم يورث الحكمة، والحكمة تُثمر الاعتدال، والاعتدال هو جوهر الإسلام وروحه السمحة.

وفي زمنٍ كثُرت فيه الملهيات، وتسارعت فيه مصادر التشويش، وأصبح العقل عرضةً للتفاهة والسطحية، تبقى القراءة درعاً يحميه، وسلاحاً يصون الفكر من الفراغ والضياع. فمن أراد أن يحفظ عقله، ويصون إيمانه، ويُحسن عبادته، فليجعل للقراءة نصيباً ثابتاً من يومه؛ فهي حياةٌ للقلب، ونورٌ للبصيرة، وطريقٌ للنهضة الفردية والأممية.

وفي الختام يمكن القول بأنّ الأمر الإلهي «اقرأ» لم يكنمجرد بداية للوحي، بل كان إعلاناً لمشروعٍ حضاريٍّ متكامل، قوامه عقلٌ واعٍ، وقلبٌ مؤمن، وإنسانٌ قارئ.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.