ريم بنا: وأصوات الغياب التي لا تموت

انطونيوس عطيه*

ليس كل صوت يُسمع، هناك أصوات تُحفر في الذاكرة، تمتزج بالهواء، تصبح جزءاً من اللاوعي الجمعي لشعوبٍ تحاول أن تتشبث بالحياة وسط ركام الأوطان المكسورة. ريم بنا، لم تكن مجرد مغنية، كانت ذاكرة مقاومة، طيفاً غنّى لفلسطين كما لو أنها وطنٌ داخلي لا يمكن احتلاله، كأنها تعرف أنّ الموسيقى قد تكون الجدار الأخير الذي نحتمي به من الاندثار.

هناك أصوات لا تهدف إلى الترفيه، بل إلى التحدي، لا تُطرب بقدر ما توقظ، لا تسعى إلى الخلود بقدر ما تحاول أن تمنع النسيان. ريم بنا، مثلها مثل الشيخ إمام، مارسيل خليفة، فيروز، سميح شقير، جوليا بطرس، كانت تدرك أنّ الصوت قد يكون سلاحاً، وأنّ بعض الألحان أكثر خطراً من البنادق، لأنها تزرع فكرة، تثير سؤالاً، تُبقي الذاكرة حيّة في زمنٍ يحاول قتلها.

الموسيقى، في جوهرها، لغة حرة، لا تعترف بالحدود، لا تُحبس في زنازين، لا تُحاصر بقرارات المنع. لكنها، حين تلامس الوجع الجمعي، تتحوّل إلى شيء أكبر من مجرد ألحان، تصبح مرآة لمأساة كاملة. ريم بنا، لم تكن تغني فقط، كانت تستحضر فلسطين كأنها حقيقة لا يجب أن تُنسى، كأنها تحاول أن تبقي الأبواب مفتوحة على حلم العودة، حتى لو لم يعد جسدها قادراً على العودة ، كان صوتها يشبه الحجارة التي يُلقيها الأطفال في مواجهة الدبابات، هشاً لكنه صلب، ضعيفاً لكنه لا ينكسر. غنّت للحب كأنه مقاومة، وللأمل كأنه فعل عصيان، وللحياة كأنها معركة ضد الموت المحتّم.

قالت في إحدى مقابلاتها:

“لا يمكنهم أن يحتلوا أرواحنا، ولا أن يُسكتوا أصواتنا.”

لكن ماذا يحدث حين يغيب الصوت؟ هل تموت الأغنية بموت المغني؟

من الشيخ إمام، الذي غنّى للفقراء والمقموعين، إلى مارسيل خليفة الذي جعل من العود بندقية، إلى فيروز التي جعلت صوتها وطناً لمن لا وطن له، كلهم أدركوا أنّ الموسيقى ليست فقط نغمة، بل ذاكرة.

فيروز لم تغنِّ فقط للحب، بل غنّت للمدن التي احترقت، للحارات التي هُجّر أهلها، للأشواق العالقة بين من بقي ومن غادر. مارسيل خليفة لم يكن مجرد مغنٍ، كان صدىً لأشعار محمود درويش، ظلاً للمقاومة في وجه النسيان.

وريم بنا، حين كانت تُغني، كانت تعرف أنها ليست فقط صوتها، بل صوت أجيال كاملة لم يُسمح لها بأن تحكي قصتها.

لكنني حين أفكر فيهم..

أجد أنّ الغياب لا يصمت، بل يترك أثراً يشبه صدىً ممتداً في الفراغ. بعض الأصوات تستمر، حتى بعد أن ينطفئ الجسد، لأنّ الغناء الحقيقي ليس صوتاً، بل فكرة، والفكرة، إن كانت صادقة، لا تموت أبداً ، فهل كانت ريم بنا تعلم، حين كانت تغني، أنها ستبقى؟ ربما لم يكن ذلك يهمها. المهم أن تبقى الكلمة في الذاكرة، أن تظل الموسيقى درعاً أخيراً أمام محو التاريخ، أن تكون الأغنية آخر ما ينهزم.


اهداء لروح الفراشة التي لا يزول أثرها “ريم بنا”.

*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق